عودة نقشت: النكات الجنسية لم تعد تجذب المشاهدين؟


البقلاوة الجديدة يعني أنا. كأنوا أنتِ عشّ البلبل، قالتها إحدى مشتركات برنامج "نقشِت" على شاشة قناة "LBCI"، في موسمه الثالث بعد غياب نحو 4 سنوات لم يختلف فيها شيء من القواعد إلى الاستوديو، وحتى معظم المشتركات، فيما تغيّرت نظرة الرأي العام للمحتوى الإعلامي بشكل كبير خلال هذه السنوات، خصوصاً نحو محتوى يشرّع "تسليع النساء" وتسخيف دورهنّ كما هو الحال في "نقشت" والبرامج المشابهة.

ورغم عرضه اليوم، إلا أن تصوير حلقات البرنامج تمت قبل 4 سنوات وليس في الفترة الحالية، وهو ما أكّده الإعلامي والممثل الكوميدي فؤاد يمين في منشور عبر "فايسبوك". من يقرأ المنشور يلمس إنزعاج يمين من عرض البرنامج بعد هذه الفترة، حيث رمى كامل المسؤولية على "LBCI": "كان البلد غير، والكوكب غير، والأهم، أنا غير".


توافق بين "نقشت" وعصور السلاطين

يمين على حق، فلبنان 2019 يختلف عن اليوم بعد الأزمات، وهو ما لم تضعه القناة في الحسبان. حقق البرنامج شهرة قياسية في موسميه الأول والثاني، وهو ما يفتقده الموسم الحالي، في ظل غيابه عن محركات البحث ومحدودية حضوره على منصات التواصل الإجتماعي. ربما تكون إنتفاضة 17 تشرين الأول، وما رافقها من تحولات، خلقت وعياً عند اللبنانيين في ما يتعلق بالقضايا الحساسة بما فيها المرأة وحقوقها.

لم تعد الإغراءات والنكات الجنسية تستهوي أغلبية المشاهدين الذين انتظروا البرنامج كل ليلة أحد في موسميه الأول والثاني. صورة المرأة هذه لم تعد مقبولة لدى كثيرين، فماذا يعني أن "تتقاتل" نساء في ما بينهن كي يختارهن "ذكر" واحد، باستثناء أن هذا المشهد يمثل استعادة لعصور السلاطين والجواري إلى الحاضر؟

وإلى جانب الإهانة التي يحملها "نقشت" بحق النساء، فإن هذه النوعية من البرامج "منشّطة" للذكورية السامة، خصوصاً لدى الفئات الشابة والمراهقين. ولوم المشتركات على مجرد ظهورهن في البرنامج بحد ذاته هو تكريس للذكورية والنظام الأبوي، لأن هؤلاء ضحايا مجتمعاتهن الذكورية التي تغيب عنها مختلف أشكال التوعية. كما أن هؤلاء بحثنَ عن شهرة نجحت بعض زميلاتهن في تحقيقها.


منافسة "MTV" بعد رحيل هشام حداد

قبل الأزمة اللبنانية العام 2019، شهدت مختلف الشاشات التلفزيونية برامج جدلية كان "نقشت" ابرزها ربما، لكن عددها تراجع خلال انتفاضة تشرين الأول، بعدما اضطرت القنوات لفتح الهواء معظم الأوقات لتغطية تحركات الشوارع.

وعاشت "LBCI" أزمات مالية عدة في الفترة الأخيرة، مع تراجع سوق الإعلانات وارتفاع التكاليف التشغيلية. وبعد الانتخابات وعودة الركود الإعلاني، سرّحت العديد من الوسائل الإعلامية عدداً من الموظفين وخفّضت مداخيل آخرين. وكان انتقال هشام حداد من "LBCI" إلى قناة "MTV" المنافسة "الأدسم" في مسلسل تنقّل الإعلاميين اللبنانيين بحثاً عن "الفريش دولار".

ووجدت المؤسسة اللبنانية للارسال في "نقشت" فرصة وحيدة لمنافسة برنامج حداد "كتير HAL2AD" على شاشة المرّ. ويبث البرنامجان الساعة التاسعة والنصف من كل ثلاثاء، إلا أنهما لم يحدثا الصخب المطلوب حتى الآن. كما أن التنافس لا يقتصر على القناتين بل يمتد إلى تلفزيونات أخرى. فقبل الإعلان عن الموسم الثالث من "نقشت"، قرر تلفزيون "الجديد" خوض تجربة برامج المواعدة من خلال "فاشلين بالحب".

ورغم محدوية نجاحه، قد تكون عودة "نقشت" لمنافسة البرنامج الذي يقوم على إمضاء الشباب 80 دقيقة معاً بحثاً عن النصف الآخر، إلى جانب برنامج حداد. وترى "LBCI" في البرامج الكوميدية ملاذاً للمنافسة في الموسم الشتوي، وهو ما جسّده "تعا قلو بيزعل" لمحمد الدايخ وحسين قاووق الذي "يحقق أرقاماً قياسية" بحسب الإعلان الترويجي.


أين قضايا النساء في الإعلام اليوم؟

لطالما شغلت البرامج اللبنانية "الحساسة" الرأي العام، سواء كانت كوميدية أو تلك التي تُعنى بالقضايا الإجتماعية. ترى الناشطة النسوية فرح أبي مرشد أن معظم هذه البرامج تستغل معاناة وملل الناس بغية الأرقام و"الرايتينغ". في ما يتعلق بقضايا النساء، علقت أبي مرشد: "بات المحتوى الإعلامي الذي يخدم قضايا النساء والعدالة اليوم، مرتبطاً بجهود مجموعات والمنصات".

والحال أن الضغط واجب على الإعلام الذي يروج لصور النساء ومختلف الفئات المهمشة، في ظل غياب النشاط السياسي والثقافي الذي تسيطر عليه أقطاب دينية وحزبية. وعلى الرغم من النهضة الكوميدية التي شهدتها التلفزيونات اللبنانية، "تغيب عنها العدالة والنقد البناء المتحيّز لقضايا الناس، وهي ترتبط بتمويل المحطات" بحسب أبي مرشد.

وباتت مشاهد إستقبال الأطفال الضحايا من دون إخفاء وجوههم والنساء المعنفات والمعالجة الذكورية لقضايا فئات كمجتمع الميم، رائجة على مختلف الوسائل الإعلامية اللبنانية. وبالطبع فإن مستقبل هؤلاء الأطفال لا يهم تلك المحطات طالما أن "الرايتنغ" مرتفع، وكذلك الحال بالنسبة للخطر الذي قد يلحق بالنساء وسائر الفئات المهمشة الأخرى عند استضافتها بطرق غير أخلاقية مهنياً. والأهم اليوم من وجهة نظر المحطات هو تحويل المحتوى الإعلامي إلى بازار رخيص. هذا البازار يختلف عن الأسواق المتعارف عليها، فهو يهدف إلى جذب الإعلانات أو إرضاء مصالح وسائل الإعلام السياسية.

تعليقات: