رحيل حبيب صادق.. الأيقونة الجنوبية


رحل النائب السابق والمثقف حبيب صادق(1931 – 2023)، مؤلف لأكثر من عشرة كتب في الأدب والسياسة والشعر، بالإضافة إلى اشتراكه في الكثير من الدراسات التي نظّمها وأصدرها المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، وقد اهتمّ صادق بجمع التراث الشعري والأدبي العاملي، وأشرف على مجموعة من الإصدارات تحت عنوان "تراث عاملي".

أمضى حبيب صادق، الجنوبي والعاملي والناشط اليساري، طفولته في بلدته الجنوبية الخيام، وانتقل إلى النبطية. اضطر، منذ يفاعته، للعمل من أجل كسب دخل يساعد الأسرة إثر وفاة الوالد، فعمل على النورج لتنعيم قمح البيدر، وغير ذلك من الأعمال. والده الشيخ والخطيب البارز والشاعر عبد الحسين صادق، رحل وحبيب لا يزال في الصفوف الابتدائية. وفي "حوار أيامه" مع الإعلامي طانيوس دعيبس (دار الفارابي)، يذكر صادق انتفاء العلاقة بوالده الذي كان منهمكاً بمسؤولية المشيخة الشيعية.

يقول صادق: "لا أذكر أني جالست أبي الشيخ إلى مائدة طعام في أي يوم من الأيام! لا أذكر أنه استدعاني يومًا وسألني عن حالي، عن كتبي ودفاتري وعن مستوى دراستي! لا أذكر أني تلقيت، منه، هدية من تلك الهدايا التي تقدم إلى الأطفال في مناسبات سعيدة. لا أذكر أنّه دخل علينا، يومًا، الحجرة المخصّصة لنا، في الدار الكبيرة، للوقوف على حالنا والإطمئنان إلى عيشنا. من هنا أراني، حزينًا، بالغ الحزن، إذ أُكره نفسي على القول: أنه لولا الصورة الشمسية المعلّقة على أحد جدران الحسينية في النبطية، لكنت أجهل خلق الله بمعرفة ملامح وجهه البادية، في الصورة...". لكن العلاقة "الفاترة" بين الشيخ المتدين وابنه الأديب اليساري، لم تمنع الأخير من جمع أشعار والده في كتاب.

درس حبيب صادق في مدرسة رسميّة في المرحلتين الإبتدائية والتكميلية. وأكمل دراسته في دار المعلمين، وانتقل ليسكن في بيروت، وتحديداً في المصيطبة. بدأ التدريس في مدرسة الزلقا الابتدائية ومدارس أخرى، وواظب على حضور ندوات "الندوة اللبنانية"، و"النادي الثقافي العربي"، وأنشطة ثقافية في "المركز الثقافي السوفياتي". اهتم أيضاً بالكتابة، فكانت أولى تجاربه الصحافية في جريدة "الأخبار" الشيوعية (وهي غير "الأخبار" الراهنة) كاتباً ومحرراً، كما كان يكتب باسم مستعار هو "أبو جلا" حرصاً على وظيفته الرسمية. وأول ما نشره من قصائد كان في مجلتي "الألواح" و"الثقافة الوطنية".

انتسب إلى "المجلس الثقافي للبنان الجنوبي" (العام 1964، أي سنة تأسيسه) وصار رئيسه العام 1975 (بقي في منصبه حتى وفاته). نسج علاقات بكثيرٍ من الأدباء والمثقفين القادمين من الجنوب، مثل إملي نصر الله ومحمد دكروب وعبد اللطيف شرارة وسلام الراسي وبولس سلامة وحسن الأمين وجورج جرداق وعبد الرؤوف فضل الله ويوسف حوراني، وكانت علاقته الوطيدة مع الشيخ واللغوي عبد الله العلايلي. وصار اسمه مرتبطا بالمجلس الثقافي للبنان الجنوبي، ويقول صادق إنّ أهداف المجلس كانت لمّ شمل المثقفين في إطار تنظيم ديموقراطي مستقل وتعزيز الحركة الثقافية الجنوبية والبحث في الكتب والمخطوطات القديمة التي وضعها جنوبيون.

وترشح حبيب صادق للانتخابات النيابية العام 1968، ثم العام 1972 مدعوماً من "البيك" كمال جنبلاط والحزب الشيوعي اللبناني، في وجه "البيك" كامل الأسعد. لعل ملاحظته للفروق الطبقية العائلية والاجتماعية من حوله، دفعته اندفاعاً بديهياً في طريق الاشتراكية، لاعتقاده بأنها "طريق الخلاص". وهو دائماً كان يحسب في خانة اليسار والحزب الشيوعي، وهذه العلاقة فيها شي من الرسوخ وشيء من الالتباس. فهو يساري من دون مواربة، لكنه لم يكن حزبياً، ومن خلال كتابه "حوار الأيام"، يعترف حبيب صادق بأنه أحسّ "بانكسار داخلي" بعد عرضه لرشوة طُلب منه أن يدفعها في براغ (تشيكسلوفاكيا الشيوعية) وهي علبتان من السجائر لا غير للموظفة المسؤولة عن استشفائه. يقول: "تساءلت بعمق: رشوة بعلبتين من السجائر لا أكثر في بلد إشتراكي"، كان ذلك في العام 1968.

ويقول الشاعر الراحل محمد علي شمس الدين، إن حبيب صادق أقرب ما يكون إلى عدد من المفكرين العامليين (نسبة الى جبل عامل – الجنوب اللبناني حالياً) ممن غادروا الجنوب في أربعينات وخمسينات القرن الماضي إلى العراق طلباً للعلم الديني في المدارس الدينية في النجف الأشرف، لكنهم سرعان ما تحولوا في ظل الحوزة الدينية هناك، من شيعة إلى شيوعيين، فخلعوا الجبة والعمامة ولبسوا زيّ المفكر الماركسي. ومن بينهم حسين مروة ومحمد شرارة، وهما الأبرز في هذا المجال. وحين عادوا من العراق إلى لبنان، إما طوعاَ أو كرهاً، عادوا ليبشروا بالفكر الماركسي الشيوعي بدلاً من الفكر الديني.

عاش حبيب صادق محطات نضالية واجتماعية كثيرة من الجنوب إلى بيروت. فهو تزوج من الاديبة الراحلة ديزي الأمير (1973–1975)، شارك في انتخابات المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ليفوز بخمسة مقاعد (العام 1975 ضمن لائحة "التضامن الوطني"). تعرض لمحاولة اغتيال في 9 أيلول 1977 عقب دخول جيش النظام السوري الى لبنان، دُمّر منزله وجُرف في الخيام بعد الاجتياح الإسرائيلي الأول العام 1978. عاش لسنوات في المنفى في بغداد، ثم باريس، وفي منتصف الثمانينات، اصيب باللوكيميا، وعاش الصراع عشر سنوات مع المرض الفتاك، ما بين 1985 و1995، وخرج الرجل منتصراً في نهايته، كان يكافح المرض بالأكل النباتي.

شارك في الانتخابات النيابية العام 1992 مرشحاً في لائحة "حركة أمل" قبل أن يقع الخلاف بينهما في المجلس النيابي. في تلك المرحلة وحتى العام 2000، كان حبيب صادق مع مجموعة من الشخصيات السياسية (نسيب لحود، سمير فرنجية وغيرهما)، عنواناً للاعتراض السياسي في زمن الوصاية السورية والنظام الأمني السوري اللبناني، وكان جامعاً للكثير من الأصوات اليسارية والشيوعية في جنوب لبنان على مدى أكثر من دورة انتخابية. تبدو الصورة اليوم تشاؤمية اذ ما قارنّا بين الأمس واليوم، فالكثير من الاعتراضيين واليساريين عادوا إلى طوائفهم، أو التحقوا بموجة حزب الله، وعاش اليسار في مساره الانحداري، مع أن الانتخابات الأخيرة أفرزت نائبين من "قوى التغيير" في جنوب لبنان.

منذ العام 2005، التزم حبيب صادق الصمت واعتكف السياسة بشكل من الأشكال، اذ تعرّض اليسار لنكسة بسبب الانقسام الطائفي العمودي من جهة بين 8 و14 آذار، وهذا عدا عن التواطؤ بين جهابذة الفريقين المتحكمين في البلد على استبعاد واقصاء الشخصيات الشيعية المستقلة والمعترضة على ثنائي حركة أمل وحزب الله... في كتابه "في وادي الوطن" يقول صادق إن خيبات دفعته إلى اعتزال الممارسة السياسية والابقاء على المقاربات الثقافية، بعد فشل تجربة "المنبر الديموقراطي" الذي عصفت به "رياح التحالف الرباعي العاتية، إبان الانتخابات النيابية التي جرب عام 2005"، وسقوط "كل ما أجمع عليه المؤسسون الأوائل للمنبر، من مبادئ" وفق ما جاء في مقدمة الكتاب".

ربما يكون السؤال الآن، عن مصير المجلس الثقافي بعد رحيل حبيب صادق، فهو على مدى سنوات كان مكاناً رائقا للأنشطة والندوات، الفكرية والسياسية والاجتماعية.

من مؤلفاته ومنشوراته

في الشعر

في زمن القهر والغضب - شعر – دار العودة – 1973

جنوبا ترحل الكلمات – شعر – دار العالم الجديد – 1980

في الأدب والسياسة

مطلع النور- تمثيليات قصيرة – دار الكتاب اللبناني – 1982

فصول لم تتم – دار الآداب - 1969

شهادات على حاشية الجنوب – دار الفارابي – 1981

كلمات للوطن والحرية – دار الفارابي - 1986

قضايا ومواقف – دار الفارابي – 1990

وجوه مضيئة في الفكر والأدب والسياسة والاجتماع- جزءان - دار الأقلام – الجزء الأول 1998 والجزء الثاني 2004

صراع المصالح والإرادات في معركة الانتخابات النيابية 2005 – دار الأقلام – 2005

في وادي الوطن – مقاربات في شؤون وشجونه – دار الفارابي – 2010

مؤلفات بالاشتراك مع آخرين

جنوب لبنان خط المواجهة الأول – بالاشتراك مع آخرين – المجلس الثقافي للبنان الجنوبي – 1980

وجوه ثقافية من الجنوب – بالاشتراك مع آخرين – المجلس الثقافي للبنان الجنوبي – 1981

المقاومة في التعبير الأدبي – بالاشتراك مع آخرين – المجلس الثقافي للبنان الجنوبي- 1985

ثقافة المقاومة ومواجهة الصهيونية – بالاشتراك مع آخرين – المجلس الثقافي للبنان الجنوبي – 1989

شيخ الأدب الشعبي: سلام الراسي – بالاشتراك مع آخرين – المجلس الثقافي للبنان الجنوبي – 1991

مقاربات وشهادات في المشروع الصهيوني – بالاشتراك مع آخرين – المجلس الثقافي للبنان الجنوبي – 1991

دفاع عن الآثار والمباني التاريخية – بالاشتراك مع آخرين – المجلس الثقافي للبنان الجنوبي – 1994

الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان وتحديات المرحلة – بالاشتراك مع آخرين – المجلس الثقافي للبنان الجنوبي – 1995

حسين مروة في مسيرته النضالية – بالاشتراك مع آخرين – المجلس الثقافي للبنان الجنوبي – 1997

انتصارا لقيم الديموقراطية والعدالة وتقدم الإنسان – بالاشتراك مع آخرين – المجلس الثقافي للبنان الجنوبي – 2000

تجديد الفكر السياسي من أجل التغيير – بالاشتراك مع آخرين – المجلس الثقافي للبنان الجنوبي – 2001

مؤلفات لغيره قام بجمعها وتحقيقها وتقديمها

معا من أجل الجنوب – جمع وتحقيق وتقديم – المجلس الثقاف للبنان الجنوبي – 1979

الاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان – جمع توثيقي وتقديم – المجلس الثقافي للبنان الجنوبي – 1981

دليل جنوب لبنان كتابا – إشراف، تحقيق وتقديم – المجلس الثقافي للبنان الجنوبي - الجزء الأول 1981 - الجزء الثاني 2010

جنوب لبنان ماساة الصمود – تحرير وتحقيق وتقديم – المجلس الثقافي للبنان الجنوبي – 1981

في رحاب الخيام – ديوان شعر الشيخ عبد الكريم صادق – جمع وتحقيق وتقديم – دار الأقلام – 1984

الوقائع اليومية لمسيرة المقاومة اللبنانية الوطنية – جمع، إشراف، تحقيق وتقديم – المجلس الثقافي للبنان الجنوبي- 1986

عرف الولاء - للشيخ عبد الحسين صادق – جمع وتحقيق وتقديم حبيب صادق – مؤسسة الانتشار العربي – 2005

طائر الحرية – ديوان شعر للأسير ياسر حسين خنجر – تقديم وإشراف وتحقيق – دار الفارابي – 2003

ديوان شاعرة الجنوب بسينة فخري – تقديم وجمع وتحقيق - الانتشار العربي – 2006

سقط المتاع – الشيخ عبد الحسين صادق – جمع وتحقيق وتقديم – الانتشار العربي – 2007

في أدب العراق الحديث – لعبد الرضا صادق – إشراف وتحقيق وتقديم – دار الفارابي – 2009


(*) يوارى حبيب صادق الثرى، الأحد في 2 تموز 2023، الساعة الثانية عصراً في جبانة مدينة النبطية (روضة الصالحين)، جنوب لبنان.

عودة إلى الصفحة الرئيسية

تعليقات: