الحركة العقاريّة تتحسّن.. بتواضع وبطء شديد

لم تسترجع الحركة العقاريّة عافيتها مقارنة بالأعوام السابقة (علي علوش)
لم تسترجع الحركة العقاريّة عافيتها مقارنة بالأعوام السابقة (علي علوش)


يبدو أنّ عودة بعض الدوائر العقاريّة لتسيير الأعمال بشكل مقيّد جدًا، وخلال فترات محدودة من الأسبوع، قد نجحت في تحسين حركة المعاملات العقاريّة، التي يتم تسجيلها عبر المديريّة العامّة للشؤون العقاريّة. إلا أنّ هذا التحسّن، الذي يمكن قياسه عبر مقارنة حركة الشهر الماضي بالأشهر السابقة من هذه السنة، ما زال متواضعًا للغاية مقارنة بحركة السنوات السابقة. ويبدو من الواضح حسب الأرقام بأنّ سبب تواضع وتباطؤ هذا التحسّن يعود إلى استمرار الإقفال التام للدوائر العقاريّة في بعض المناطق، بالإضافة إلى خشية اللبنانيين من إجراء أي عمليّات قد يتعذّر تسجيلها في المستقبل، في حال عادت الدوائر لحالة الإقفال التام.


أرقام شهر تشرين الأوّل

وفقًا لأرقام المديريّة العامّة للدوائر العقاريّة، سجّل شهر تشرين الأوّل الماضي نحو 4409 معاملة بيع وشراء عقاريّة، وهو ما يمثّل تحسّنًا مقارنة بالنصف الأوّل من العام الراهن، الذي لم يسجّل خلال ستّة أشهر كاملة أكثر من 3425 معاملة. وكما هو واضح، جاء هذا التحسّن بفعل عودة العديد من الدوائر لتسجيل معاملات البيع، كحال دوائر منطقة الشمال التي سجّلت وحدها 29% من عمليّات البيع، وزحلة التي سجّلت أكثر من 23% منها، فيما اكتفت الجنوب بتسجيل 22% من العمليّات، والنبطيّة بـ 11%. أمّا دوائر منطقة بيروت، فلم تسجّل أكثر من 10% من إجمالي المعاملات العقاريّة، بالرغم من ضخامة السوق العقاري في المدينة، ما يؤشّر لاستمرار التباطؤ في عمل الدوائر العقاريّة هناك.

وبالرغم من هذا التحسّن الملحوظ، مقارنة بالنصف الأوّل من العام، ظلّت الأرقام متواضعة للغاية مقارنة بأرقام العام الماضي. فعدد عمليّات البيع العقاري التي تم تسجيلها في شهر تشرين الأوّل من هذه السنة، أي 4409 عمليّة، لم يتجاوز 40% من مثيله في تشرين الأوّل من العام الماضي، حين تم تسجيل أكثر من 11 ألف عمليّة بيع عقاري خلال شهر واحد فقط. بل كان من الملفت أن عدد جميع العمليّات التي تم تسجيلها في الأشهر العشرة الأولى من العام لم يتجاوز 7834 عمليّة، مقارنة بـ 67,506 عمليّة في الأشهر العشرة الأولى من العام الماضي، ما يعني أن حجم العمليّات تراجع بنسبة 88% بين الفترتين.

بصورة أوضح، ورغم التزايد المحدود في عدد العمليّات خلال شهر تشرين الأوّل، مقارنة بالأشهر السابقة من هذا العام، لم تسترجع الحركة العقاريّة عافيتها مقارنة بالأعوام السابقة. والعودة إلى الأرقام نفسها تبيّن السبب، إذ لم تسجّل الدوائر العقاريّة في مناطق المتن وكسروان وبعبدا أي عمليّة عقاريّة طوال شهر تشرين الأوّل الماضي، ما يعني أنّ الدوائر العقاريّة هناك ما زالت واقعة تحت رحمة الإقفال التام والشامل. مع الإشارة إلى أنّ سائر الدوائر العقاريّة لم تعمل بكامل طاقتها بالتأكيد، بدلالة الحركة المتواضعة جدًا التي تم تسجيلها في بيروت والنبطيّة، إلا أنّ الأرقام تُظهر أنّ الدوائر العقاريّة في تلك المناطق ما زالت تقوم بعمليّات التسجيل ولو ضمن نطاق ضيّق.


تأثير التغيير في سعر الصرف

ثمّة عامل دخل على الخط عند تقييم الحركة العقاريّة خلال هذه السنة. فقيمة المبادلات العقاريّة كما تم تسجيلها في الدوائر العقاريّة منذ بداية العام لم يتجاوز 1.94 مليار دولار أميركي، مقارنة بأكثر من 11.31 مليار دولار أميركي في الفترة المماثلة من العام الماضي. وهذا ما يعني أن قيمة المبادلات العقاريّة تراجعت بنسبة 83% بين الفترتين. مع الإشارة إلى أنّ مدينة بيروت استحوذت وحدها على 47% من العمليّات العقاريّة، من حيث القيمة، بالرغم من محدوديّة عدد العمليّات مقارنة بسائر المناطق اللبنانيّة.

هنا، من المهم لفت النظر إلى أنّ تراجع قيمة العمليّات (بالدولار الأميركي) لا يعود لتراجع عدد العمليّات فقط، بل يعود أيضًا إلى مسألة أخرى ترتبط بسعر الصرف المعتمد هذه السنة، لاحتساب قيمة العمليّات بالعملة الصعبة. فمع اعتماد سعر الصرف الرسمي الجديد، أي 15 ألف ليرة للدولار، انخفضت تلقائيًا قيمة العقود المقوّمة –ولو شكليًا في الدوائر العقاريّة- بالليرة اللبنانيّة، عند احتسابها بالدولار الأميركي. مع العلم أنّ قيمة العمليّات التي تم تسجيلها في بيروت بلغت حدود 577.06 مليون دولار، خلال الأشهر العشرة الأولى من العام، مقارنة بـ 373.47 مليون دولار أميركي بالنسبة لمنطقة الجنوب، التي حلّت في المرتبة الثانية من حيث قيمة عمليّات البيع العقاري.

وعلى أي حال، وبهذه الأرقام، ما زال القطاع العقاري يسجّل هذه السنة أسوأ أرقامه منذ عقود طويلة. إذ من المعلوم أن تداولات القطاع كان قد سجّلت انتعاشة –من حيث عدد العمليّات- طوال السنوات الثلاث السابقة، بفعل سعي أصحاب الودائع لاستعمال دولاراتهم المحليّة في شراء العقارات، مقابل قبول المقترضين بالشيكات المصرفيّة لتسديد ديونهم المصرفيّة. أمّا هذا العام، تقاطع إضراب الدوائر العقاريّة مع استنفاد قدرة المقترضين على قبول الشيكات كوسيلة إيفاء، بعد تسديد أكثر من 30 مليار دولار من الديون المصرفيّة منذ بدء الأزمة. وبذلك، دخل القطاع العقاري ركودًا قاسيًا لم يشهده حتّى في السنوات التي سبقت حصول الانهيار المالي الراهن، وهو ما تؤكّده أرقام المديريّة العامّة للدوائر العقاريّة.

وأخيرًا، من الواضح أن فتح الدوائر العقاريّة بشكل جزئي أو محدود، لن يساهم في إعادة الحركة العقاريّة إلى سابق عهدها. فبوجود الانقطاعات المتكرّرة في عمل هذه الدوائر، لن تتحقق الثقة باستمراريّة عملها على المدى المنظور، وهو ما سيدفع الأفراد إلى تفادي التورّط في صفقات عقاريّة قد لا يتم تسجيلها في القريب العاجل. وبغياب التمويل، مع عدم قدرة المصارف على منح القروض أو استقبال الودائع الجديدة، سيبقى الركود الراهن سيّد الموقف، خصوصًا أن نموذج عمل الشركات العقاريّة في جميع أنحاء العالم يعتمدعلى التسهيلات المصرفيّة لإنجاز المشاريع، ثم على القروض السكنيّة لتمويل عمليّات البيع. ولهذا السبب، لن نشهد انتعاشة عقاريّة قبل معالجة أزمة القطاع المالي أولًا.

تعليقات: