الميتافيرس تكنولوجيا ستغير حياتنا جذرياً: دمج العالم الواقعي بالافتراضي

استخدام الميتافيرس سيشكل بداية نقطة اللاعودة للحضارة الإنسانية (Getty)
استخدام الميتافيرس سيشكل بداية نقطة اللاعودة للحضارة الإنسانية (Getty)


تخيّل أنك تجلس في غرفتك وتتمكن بواسطة نظارات الواقع الافتراضي أن تسافر إلى أي بلدٍ تريده وتتجول في شوارعه، أو أن تتعلم عزف البيانو مع أستاذ للموسيقى وجدته عبر الإنترنت. ما نتحدث عنه هنا ليس ضرباً من ضروب الخيال، بل واقع سيفرضه عالم الميتافيرس الذي سيتخطى مفهوم العوالم الافتراضية في الألعاب ويتوسع ليشمل كل نواحي الحياة كما الحياة الواقعية، بما في ذلك دمج وربط العالم المادي بالعالم الافتراضي.


مستقبل الإنترنت

يصف خبراء التكنولوجيا عالم الميتافيرس بأنه عالمٌ رقمي، يمكن أن يتفاعل معه الكثير من المستخدمين في بيئة ثلاثية الأبعاد، وهو بنظرهم مستقبل الإنترنت. وأصل المصطلح يعود إلى الروائي نيل ستيفنسون، الذي ابتكره عام 1992 في إحدى روايته التي تخيل فيها شخصيات افتراضية حية تلتقي في مبانٍ ثلاثية الأبعاد وغيرها من بيئات الواقع الافتراضي.

وبما أن ما نتحدث عنه سيصبح حقيقة ملموسة خلال سنواتٍ قليلة، وسيغير حياتنا جذرياً. بدأت شركاتٌ عالمية كبرى مثل "أمازون" و"آبل" و"غوغل" و"مايكروسوفت" و"نفيديا"، باستثمار أموالٍ طائلة على هذه التكنولوجيا. إذ جندت شركة "ميتا"، بقيادة مارك زوكربيرغ، نحو 10 آلاف شخص في مشروع الميتافيرس، مخصصةً 10 مليارات دولار لإنفاقها هذا العام وحده على هذا المشروع. فيما أعلنت مجموعة "سوني" اليابانية والمجموعة الأم لشركة "ليغو" الدانماركية، عن استثمار ملياري دولار في الشركة المطورة للعبة "فورتنايت" للمساهمة في تطوير عالم الميتافيرس ضمن هذه اللعبة.


كيف ندخل هذا العالم؟

يمكن دخول عالم الميتافيرس عن طريق شراء نظارات الواقع الافتراضي "Oculus VR"، وهكذا يمكنك عبر صورتك الفعلية أو الرمزية "أفاتار" التي تختارها، عقد الاجتماعات والمقابلات والتسوق والسفر وحضور الحفلات، وحتى الزواج وكسب المال وتأسيس اقتصاد من خلال العالم ثلاثي الأبعاد.

ولتبسيط الأمور وشرحها بطريقةٍ سلسة، ستمكننا هذه التكنولوجيا من عقد الاجتماعات والمؤتمرات المستقبلية من دون حضورها جسدياً، حيث يلتقي ممثلو الشركات معاً بأشكالهم الفعلية أو الرمزية "أفاتار" في قاعاتٍ افتراضية. وليس ببعيد أن تجد نفسك تعقد اجتماعاً مستخدماً نظارات "Oculus VR" في مكتبك الافتراضي، وبعد أن تُنهي عملك تسترخي في لعبةٍ ما، كما يمكنك التسوق وتلقي التدريبات في شتى المجالات، ما يوفر نفقات استخدام المعدات والمواد الاستهلاكية والسفر، ويتيح الاستخدام الأمثل لميزانيات التدريب المتاحة. يُضاف إلى ذلك إمكانية استخدامها للذهاب إلى المهرجانات الموسيقية أو حتى لقضاء إجازة سريعة في مكانٍ دافئ ومشمس، ولمَ لا التجول في شوارع باريس ولندن.


ليست شبيهة للواقع الافتراضي

وعند الحديث عن هذه التكنولوجيا الجديدة، تجدر الإشارة أنه في الوقت الحالي، هناك بعض الالتباس عندما الحديث عنها. إذ أن البعض قد يعتقد أنها أصبحت في المتناول. خصوصاً أن هناك الكثير من اللقطات عبر الإنترنت التي تُظهر مستخدمين يرتدون النظارات ويتنقلون في عوالم افتراضية، كالتوجه إلى ساحة ألعابٍ ترفيهية والتنزه. لكن ما نراه اليوم هو ما يُسمى "الواقع الافتراضي VR"، ويُستخدم في الغالب للألعاب.

وفي حين أن الواقع الافتراضي سيكون جانباً من جوانب ميتافيرس، إلاّ أنه مجرد ذرةٍ من إمكاناته الحقيقية. وهذا ما يؤكد عليه ديفيد سانشو، كبير الباحثين في مجال التهديدات في شركة "ترند ميكرو Trend Micro"، وهي شركة برمجيات أميركية-يابانية متعددة الجنسيات للأمن السيبراني، ومقرها الرئيسي في طوكيو، بقوله "من المهم ملاحظة أن عالم الميتافيرس ما زال قيد التطوير. وكل ما نفكر فيه الآن هو مجرد رأي وإمكانيات".


عالم جديد تماماً

من جانبه، يقدم ديفيد ريد، أستاذ الذكاء الاصطناعي والحوسبة المكانية في جامعة "ليفربول هوب"، ثلاثة تعريفات للميتافيرس: "الأول هو تطور الإنترنت، والثاني هو تطور الحوسبة نفسها، والثالث هو التفرد التكنولوجي". وربما يكون التعريف الأخير هو الأكثر إثارة للاهتمام. فاستخدام الميتافيرس سيشكل بداية نقطة اللاعودة للحضارة الإنسانية. وببساطة، ستجلب هذه التكنولوجيا تغييراتٍ في كيفية عيشنا لم نرها أو نتوقعها من قبل.

يشارك ريد وفريقه من الباحثين، في عملية تطوير عالم الميتافيرس. وبعد أن عمل مؤخراً على قفاز لمسي يرتديه المستخدم في العالم الحقيقي، لإعادة إنشاء تجربة اللمس عن طريق إرسال الاهتزازات من خلال اليد المادية.. قطع خطوةً أخرى إلى الأمام. وباستخدام القفاز نفسه، قام وفريقه بتوصيل الكثير من مستشعرات برايل بأطراف الأصابع. عندما تتحرك يدك حول شيءٍ ما وتمسك به، تتحرك مستشعرات برايل في الوقت الفعلي. ويمكنك في الواقع أن تبدأ في الشعور بالملمس على الأشياء والزوايا والأسطح.

كانت قفازات الهيكل الخارجي موجودة منذ سنوات، والحواس التي تمثلها تقريباً ثنائية الأبعاد من حيث أنها تقتصر على اللمس. ولكن ماذا عن عازف الغيتار الذي يشعر بحريق يصيب أصابعه عند العزف في العالم الحقيقي؟ هل من الممكن الشعور بذلك في عالم الميافيرس؟ يجيب ريد قائلاً "نحن نعمل حالياً على قفاز أعتقدُ أنه الأول من نوعه في العالم، والذي يمكن أن تشعر بالحرارة به. إنه ينقل حرفياً الحرارة من العالم الافتراضي إلى اليد في العالم الحقيقي. إنّ أجهزة استشعار مزدوجة الجانب في التكنولوجيا التي نستخدمها، يمكن أن تجعل نقل الحرارة إلى القفاز بوتيرةٍ أسرع مما يمكن أن نتصورها في الوقت الفعلي. وسيمكننا ذلك من نقل تجربة حسية غامرة حقاً".


استغلال العصابات

مع ذلك، يتخوف العلماء من استخدام هذا العالم لأغراضٍ إجرامية. فلن يخلو عالم الميتافيرس من الجرائم مثل التلاعب بالسوق، والخروقات الإلكترونية، والهجمات الإلكترونية، وانتهاكات الخصوصية، وغسيل الأموال، والتجسس داخل الحكومات والمؤسسات العامة والخاصة الكبيرة. ويمكن بالتالي أن تشوه العالم بأساليب ليس لدينا فكرة عن وجودها.

وهنا، يقول سانشو "قد يؤدي ذلك حتى إلى انهيار الأيديولوجيات والأنظمة السياسية. والأمر لن يكون شبيهاً باستيلاء شخص ما على حسابك على وسائل التواصل الاجتماعي. فإذا تولى شخص ما الحساب الرسمي للجامعة، وبدأ في إخبار الجميع بمدى خطورة الغرب أو أي شيءٍ من هذا القبيل، فقد يؤثر ذلك على شرعية المؤسسة التعليمية تلك".

كما يعتقد العلماء أن هذه التكنولوجيا ستساهم بنمو الشبكات الإجرامية. ولنفترض مثلاً وجود مبنى في عالم ميتافيرس يستطيع قلة مختارة الوصول إليه. إما أن يكون لديهم مفتاح مشفر في العالم الافتراضي، أو يقومون بتمرير مفتاح USB فعلي في العالم الحقيقي يمكن تحميله إلى ميتافيرس. قد يحدث أي شيء خلف جدران المبنى، وسيكون من الصعب مراقبة تلك المجتمعات المغلقة.

إضافةً إلى ذلك، يمكن للعصابات الإجرامية أن تتحد لنشر البرامج التعليمية حول كيفية الاختراق، وبيع معلومات بطاقة الائتمان أو عمليات فحص شبكية العين. ويمكنهم حتى مشاركة مواد مقززة يندى لها الجبين. لذا، بدأت الدعوات تخرج في العالم مطالبةً الشركات التي تطور هذه التكنولوجيا بالتنسيق مع الحكومات لرسم سياسةٍ واضحة وفرض قوانين صارمة تمنع استغلال المجرمين للميتافيرس.

تعليقات: