حصيلة الحرب خلال شهرين: 120 ألف مُغادر من لبنان

انتعاشة المطار ستسهم في تأمين المزيد من التدفقات النقديّة (Getty)
انتعاشة المطار ستسهم في تأمين المزيد من التدفقات النقديّة (Getty)


منذ بداية الاشتباكات على الحدود الجنوبيّة للبنان، والتي بدأت بالتوازي مع اندلاع حرب غزّة، طرأت على حركة مطار بيروت الدولي تحوّلات لافتة، من خلال ضمور نشاط المطار الإجمالي أولًا، وتنامي أعداد المُغادرين باتجاه واحد ثانيًا. خلال شهر تشرين الثاني الماضي، استمرّ التراجع في حركة المطار الإجماليّة، تمامًا كما حصل في الشهر السابق، تشرين الأوّل، الذي شهد بدء الاشتباكات. ومن الواضح أن استمرار التراجع على هذا النحو، خلال تشرين الثاني، ارتبط بشلل الحركة السياحيّة خلال التوتّرات، خصوصًا أنّ موسم أعياد نهاية السنة –الذي يشهد توافد المغتربين في العادة- لم يكن قد بدأ في تلك الفترة.

لكن من ناحية أخرى، وخلال شهر تشرين الثاني أيضًا، تراجعت أعداد المغادرين باتجاه واحد إلى أقل من 20 ألف شخص، مقارنة بأكثر من 100 ألف شخص خلال الشهر السابق، تشرين الأوّل. وهذا ما يؤشّر إلى أنّ انضباط الاشتباكات على نحوٍ روتيني ويومي، ووفق قواعد اشتباك واضحة، هدّأ من مخاوف اللبنانيين، وأنهى موجة المغادرة التي صاحبت اندلاع الاشتباكات في شهر تشرين الأوّل. وقد يرتبط انخفاض أعداد المغادرين باتجاه واحد أيضًا خلال تشرين الثاني، بمغادرة الراغبين بترك البلاد خلال الشهر السابق، وخصوصًا من قبل الأجانب ومزدوجي الجنسيّة وحملة الإقامات الأجنبيّة. أي بمعنى أوضح: من يريد ويستطيع المغادرة، غادر بالفعل في الشهر الأوّل من الاشتباكات.

في جميع الحالات، وفي حصيلة الحرب خلال شهري تشرين الأوّل وتشرين الثاني، بلغ عدد المغادرين باتجاه واحد 120 شخص.


أرقام تشرين الثاني: المزيد من الضمور

خلال شهر تشرين الثاني الماضي، تراجع عدد المُسافرين الوافدين إلى لبنان عبر المطار إلى نحو 152 ألف مسافر، مقارنة بنحو 209 ألف وافد خلال الشهر السابق، تشرين الأوّل. وهذا ما يعني أن حركة الوافدين إلى المطار استمرّت بالتراجع، وبنسبة 27% بين الفترتين. مع الإشارة إلى أنّ حركة المطار خلال شهر تشرين الأوّل كانت قد خسرت أساسًا أكثر من ثُلث حجمها، مقارنة بالأشهر السابقة من هذه السنة، بعدما اندلعت الحرب في غزّة –والاشتباكات في الجنوب- خلال الأسبوع الأوّل من ذلك الشهر.

امّا بالنسبة إلى حركة المغادرين، فانخفض العدد الإجمالي إلى 171 ألف مغادر فقط خلال شهر تشرين الثاني، مقارنة بنحو 308 ألف مغادر خلال شهر تشرين الأوّل، ما مثّل انخفاضًا بين الفترتين بنسبة قاربت الـ 44.5%. ويبدو أنّ شهر تشرين الأوّل بالتحديد كان قد شهد حركة مغادرة نشطة، بالنظر إلى مغادرة المغتربين الأراضي اللبنانيّة مع بدء الاشتباكات، خشية انقطاع طرق العودة إلى الخارج في حال تصاعد التوترات العسكريّة.

على أي حال، وباحتساب الفارق بين أعداد المُغادرين وأعداد الوافدين خلال شهر تشرين الثاني، يتبيّن أن أعداد المقيمين الذين غادروا البلاد باتجاه واحد خلال ذلك الشهر قاربت 20 ألف شخص، وهو ما يوازي خُمس الذين غادروا باتجاه واحد خلال الشهر السابق، تشرين الأوّل، والذين بلغت أعدادهم نحو 100 ألف مغادر. وكما أشرنا سابقًا، يتبيّن من هذه الأرقام أنّ حصيلة المغادرين باتجاه واحد خلال شهري الحرب قد بلغت حدود 120 ألف مغادر.


أرقام العام ما زالت إيجابيّة

بمعزل عن الضمور في حركة المطار خلال الشهرين الماضيين، ما زالت حركة المطار الإجماليّة خلال هذه السنة إيجابيّة، مقارنة بالفترات المماثلة من السنوات السابقة (أي باحتساب كامل الفترة المنقضية من العام 2023).

فعلى سبيل المثال، ولغاية نهاية شهر تشرين الثاني الماضي، كان قد استقبل مطار بيروت الدولي أكثر من 3.2 مليون وافد، مقارنة بـ 2.8 مليون وافد فقط خلال الفترة المماثلة من العام 2022، و1.8 مليون وافد فقط خلال الفترة المماثلة من العام 2021، ومليون وافد خلال الفترة المماثلة من العام 2020 (الذي شهد بداية تفشي وباء كورونا بالمناسبة).

أمّا بالنسبة إلى حركة المغادرين، فبلغت هذه الحركة 3.39 مليون مغادرة حتّى نهاية تشرين الثاني من هذا العام، مقارنة بـ 2.95 مليون مغادرة في الفترة المماثلة من العام الماضي، و1.97 مليون مغادرة في المفترة المماثلة من العام 2021، و1.17 مليون مغادرة في المفترة المماثلة من العام 2020. وهذا ما يشير إلى أنّ ضمور حركة المطار خلال الشهرين الماضيين لم تضرب بعد النتائج الجيّدة التي حققها المطار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، والتي مازالت تنعكس آثارها على الأرقام الإجماليّة للعام الحالي.

بطبيعة الحال، من المعلوم أنّ لبنان شهد خلال الصيف الماضي موسمًا سياحيًا استثنائيًا، مقارنة بالسنوات الثلاث الماضية، وهو ما يفسّر تسجيل البلاد أرقام جيّدة لحركة مطار بيروت هذه السنة. فبعد تداعيات تفشّي وباء كورونا خلال الأعوام الماضية، بالإضافة إلى آثار انفجار المرفأ والخضّات الاجتماعيّة التي رافقت الأزمة الماليّة، وغيرها من الأحداث الأمنيّة، جاء هذا العام ليسجّل انتعاشة كبيرة وسريعة في زيارات المغتربين للبنان. وجاءت نسبة كبيرة من هذه الانتعاشة مدفوعة بزيارات المغتربين الجدد، الذين غادروا لبنان خلال سنوات الأزمة الماضية، ولم يقطعوا صلاتهم الاجتماعيّة بأسرهم بعد.


تحسّن منتظر في شهر كانون الأوّل

على أي حال، من المرتقب أن يسجّل المطار تحسّنًا مرتقبًا خلال شهر شهر كانون الأوّل الحالي، وهو ما يفترض أن تعكسه أرقام نهاية السنة الحاليّة. إذ شهدت الأسابيع الماضية توافدًا للمغتربين اللبنانيين، على أعتاب أعياد نهاية السنة، كما شهدت زيادة في عدد الرحلات الجويّة التي تقوم بها شركة طيران الشرق الأوسط. أمّا الأهم، فهو أن عدد من شركات الطيران الأجنبيّة عادت لتسيير الرحلات باتجاه بيروت، بعدما قلّصت أو علّقت رحلاتها باتجاه لبنان عند بدء حرب غزّة، خشية اتساع نطاق الاشتباكات في الجنوب.

وأخيرًا، على مستوى السياسة النقديّة، من الأكيد أن تسجيل انتعاشة إضافيّة في حركة المطار وزيارات المغتربين، خلال الشهر الحالي، ستسهم في تأمين المزيد من التدفقات النقديّة إلى سوق القطع، وهو ما سيسمح لمصرف لبنان بتعزيز حجم الاحتياطات المتوفّرة بحوزته، والتي تسمح له بالتدخّل في السوق عند الحاجة. ومن المهم التذكير هنا بأن موسم الاصطياف الماضي، وما شهده من تدفّق لدولارات المغتربين، سمح للمصرف المركزي بالحفاظ على استقرار سعر الصرف، بالرغم من توقّف عمليّات ضخ الدولار في السوق منذ أشهر، بل وبالرغم من دخول المصرف المركزي على خط شراء الدولار أيضًا.

تعليقات: