معركة العدلية: طرد وتأديب قضاة.. وغادة عون مُهدَّدة

قد يتجه مجلس القضاء الأعلى إلى قرار يقضي بوقف القاضية غادة عون عن عملها (مصطفى جمال الدين)
قد يتجه مجلس القضاء الأعلى إلى قرار يقضي بوقف القاضية غادة عون عن عملها (مصطفى جمال الدين)


بعد مواجهات قضائية استمرت لأشهر طويلة بين القضاة أنفسهم، يبدو أننا انتقلنا إلى معركة جديدة، وهي "معركة العدلية"، التي بدأت بين مجلس القضاء الأعلى وبعض القضاة. وذلك إثر القرار القضائي الفجائي الذي قضي بفصل قاضي التحقيق العسكري، مارسيل باسيل، وبوقف القاضي المستشار في محكمة جنايات جبل لبنان، شادي قردوحي عن العمل.

إجراءات الفصل القضائي تلك، أتت بعد أسبوع على إصدار مجلس القضاء الأعلى بيانه الذي أشاد فيه بالقضاة مبرراً فيه اعتكافهم، ورافضاً التعرض لهم أو المس بكرامتهم. الأمر الذي يؤكد حالة التخبط الحاصلة داخل السلك القضائي، بين مجلس القضاء الأعلى والقضاة وبين القضاة أنفسهم.


الإهمال الوظيفي؟

وحسب معلومات "المدن"، فقد قرر المجلس التأديبي للقضاة، الذي عقد جلسته برئاسة القاضي جمال الحجار وبعضوية القاضيين ميرنا بيضا وأيمن عويدات، معاقبة القاضي مارسيل باسيل بطرده من الجسم القضائي، بشكل نهائي، من دون تعويضات مادية، لتهمته بالإهمال الوظيفي وتراكم الملفات القضائية التي لم ينجزها يوم كان قاضياً في الشمال، أي قبل أن ينتقل إلى المحكمة العسكرية. الأمر الذي دفع باسيل إلى الطعن في هذا القرار أمام المجلس الأعلى للتأديب، والذي يرأسه القاضي سهيل عبود.

وأيضاً، أصدر وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال، هنري الخوري، قراراً بوقف القاضي شادي قردوحي عن العمل، على أن يتقاضى نصف راتبه الشهري وتعويضاته لحين صدور القرار النهائي من المجلس التأديبي في الجلسات المقبلة، وذلك على خلفية اتهامه بتخلفه وتغيبه عن محكمته.


غادة عون التالية؟

ووفق مصادر "المدن" القضائية، فإن مجلس القضاء الأعلى قد يتجه خلال الأيام المقبلة إلى قرار يقضي بوقف القاضية غادة عون عن عملها، وذلك ريثما يصدر قرار المجلس التأديبي الأخير، بعد أن أحيلت مرتين إلى المجلس التأديبي، وذلك على خلفية تسريب بعض التسجيلات المسجلة لعون في فرنسا، حيث أساءت إلى بعض القضاة أمام الحضور. هذا عدا عن مواجهتها لمجموعة من دعاوى القدح والذم المقدمة من بعض السياسيين، فيما كان آخرها تقدّم رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، وليد جنبلاط، بطلب رد القاضية عون بكافة الملفات المتعلقة بموكله، وذلك بسبب الخصومة بينهما.

سابقة قضائية

يُعتبر هذا الحكم القضائي "سابقة" في تاريخ السلك القضائي، سيما أنها المرة الأولى التي يعاقب عليها القضاة لإهمالهم الوظيفي بالطرد من العمل. في حين يصار دائماً إلى معاقبتهم عبر كسر درجاتهم، ما يؤدي إلى خفض رواتبهم وقيمة التقديمات.

لا شك أن هذا العقاب أثار حفيظة بعض القضاة الذين اعتبروه إعلاناً واضحاً لاضمحلال الكرامة القضائية، وتصفية سياسية للقضاة النزهاء. آخرون اعتبروا أن هذه الخطوة تدل على فقدان العدل في لبنان وتوحي بانهيار القضاء.


إن هذا التخبط أدى إلى بروز تداعيات خطيرة على مختلف الأصعدة. فكيف ظهر ذلك؟

حسب مرجع قانوني لـ"المدن"، فإن دخول الاعتكاف القضائي في شهره الخامس وتمنع 370 قاضياً من أصل حوالى 550 قاضياً عن متابعة ملفاتهم القضائية، أدى إلى تراجع كبير في متابعة دعاوى الفساد والدعاوى المالية والعقارية والجزائية، سيما أن هذه الملفات في الوقت الحالي لا تعتبر ملحّة في ظل الاعتكاف، وبالتالي تؤجل متابعتها إلى وقت لاحق. غير أن خطورة هذا الأمر بدأت تظهر في تعاطي الأجهزة الأمنية مع الجنح، وخصوصاً في ظل ارتفاع نسب السرقات خلال هذا العام.

وحسب المصدر نفسه، فإن الأجهزة الأمنية أظهرت تنصلها من المسؤولية خلال إلقاء القبض على المجرمين أو السارقين، يعود ذلك لإمتلاء النظارات بالموقوفين. حيث أقدمت الأجهزة الأمنية على إطلاق سراح سارق، كانت قد ألقت عليه القبض بالجرم المشهود في منطقة خلدة، وذلك بسبب اكتظاظ النظارات بالموقوفين، الذين لم يحوّلوا بعد إلى المحاكم ولم تبدأ محاكماتهم.


الأمن الذاتي

من جهة أخرى، فإن اعتكاف القضاء أدى إلى تفاقم الفوضى في معظم المناطق اللبنانية، حيث عمدت مناطق عدة إلى تطبيق أمنها الذاتي من دون اللجوء إلى القضاء. وتمثل ذلك في تمنع أهالي حارة حريك عن تسليم عدد من السارقين إلى القوى الأمنية، وإصرارهم على محاسبة الفاعلين بأنفسهم. فقاموا بربطهم في منتصف حارة حريك ووضعهم أمام المارة.

وأيضاً، ما حصل في منطقة السان تريز الأسبوع الفائت، والتي تمثلت بإشهار السكان لأسلحتهم الفردية بشكل علني وأمام القوى الأمنية، وذلك بعد ارتفاع حالات النشل والسرقة في الشارع الواحد. سيما أن منطقة الحدت- السان تريز، اعتبرت سابقاً من المناطق الأكثر أمناً، فيما اليوم بات سكانها يعانون من حالات النشل والسرقات بشكل يومي. ما يعني أن انحلال القضاء في لبنان حوّل المناطق الآمنة إلى مناطق مرعبة.


عراقيل الدعاوى

وفي حديث "المدن" مع المحامي علي عباس، أفاد أن أزمة القضاء اليوم بدأت تظهر في كثرة المواجهات داخل قصور العدل، بين القضاة والمحامين بسبب العراقيل التي تواجه الملفات القضائية الملحة.

من جهة أخرى، يضيف عباس أن حاجة الناس اليوم إلى القضاء تعتبر من الأولويات التي يجب معالجتها، خصوصاً أن الناس بدأت تتفادى تقديم الدعاوى أو اللجوء إلى القضاء بسبب الاعتكاف. غير أن عراقيل أخرى ستواجههم في حال قرروا اللجوء إلى القضاء، وهي غياب الطوابع مثلاً، ما يساهم في عدم قبول أي دعوى.

ويضيف عباس أن الأزمة بدأت بعد أن قام صندوق تعاقد القضاة بالإبقاء على طوابع معينة من فئة 100 ألف ليرة، الأمر الذي أدى إلى فقدان باقي الطوابع الأخرى من السوق، كطوابع الـ1000 و5000 ليرة وغيرها..

"كنت في صدد تقديم لائحة وجوبية لأحد المواطنين في قصر العدل، وبحاجة لطابع 2000 ليرة، ولم يتوفر في السوق إلا طابع 100 ألف ليرة. قدمت اللائحة من دون أي طابع وطالبت من القاضي المختص تسديد ثمن الطابع يإيصال مدفوع وذلك لتعذر وجوده. ولا شك أن هذه الخطوة ستؤخر سير المتابعة القضائية، وهي واحدة من العراقيل الجديدة التي تواجه المحامين والمواطنين داخل قصور العدل، سيما أنها المرة الأولى التي نعاني من هذه مشاكل".

إذن، من الواضح اليوم، أن واقع القضاء لم يعد قادراً على حلحلة أزماته المتفاقمة، والملفات القضائية ستبقى على حالها في تقلب بين المراوحة والمراوغة إلى أجل غير مسمى.

غير أن جميع المعطيات تشير إلى معركة قضائية وسياسية ستظهر قريباً، وحينها سيلفظ القضاء أنفاسه الأخيرة، وستظهر تداعيات انهياره في الشارع اللبناني.

تعليقات: