وداد يونس لـ المدن: كتابة ذكرياتي انطلقت بعد تحرير الجنوب

لا أُؤَرِّخ، ولا أكتب سيرة أو رواية.. أردتُ الكشف عن بعض ما خضناه منذ الخمسينات وحتى التسعينات
لا أُؤَرِّخ، ولا أكتب سيرة أو رواية.. أردتُ الكشف عن بعض ما خضناه منذ الخمسينات وحتى التسعينات


أصدرت المحامية اللبنانية وداد يونس، كتاباً بعنوان "وجوه بلون الرّماد"(مكتبة بيسان)، تصنفه في خانة "الذكريات" كونه "يجمع بين نصوص تجسّد العديد من الوجوه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعائلية التي خاضت الكثير من المرارات والآلام والقهر"... من البؤس في الزمن الغابر، إلى الاحتلال الاسرائيلي للجنوب اللبناني، إلى الحرب الأهلية وبروز المليشيات والحواجز المتنقلة، إلى الوجود السوري وتداعياته وسياساته، وفوق ذلك نظام الفساد والطوائف في مرحلة ما بعد الطائف... كل ذلك كان ينتج الخوف والتوجس والقلق والهجرات والنزوح...


وتفتتح وداد يونس كتابها بعبارة لجبران خليل جبران مستلّة من كتاب "البدائع والطرائف" وهي "لبنانكم طوائف وأحزاب، أما لبناني فصبية يتسلّقون الصخور ويركضون مع الجداول ويقذفون الأكَر في الساحات"... والحق أنّ هذه العبارة كافية استنباط مآل صور لبنان، أو الصورة التي تريدها الكاتبة والمحامية وتحلم بها، وهي على شاكلة الوطن الجبراني الفيروزي، والواقع الذي نعيشه منذ عقود، وخصوصاً مرحلة الحرب، ولاحقاً مرحلة ما بعد اتفاق الطائف. ذلك أن صورة الواقع اللبناني اليوم تشبه النص الأخير في الكتاب، الذي يحكي قصة بائع المياه الذي مُنع من تشغيل الموتور لتعبئة الخزان لسكان أحد المباني، لأن عناصر الجيش السوري كانوا يرابطون في الشارع لحراسة مبنى قيادتهم المجاور "ما بدّن ضجة بالشارع، الضابط تبعهن بعده نايم"... وقد أجرت "المدن" مع وداد يونس هذا الحوار.


- ماذا تعني الكتابة بالنسبة إليك؟ وماذا يعني إصدار نصوص في كتاب؟

* الكتابة في أساسها، عموماً، هي عملية تفكير وتفكُّر، فالإنسان كما قيل يفكِّر بقلمه ليُعَبِّر عن أفكاره ومشاعره وأحاسيسه، ما يعني إنها وسيلة للتعبير عن الذات، هذا فضلاً عن كونها وسيلة مهمة من وسائل التواصل الإنساني التي يتم بواسطتها الوقوف على أفكار ومشاعر الآخرين، وعن كونها وعاء للإنجاز الإنساني في مختلف مجالات الحياة. أما بالنسبة لإصدار نصوص في كتاب كما هو الحال في "وجوه بلون الرماد"، فأعتقد أن القارىء سيلحظُ سريعاً، عبر سياق الأحداث والوقائع الواردة في نصوص هذا الكتاب، أنَّ تلك الأحداث والوقائع تتصل ببعضها البعض وذلك رغم انفصالها الشكلي ضمن نصوص عديدة، هذا بصرف النظر عن إنَّ الكتب، على أنواعها، هي عبارة عن مجموعات من النصوص، سواء كانت متصلة أم منفصلة.


- متى دُوّن هذا الكتاب، هل كانت الكتابة أشبه بيوميات؟

* يمكنني القول إنَّني بدأت بكتابة هذا الكتاب لدى عودتي إلى بيتنا في الخيام جنوبي لبنان، وتحديداً إلى الجلوس من جديد تحت ظلِّ بيلسانة حديقتنا، بعد تحرير الجنوب من الإحتلال الإسرائيلي في العام 2000، حيث راحت ذاكرتي تستدعي بعض المشاهد التي عشتها أو رأيتها في طفولتي، لا أدري كيف وجدت نفسي مندفعة بقوة كنت عاجزة عن مقاومتها لتصوير تلك المشاهد والأحداث والوقائع، أو الذكريات إن صح التعبير، في حروف وكلمات ضمن نصوص على الورق. وهو الأمر بالذات الذي صار يحدث لاحقاً مع استئناف ذاكرتي، من حين لآخر، باستحضار وقائع وأحداث أخرى ممّا كانت خزَّنته سابقاً في داخلها.


- يبدو الكتاب مقاطع متفرقة من ذكريات كما تسمينها، الكثير منها يتضمن مواقف سياسية واجتماعية وثقافية، لماذا لم يكن اختيارها في إطار رواية لها سياقها وأبطالها، وفكرتها الجامعة، مع التذكير أن ثمة جوانب سردية في الكتاب، تأتي كمقاطع في رواية، خصوصاً الحوارات بين بعض الشخصيات التي تحمل كنيات لا أسماء؟

* وأنا أكتب تلك النصوص، لم أقل لنفسي على الإطلاق إنني أُؤَرِّخ، أو إنني أقوم بكتابة سيرة أو رواية؛ فكل ما أردتُه هو أن أكتب للكشف عن بعض ما خضناه في بلدنا منذ خمسينات القرن الماضي وحتى أوائل التسعينات، وبخاصة خلال فترة الحرب، من مرارات وقهر وغضب على الصعد كافة، سواء كانت إجتماعية أوعائلية أو سياسية أو إقتصادية، وأن تكون كتابتي حياديَّة إلى حدٍّ ما، رغم عدم حياديَّتي الشخصيَّة لجهة ما حدث في بلدنا، وما زال يحدث، على أيدي زعماء المليشيات الطائفية، الذين ما زالوا، حتى تاريخه، مُتَسلِّحين بكافة الأسلحة، وأخطرها سلاح الطائفيّة والمذهبيّة، للإستمرار بالسيطرة على مؤسسات الدولة ونهب خيراتها.


- النصوص في الكتاب تغطي فترة طويلة، من زمن كميل شمعون إلى الحرب اللبنانية الى السِّلم والكورونا، وتتطرق الى الأحزاب والحواجز والشارع والناس والاصدقاء والجيران والهجرة والأمكنة مثل شارع الحمرا ونبع الدردارة، ما أكثر قضية تعنيك في الكتاب؟ ما الرسالة التي تودين إيصالها؟

* أهمُّ ما يعنيني شخصياً في الكتاب هو رغبتي في رؤية الأحداث والوقائع كما حدثت تماماً بصدق وموضوعية، أما الرسالة التي أرغب في إيصالها للأجيال المقبلة فكلِّي أمل أن تصل إليهم من خلال نصوص هذا الكتاب.


- كيف علاقتك بالمكان، سواء بيروت أو باريس أو الجنوب أو المناطق الأخرى؟

* كل مكان نعيش فيه لا بدَّ أن يترك فينا أثراً، مهما طالت مدة الإقامة أو قصرَت، إلّا أنَّ بيروت بالنسبة إلي، هي المكان الوحيد الذي أستطيع النوم فيه دائماً، وكما يُقال، "ملء جفني".


- عملك في المحاماة.. كم انعكس على الكتاب؟

* يجوز القول إن عملي في المحاماة، أثَّر في طريقة صياغتي وسردي للوقائع والأحداث الواردة ضمن نصوص الكتاب، إذ إنَّ عرضي من دون إطالة للأحداث والوقائع الحقيقية في نصوص هذا الكتاب، يشبه إلى حدٍّ كبير عرض المحامية لوقائع الدعوى أو الدفاع من دون إطالة مُمِلَّة أو اختصار مُخِلٍّ، لكي تكون مؤثِّرة في الحكم ثبوتاً أو نفياً، لذلك آمل أن يؤثِّر كتابي في الحكم الذي سيُصدِرُهُ القارىء بشأنه.


- يحضر جانب من جوانب النضال المطلبي والسياسي في كتاباتك، سواء في الداخل أو في الجنوب، هل تشعرين بانهيار هذا المسار أو تحوله؟

* واقع الحال يقول إنَّ كل شيءٍ في لبنان الآن هو في حالة انهيار، وشلل تام للمؤسَّسات على اختلافها، جرَّاء إيغال المافيا الطائفيّة الحاكمة، ليس فقط بنهبِها المتوحِّش لثروات الدولة، بل بنهبِها أيضاً لأموال أفراده المودعة في المصارف.


- كيف علاقتك بالكتب والقراءة؟

* القراءة هي فعل يومي لديَّ، كذلك أيضاً هي الكتابة حتى من دون تدوينٍ للأفكار على الورق، فكلٌّ منّا يكتب بفكره أيضاً في أيِّ وقتٍ وأينما كان، وأيّ فكرة تمر في ذهنه هي فعل كتابة. إن مهنتي، بطبيعة الحال، تستلزم قراءة الكتب والمراجع القانونية باستمرار. لذا يمكن القول إن القراءة هي عمل المحامي أو المحامية اليومي. إلى جانب ذلك فإنني أهتم بقراءة الروايات، ودواوين الشعر، والكتب السياسية، وكتب التاريخ، والكتب التي تتحدث عن الفنون، والمقالات الصحافية على أنواعها سواء أكانت أدبية أو فنية أو سياسية، ولا يمكن إهمال قراءة ما يُنشر في وسائل التواصل الإجتماعي أيضاً.


تعليقات: