العمّال اللبنانيون في قطر: ضمور في الرواتب و«البرستيج»

(عامل نظافة آسيوي يستريح في أحد الحدائق العامة على كورنيش الدوحة (الأخبار)
(عامل نظافة آسيوي يستريح في أحد الحدائق العامة على كورنيش الدوحة (الأخبار)


عند رأس السنة، انتهت عقود عمل آلاف اللبنانيين الذين استعين بهم لتأمين خدمات ووظائف مؤقّتة خلال مونديال كأس العالم لكرة القدم الذي استضافته قطر بين تشرين الثاني وكانون الأول الماضيين. من بين هؤلاء وآلاف سواهم، من ينتظر فرصته للدخول إلى الجنة القطرية هرباً من الجحيم اللبناني

يأخذ عمار استراحة قصيرة من عمله في أحد المطاعم في قرية كتارا التراثية في الدوحة، عاصمة قطر. يبتعد عن «سيخ الشاورما» نحو مقعد مقابل للشاطئ ويتصل بأسرته التي تركها خلفه في منطقة المنية قبل تسعة أشهر. على الشاشة، تظهر زوجته وأطفاله ووالدته التي تقيم معه بعد ارتفاع كلفة السكن. ينقطع الاتصال مراراً بسبب رداءة الإنترنت في لبنان وانقطاع الكهرباء. منذ أن انتقل للإقامة في قطر، نسي عمار همّ «النت» مقابل خدمة الـ5G المتوفّرة على هاتفه النقال. كما نسي هموماً كثيرة في البلد الذي عاد إليه عام 2000 من قطر نفسها، ليتزوّج ويؤسّس عمله الخاص بعدما جمع مبلغاً كافياً من العمل لسنوات في مطاعم الدوحة. بعد سنوات، انتهى به المطاف، موظفاً في أحد مطاعم المنية براتب 1500 دولار «في زمن الـ1500» يقول. كان المردود يكفي احتياجات أسرته، إلى أن هبّت الأزمة الاقتصادية وأقفلت المطعم. قبع عمار أشهراً عدة عاطلاً من العمل، إلى أن قرأ إعلاناً على الفايسبوك يطلب موظفين إلى قطر. المفاوضات مع الوسيط اللبناني المكلّف من قبل الشركة القطرية، لم تكن سهلة. «حدّد لي أجراً زهيداً لا يكفي لأؤمن احتياجاتي في قطر فكيف بأن أدّخر جزءاً منه. ولأنّي أعرف كلفة المعيشة المرتفعة في قطر، أصررْت على الحصول على أجر مرتفع». ما بات يراه عمار أجراً مرتفعاً لا يزيد عن ألفي دولار، أي بزيادة 500 دولار عن الأجر الذي كان يحصل عليه في المطعم المجاور لمنزله في المنية. «سُدّت السبل في لبنان وبات الأجر بالدولار مهما بلغت قيمته، أفضل من الأجر بالليرة». يشعر عمار بالرضا، رغم أن راتبه يكفي فقط لتأمين حاجاته الأساسية له ولأسرته. لا يقارن أجره مع أجور اللبنانيين الذين انتقلوا للعمل في الدوحة في السنوات الأخيرة فحسب، بل يقارن مصيره بمصير عدد من أقاربه الذين توفوا في حادثة غرق مركب المهاجرين غير الشرعيين في بحر طرطوس قبل أشهر. «ضمن المجموعة التي توظّفت معي، هناك صبية لم تنه دراستها الجامعية، وقّعت عقداً للعمل كنادلة في أحد المطاعم مقابل 500 دولار. نصحتها بأن هذا المبلغ لا يكفي طعامها وسكنها، لكنها لم تكترث. تملّكها اليأس من العيش في لبنان حتى وجدت أي فرصة بديلة أفضل منها».


من مدرّسة إلى بائعة ثياب

سلوى أحد الذين رماهم اليأس في غربة قطر. ابنة الـ42 عاماً، ركنت شهاداتها في علم النفس والاجتماع وقبلت بوظيفة بائعة في محل ألبسة مقابل 700 دولار أميركي. لم تكن تعلم بأن هذا الراتب لا يكفيها للتعويض عن ضيق المعيشة الذي عانته بعد انهيار قيمة راتبها كمعلمة في مدرسة خاصة. خلال الأشهر الثلاثة التي أمضتها في الدوحة، لم تستطع ادّخار أكثر من 200 دولار أميركي، أرسلتها إلى عائلتها مع أحد أصدقائها الذي انتهى عقده كعامل «ديليفيري» في أحد المطاعم خلال فترة المونديال. لمست سلوى شظف العيش في البلد ذي الدخل الأعلى للفرد في العالم. تشاركت السكن مع خمس فتيات قدمن من المغرب العربي والأردن وسوريا، لتقليص كلفة الإيجار. أما عن تقليص كلفة الطعام، فقد ألغت وجبات لأيام عدة، وأحياناً اكتفت بـ«عروس اللبنة». مع ذلك، لا تفكر سلوى بالعودة إلى بلدها «فرغم المعاناة هنا، لكني أستطيع أن أدّخر ولو دولاراً واحداً».

خلال السنوات الثلاث الماضية، تضاعف عدد اللبنانيين في قطر. الأزمة الاقتصادية شجّعت شركات عدة، بعضها يملكها لبنانيون، على أن تطلب لبنانيين للعمل في وظائف جديدة. انهيار الليرة عدّل في صورة اللبناني في الخليج. لم يعد يستعان به فقط لإدارة مؤسسة أو ترؤس فريق الموظفين، أو التخطيط (...). صار يُطلب أيضاً للعمل كبائع في محل ألبسة أو نادل في مطعم أو عامل استقبال وفي توصيل الطلبات. بعض القطريين استغربوا موافقة اللبناني على المسّ بـ«برستيجه» المعهود. لكنّ لبنانيين كثراً كسروا «البرستيج» الذي وصل سابقاً بالبعض إلى حد التعاطي بفوقية مع بعض الجاليات الأخرى. صاحب إحدى الشركات القطرية أشار في حديثه لـ«الأخبار» إلى أن «أصحاب العمل في قطر والخليج لا يزالون يفضلون توظيف اللبناني على الجنسيات الأخرى. الأزمة الاقتصادية شجّعتنا على توظيفه في قطاعات لم نكن نراه فيها. فأصبحنا نوظف اللبناني براتب الموظف الآسيوي على سبيل المثال وهو لا يمانع».


فرصة المونديال

على أحد أرصفة ميناء الدوحة القديم، عزف طارق بشاشة طوال أربعين يوماً بالتزامن مع فعاليات مونديال قطر. في الخليج العربي، خاض عازف الكلارينيت وأستاذ المسرح والموسيقى والمتخصّص في علم النفس، تجربته الأولى في عروض الشارع. عبر أحد الأصدقاء في صيدا تلقّى عرضاً من شركة لبنانية، تتعاون مع الدولة القطرية لاستقدام رسامين وموسيقيين لتقديم عروض حية للزوار في المعلم السياحي الحديث. من بين المجموعة المستعان بها، فرض بشاشة تنظيم عقد عمل ببنود واضحة مع الشركة المشغّلة. بعض زملائه عارضوه ونصحوه بأن «يشكر الله على الفرصة العظيمة التي ستدرّ عليهم مئات الدولارات في أقل من شهرين». أجبرت أزمة الفن والثقافة في لبنان بشاشة على الموافقة على الفرصة، لكنها لم تجبره على القبول بالراتب الزهيد الذي عُرض عليه في البداية. «سكّرت معي هنا عالآخر. أنا صاحب مشروع موسيقي. أقدّم عرضي فوق مسرح مع فرقة وليس بدوام يومي كالموظفين. لم يخطر في بالي أن أقبل بعرض كهذا. لكن تقدير المارّة للموسيقى التي كنت أعزفها خفّف عني الحرج».


الرواتب الزهيدة التي صار اللبناني يحصل عليها يقف خلفها لبناني آخر يستغلّ الظروف

التجربة القطرية الصعبة بالنسبة إلى الموسيقي الخمسيني، كانت فرصة العمر بالنسبة إلى وليد (19 عاماً). مقابل 39 يوماً في تقديم الأكل لموظفي «الفيفا» في أحد الملاعب، قبض 1560 دولاراً. «كنت سأقبض المبلغ نفسه، مقابل تسعة أشهر عمل كمساعد شيف حيث أعمل في أحد مطاعم صيدا». هكذا يحسبها الطالب في قسم المحاسبة في مهنية صيدا الرسمية. «لا أعرف سوى لبنان الأزمات منذ أن ولدت، فكيف أشعر بالإهانة من راتب قليل وظروف عمل متوسطة؟». لا يكترث وليد لـ«البرستيج» اللبناني في الخليج أو سواه. برغم أنه عمل في قطر بخلاف الوظيفة التي حُدّدت في عقد العمل الذي وقّعه هنا، لكنه يجد نفسه محظوظاً في سفرته الأولى. «ركبت بالمترو مجاناً وتنعّمت بخدمة إنترنت سريعة، وارتاح بصري من أكوام النفايات المتراكمة في محيط منزلي في صيدا».


دولارات اللبنانيين مرفوضة!

كثيرون ينتظرون الفرصة نفسها، لكنّ «الخدمة متوقفة بسبب الوصول إلى عدد كافٍ من طلبات التوظيف في دولة قطر الشقيقة». إشعار مؤسف يطالع قاصدي منصة التوظيف ضمن موقع وزارة العمل اللبناني الإلكتروني. بعد مدة وجيزة من إعلان وزير العمل مصطفى بيرم عن اتفاق بين البلدين لتوفير مئة ألف وظيفة للبنانيين في الإمارة، فاق عدد الطلبات المقدّمة المئة ألف بكثير. ومن المنتظر أن تبدأ الشركات القطرية باستقدام المقبولين منذ بداية العام الجاري.

«مليون شكراً قطر» يقول أحمد الشيخة، أحد رموز الجالية اللبنانية في قطر التي تزيد عن 30 ألفاً. المهندس الذي افتتح شركة الاستشارات الهندسية نهاية الستينيات، متفائل بموجات اللبنانيين الجديدة التي تصل تباعاً. يجزم بموجب علاقاته الوطيدة مع المسؤولين القطريين، بأن «التقدير القطري للبناني لم يتغير»، مؤكداً أن الرواتب الزهيدة التي صار يحصل عليها «يقف خلفها لبناني آخر يستغلّ ظروف ابن بلده». يستعرض ابن الـ88 عاماً، ظواهر مستجدّة في قطر فرضتها الأزمة الاقتصادية في لبنان، أبرزها قرار بعض شركات الصيرفة رفض الدولارات التي يحملها اللبنانيون معهم. «ما إن يرى الموظف العملة مختومة أو ممهورة بتواقيع فردية، حتى يعرف بأن مصدرها لبنان. يعتبرها مخالفة للأنظمة المالية ويرفض صرافتها!».


تعليقات: