هوس الثراء يجتاح الشبان اللبنانيين: المراهنات والتداول بالعملات الرقمية

ليس من الصعب كسب الأموال، ولكن من السهل جداً خسارتها
ليس من الصعب كسب الأموال، ولكن من السهل جداً خسارتها


يجلس محمد رضا في كافتيريا إحدى الجامعات في العاصمة بيروت. يراقب تحركات أسهم البورصة الخاصة بالعملات الرقمية. يبدو الأمر عادياً، خصوصاً وأن رضا من طلاب إدارة الأعمال، ومن المهم بالنسبة له التعرف على تحركات الأسهم. لكن لرضا مقاصد أخرى، إذ يسعى إلى الاتجار بالعملات الرقمية، كجزء من سلسلة مضاربات عديدة يقوم بها لجني الأموال، وتأمين مستقبله حسب ما يقول لـ"المدن".

منذ عامين، أنشأ حساباً على إحدى المنصات العالمية الخاصة بالتداول، وبدأ عمليات المضاربة على نحو أشبه بالتسلية، خصوصاً وأن هامش الربح أو الخسارة لم يكن مرتفعاً أو ذات أهمية، ولكن مع الانهيار الدراماتيكي لسعر صرف الليرة، أصبحت هذه الأرباح البسيطة ذات أهمية بالنسبة له.

يعتمد رضا في عملياته على عملية التذبذب، بمعنى أنه يراقب عن كثب التحركات الخاصة بالعملة الرقمية، ويفتح عملية البيع والشراء وفق اتجاهات السوق. وبمجرد أن يصبح المؤشر أخضر اللون، ويبدأ بتحقيق مكسب يتراوح مابين 10 و20 دولاراً يقفل العملية. يقول: "في مرات عديدة، أقفل العملية على ربح 5 دولارات فقط، وأعيد فتح عملية أخرى، وأقفلها عند 3 دولارات، لأن الهدف من وراء هذه العمليات كسب نحو 10 دولارات يومياً".

وفق رضا، يكفيه الحصول على ما يقارب مليون ليرة يومياً. فهو أمر استثنائي في ظل الظرف الحالي، ويساعده على تسديد احتياجاته الخاصة.


مراهنات بالجملة

تحولت المقاهي ومقاعد الحدائق الخاصة بالجامعات في لبنان إلى أشبه بخلية نحل، يراقبون مؤشرات التداول الخاصة بالسلع الأساسية، كالذهب، النفط، والعملات الرقمية، بهدف الاستثمار.

يشرح أسعد الحلو (طالب جامعي في كلية الهندسة)، لـ"المدن"، كيف بدأ عملية المراهنة بالعملات الرقمية. يقول: "ليس من الصعب كسب الأموال، ولكن من السهل جداً خسارتها". بدأ التداول في صيف العام الماضي، بعد زيارة أحد أقاربه من ألمانيا. نجح قريبه في كسب ما لايقل عن 500 ألف يورو في بضعة أشهر، وتمكن من الزواج وتأمين المصاريف الأساسية من وراء المراهنات بالعملات الرقمية، لكنه خسر المبلغ كله في حركة واحدة، حسب ما يؤكده الحلو. يقول "بدا الأمر كالسحر، أن تكسب نصف مليون يورو في أشهر". لم يتمكن الحلو من اتباع خطوات قريبه، ذلك أن المراهنة على عملة البيتكوين تحديداً تحتاج ما لايقل عن 10000 دولار، وهو رقم صعب جداً بالنسبة لشاب مثله، لكنه في المقابل، توجه إلى العملات الرقمية البسيطة على غرار "دوجكوين"، و"كاردانو Cardano" عملة الريبل Ripple. إذ تمكن من وضع 50 دولاراً في الحساب أو أقل من ذلك،، بما يساعده على كسب مابين 100 و120 دولاراً أسبوعياً. يضيف الحلو: المكسب ليس متاحاً طيلة الأيام، فقد خسرت قبل أسبوع نحو 500 دولار، وها أنا أسعى إلى تعويض الخسائر.


سوق العملات الرقمية

لم تقتصر عمليات المضاربة على صغار السن وحسب، بل لكبار السن دور أيضاً في ذلك، خصوصاً وأن الرواتب لا تكفي لشراء قوت عائلاتهم اليومي. بدأ مصطفى كركي (58 عاماً) وهو يعمل ميكانيكياً، بالتداول في العملات الرقمية بعدما اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي العديد من الأخبار عن أرباح طائلة يمكن جنيها بأشهر معدودة. يقول لـ"المدن": "تحتاج عائلتي إلى مصاريف يومية، لم أعد قادراً على تأمينها. فلم يكن أمامي سوى الدخول إلى سوق المراهنات". لا يعي كركي آليات التداول، لكن ذلك لم يمنعه من المقامرة. يجلس مع أصدقاء له، ويراقبون حركة التداول، ويضعون مبلغاً مشتركاً ثم يتقاسمون الأرباح والخسائر معاً.

حلم الثراء يدفع المئات من اللبنانيين إلى المقامرة، لأسباب عديدة، منها، الأزمة الاقتصادية وغياب فرص العمل، والأهم من ذلك غياب التوعية حول معايير التعامل والتداول بالعملات والأسهم.

يقول الفرد خوري، الاستشاري في شركة "تايمز فوركس" لـ"المدن": "ارتفعت وتيرة إقبال اللبنانيين على التداول بالأسهم، وتحديداً العملات الرقمية، منذ العام 2019. ومع احتجاز المصارف لأموال المودعين، بات من الصعب على اللبنانيين التداول بالأسهم باستخدام الدولار. ولذا، لم يكن أمامهم سوى العملات الرقمية للتبادل". لا ينفي خوري مخاطر التعامل بالعملات الرقمية على نطاق واسع، إن لم يكن لدى المستثمر أي خلفية علمية حول التداول. ورغم ذلك، فإن حجم التعامل الدولي بالعملات الرقمية يتسع يوماً بعد يوم، ويسعى اللبنانيون ليكونوا جزءاً من هذه الموجة.

يصل حجم تداول البيتكوين على سبيل المثال خلال 24 ساعة إلى ما يقارب من 18 مليار دولار حسب موقع coinmarketcap، وهو رقم مرتفع يجذب الحالمين بالثراء.


رأي القانون؟

لا وجود لنصّ في القانون اللبناني يجرّم المراهنات، وعادة تقع تحت خانة ألعاب القمار التي يحدّدها القانون بعبارة "الألعاب التي يتسلّط فيها الحظ على المهارة والفطنة". وقانون العقوبات اللبناني يعاقب كل مَن يقوم بإدارة وتنظيم هذه النشاطات بموجب المادة 633، بالسجن لفترة تتراوح بين ثلاثة أشهر وسنتين، وبغرامة مالية. أما بالنسبة إلى المراهنات بالعملات الرقمية، فلا يوجد أي نص قانوني يمنع أو يجرم هذه المراهنات، حتى أنه لا يعتبرها من ضمن أعمال المراهنة أصلاً، وبالتالي توسعت آليات انتشار العملات الرقمية.


مراهنات أخرى

في المقاهي الشعبية، ومراكز اللهو، تنتشر أنواع مختلفة من المراهنات. يجلس الشباب على سبيل المثال لمشاهدة مباراة في كرة القدم، ويراقبون بدقة جميع تحركات اللاعبين، عدد البطاقات الصفراء والحمراء، وما إلى ذلك. الهدف من مشاهدة هذه المباريات ليست التشجيع وحسب، بل هي مقامرة من نوع أخر، يلجأ إليها الشباب للحصول على عوائد مالية.

المراهنات على نتائج المسابقات الرياضية منتشرة أيضاً في لبنان، ويهدف الشباب من ورائها الحصول على عوائد مالية. صحيح لا توجد أي إحصاءات رسمية عن عدد الشركات التي تستقطب هؤلاء الشباب، ولكن -حسب خوري- فإن المراهنات على النشاطات الرياضية، أو الفنية، أو غيرها من أنواع المراهنات تستقطب الكثير من الشباب اللبناني، في ظل غياب القيود، سواء تلك المتعلقة بالسن، أو بقيمة الأموال. وحسب تقديرات خوري، فإن العشرات من اللبنانيين الجدد يسجلون بياناتهم يومياً للدخول إلى هذه المنصات.

عودة إلى الصفحة الرئيسية

تعليقات: