الليرة حاميها حراميها: سعدنات المضارب الأول


لم تكن ثمة حاجة لرفع سعر دولار «صيرفة» وخفض دولار السوق السوداء خلال دقائق كي يثبت حاكم مصرف لبنان رياض سلامة أن المكلف بحماية الليرة والحفاظ على استقرارها هو المضارب الأول عليها. فبعد فقدانه كل مقوّمات وظيفة الحاكم، يتفرّغ سلامة في الأشهر الستة الأخيرة من ولايته للتلاعب بسعر الصرف وإلحاق مزيد من الانهيار بقيمة الليرة اللبنانية وما يرافقها من تضخم. أبرز مثال على ذلك التعاميم التي تسمح ببيع الدولار عبر منصة «صيرفة» بأقل من السوق السوداء وما يتخللها من مضاربات واستنسابية. في الظاهر، يقدمها على أنها خدمة للمواطن. ولكن، فعلياً، يكدّس المزيد من الأرباح في جيوب أصحاب المصارف ومجالس إدارتها والنافذين وكبار التجار والصرافين وغيرهم. أما الفارق ما بين السعرين، وتلك «جريمة» أخرى، فيسجلها الحاكم في خانة خسائر «المركزي» بالليرة اللبنانية ليدفع ثمنها المواطنون. هي السعدنات نفسها التي لا ينفك المضارب الأول عن ممارستها حتى ولو أدّت إلى إفقار عموم اللبنانيين


عملياً، لم يعد خافياً أن حاكم مصرف لبنان هو المضارب الرئيسي على الليرة اللبنانية التي كان يحرص على التطمين إلى أنها «بخير» طالما هو موجود على رأس «المركزي». فغداة تبديد الاحتياطي وأموال المودعين، وفي غياب أي استثمارات أو رؤوس أموال جديدة، فَقَدَ الحاكم كل مقومات وظيفته وابتدع دوراً جديداً لنفسه يقتصر على طبع الليرة وزيادة التضخم والتلاعب بسعر الصرف. هكذا، قرر منذ نحو شهر أو أكثر (وهي ليست المرة الأولى) ترك الدولار يسلك منحى تصاعدياً حتى قفز أخيراً ثلاثة آلاف ليرة في غضون بضعة أيام. لكنه ارتأى صباح أمس فقط التدخل عبر تعميم يرفع فيه سعر الدولار على منصة صيرفة من 31600 ليرة إلى 38 ألف ليرة دفعة واحدة ثم فتح باب المصارف أمام المواطنين والتجار والشركات لاستبدال ليراتهم بدولارات وفق المنصة حتى نهاية كانون الثاني 2023 وبسقف مالي غير محدّد. حصل ذلك من دون أي شرح عن سرّ هذا التوقيت بالذات، لكن ما هي إلا دقائق معدودة لا تتجاوز الخمس حتى فعلت عصا الحاكم السحرية فعلها على تطبيقات الصيرفة لينخفض الدولار مباشرة من 47 ألف ليرة إلى 42 ألفاً بضربة واحدة، من دون أن تكون السوق قد استوعبت بعد أي تأثير لتعميم سلامة. بمعنى آخر، من الواضح أن من يضارب على الليرة ويتلاعب بسعر الصرف على التطبيقات ويُخفضه ويرفعه في ثوان ليس إلا سلامة بواسطة جوقته، أي كبار الصرافين الذين يعملون لمصلحته. ومن الواضح أنه يتعمّد كل فترة حقن اللبنانيين بالمهدئات تحت عنوان «بكرا بيتعودوا». إذ سبق له أن واكب تدهور سعر الليرة الكبير بداية العام الجاري بإصدار التعميم 161 حين ضخّ الدولار في السوق للجم ارتفاع سعر الصرف، ومنذ شهرين حين أعلن عن توقف المصرف المركزي عن شراء الدولار فانخفض دولار السوق السوداء في دقائق من 40 ألف ليرة إلى 35 ألفاً. لكن في المرتين، لم يدم الانخفاض الطفيف طويلاً قبل أن يعاود الدولار ارتفاعه بعد «تعوّد» المواطنين. والمتوقع أن يتكرر المشهد نفسه اليوم فيعاود الدولار صعوده في فترة وجيزة في غياب أي إصلاح نقدي أو مالي حقيقي.


الجزء الأكبر من المستفيدين من منصة صيرفة هم أصحاب الحسابات الكبيرة بالتواطؤ مع سلامة عبر منحها ربحاً صافياً يصل إلى 30%


خلال التعميم، لم تفت سلامة الإشارة إلى حرصه على تداعيات هذا الارتفاع الذي «سبب تضخماً في الأسواق مما أضر بالمواطن اللبناني كون الأسعار في لبنان ترتبط بسعر صرف الدولار». من دون أن يأتي على ذكر دوره في هذا التضخّم نتيجة تلاعبه بحجم الكتلة النقدية بالليرة في السوق. فبتاريخ 31 تشرين الأول، بلغت هذه الكتلة 75 تريليون ليرة أي بزيادة 16 تريليون ليرة خلال شهر واحد، قبل أن يقرر سلامة التدخل لسحب 5 تريليونات من السوق خلال أسبوعين، ليعود ويضخ 4 تريليونات إضافية بين 15 تشرين الثاني و15 كانون الأول، فتصل الكتلة النقدية مجدداً إلى 74.7 تريليون ليرة. المفارقة هنا أن الدولار واصل ارتفاعه حين انخفضت هذه الكتلة التي ترافقت مع توافر دولارات كثيرة في السوق نتيجة قدوم المغتربين. ويشرح المستشار المالي غسان شماس لـ«الأخبار» أن المهم في هذه العملية ليس حجم الكتلة النقدية فقط، إنما كيفية تحريك هذه الكتلة يومياً (rate of change). فيمكن لمصرف لبنان أن يحرك الـ70 تريليون ليرة مئة مرة يومياً شراء وبيعاً خلال أسبوعين. لذلك لا علاقة مباشرة بين تقرير الميزانية العمومية الصادر عن «المركزي» كل 15 يوماً وبين سعر الصرف، إذ من الواضح وفقاً لشماس أن ثمة «مضاربة فظيعة تتسبب بجنون الدولار يقوم بها الكبار، وليس اللبناني الذي يهرع لصرافة 100 إلى 200$، في حين أن حجم التداول اليومي عبر منصة صيرفة لا يقل عن 40 مليون دولار يومياً». الخطورة هنا تكمن في أن الجزء الأكبر من المستفيدين من منصة صيرفة هي «الحسابات الكبيرة التي تمتلك كمية كبيرة من الليرات اللبنانية، وبأن المنصة باتت تستخدم لخدمة هؤلاء بالتواطؤ مع سلامة عبر منحها ربحاً صافياً يصل إلى 30%، وبعضها يتم عبر حسابات وهمية لا يمكن أن نعرف صاحبها وقد تكون تابعة للمصارف نفسها». أما الفارق بين دولار المنصة والسوق السوداء، فيسجلها سلامة كـ«خسائر بالليرة اللبنانية على المركزي؛ تزيد الخسارة فيضطر إلى تذويب المزيد من الليرات. في حين تسجل جزءاً منها المصارف كأرباح محققة لإعادة رسملة نفسها». أما عن الربط بين ما يحصل وبين تهريب الدولارات أو القول إن التجار السوريين يشترون الدولار، فيؤكد شماس أن «التهريب لا يرفع سعر الصرف بل ضخ المزيد من الليرات في السوق يفعل ذلك». ويسأل: «من يمتلك الليرة بأحجام كبيرة ليبيع ويشتري؟». ماذا عن المنحى الذي سيسلكه الدولار؟ «ليس ثمة من سبب هيكلي لخفض الدولار، كازدياد الثقة مثلاً بالقطاع المصرفي أو بلبنان أو تلقي هبة بمليارات الدولارات أو استخراج الغاز. يقابل ذلك اندفاع جنوني نحو الاستهلاك وكأن لا أزمة حصلت إذ عدنا لنستورد كما في العام 2018 مما يتسبب بخروج كمية كبيرة من الدولارات التي تتسبب بعجز في الميزان التجاري، ومعظمها ينفق على الكماليات كالعطور والسيارات والساعات لا على المحروقات والقمح». نتيجة كل ذلك، وفي ظل استمرار مضاربة مصرف لبنان على الليرة، الدولار سيواصل ارتفاعه من دون أي سقف لا سيما أن سلامة سيقضي الأشهر الستة الأخيرة من ولايته في التلاعب بالليرة والدولار و… بحياة اللبنانيين. وعلى ما قاله في إحدى مقابلاته الإعلامية: «يصطفلوا من بعدي».



أسعار الخدمات ترتفع 22% ومزيد من تآكل رواتب القطاع العام

ad

منذ انطلاقتها، في أيار 2021، لم تكن منصة «صيرفة» أكثر من أداة لمصرف لبنان للتدخّل في السوق والتأثير فيه بشكل مباشر أو غير مباشر أحياناً. على الصعيد المباشر، يحصل التأثير عبر تأمين كميات من الدولارات لعرضها في السوق بسعر أقل من سعر الصرف في السوق الموازية، وبشكل غير مباشر عبر التأثير في سلوك الأفراد والمؤسسات لدى تحريك السعر على المنصة.

أمس، أصدر مصرف لبنان بياناً أعلن رفع سعر الصرف على منصة «صيرفة» من 31200 ليرة إلى 38000 ليرة مقابل الدولار الواحد. ظاهرياً، استخدم «المركزي» هذه الأداة لخفض سعر الدولار عبر التأثير على حركة السوق وفلتان عملية التداول. لكنه، في المقابل تسبب بقراره هذا في ارتفاع أسعار الخدمات المفوترة، كالاتصالات والكهرباء، التي لا تزال تُحتسب على أساس سعر «صيرفة»، وهو في الغالب أقل بعدة آلاف من الليرات من سعر السوق السوداء.

فمع رفع المصرف المركزي سعر «صيرفة» بنحو 22% (6800 ليرة) بشحطة قلم، ارتفعت أسعار هذه الخدمات أيضاً. على سبيل المثال، زاد أمس سعر بطاقة «التشريج» المسبقة الدفع المسعّرة بـ 7.58 دولارات، في غضون دقائق، من 263 ألف ليرة إلى 321 ألفاً. كذلك ارتفع بشكل تلقائي سعر الكيلواط المنتج من مؤسسة كهرباء لبنان. إذ إن التعديل الأخير الذي رفع تعرفة الكهرباء سعّر كل كيلواط ساعة بـ 10 سنتات لأوّل 100 كيلواط/ ساعة، و27 سنتاً لما يفوقها. وقد احتُسبت هذه التسعيرة على أساس سعر المنصة (30 ألف ليرة للدولار حين رفع التعرفة)، ما يعني أيضاً زيادة في سعر الكيلواط بنسبة 22%، علماً أن هذا الارتفاع لن يلمسه المستهلكون بشكل مباشر، إذ إن الفواتير المسعّرة على أساس سعر 30 ألف ليرة لكل دولار لم تصلهم بعد ليشعروا بالفرق الذي أحدثه قرار المركزي.


كذلك، ستتأثر بعض الرسوم التي تُستوفى على أساس سعر صيرفة، مثل رسم الطابع المالي الذي أصبح يُحتسب على أساس سعر صيرفة منذ 15 تشرين الثاني الماضي.

أما أكثر التأثيرات الملموسة فهي تلك التي ستنعكس على مداخيل موظفي القطاع العام. إذ استفاد هؤلاء، على مدى شهور، من التعميم 161 الذي أصدره المصرف المركزي نهاية عام 2021، وقضى بإلزام المصارف صرف دولارات نقدية للموظفين على أساس سعر صرف منصّة «صيرفة» مقابل قيمة رواتبهم، وما يسحبونه من حساباتهم وفق السقوف غير الشرعية للمصارف. وقد أفاد هؤلاء من الفارق بين سعر «صيرفة» وسعر الصرف في السوق. ولكن مع رفع سعر المنصّة، تقلّص الفارق بين السعرين ما يعني تراجع «الربح» الذي كانوا يجنونه من هذه العملية، وبالتالي مزيداً من التآكل في قدراتهم الشرائية بعدما كانت العملية تسدّ جزءاً بسيطاً من احتياجات هؤلاء.

منذ بداية الأزمة، ومع استنفاد «المركزي» لاحتياطاته بالعملات الأجنبية، لم يعد هذا الأخير قادراً على التدخّل بشكل فعّال في سوق سعر الصرف، أي عبر ضخ الدولارات لزيادة العرض مقابل الطلب، وبالتالي تخفيض سعر الصرف أو المحافظة عليه عند مستوى معيّن. إذ أصبح هامش المناورة لديه في هذا الجانب ضيقاً جداً، بمعنى أنه لم يعد قادراً على التدخّل بكميات كبيرة. لذا، بدأ المصرف اتباع أساليب تتخطّى التدخّل المباشر في السوق، حتى أصبح تأثيره مقتصراً على التوجّه إلى سلوك الأفراد والمؤسسات في السوق. وقد كانت منصة «صيرفة» إحدى الأدوات لديه لفعل ذلك، من دون الاكتراث لتأثيرات استخدامها على أسعار السلع والخدمات.

لم يعد خافياً أن حاكم مصرف لبنان هو المضارب الرئيسي على الليرة اللبنانية التي كان يحرص على التطمين إلى أنها «بخير» طالما هو موجود على رأس «المركزي»
لم يعد خافياً أن حاكم مصرف لبنان هو المضارب الرئيسي على الليرة اللبنانية التي كان يحرص على التطمين إلى أنها «بخير» طالما هو موجود على رأس «المركزي»


تعليقات: