خلاف الوزير والقائد يعطِّل المحكمة العسكرية: الموقوفون يدفعون الثمن

أزمة ذات طابع شخصي، ضربت المصلحة العامة (علي علوش)
أزمة ذات طابع شخصي، ضربت المصلحة العامة (علي علوش)


مرة جديدة، يشتعل الخلاف المشحون بأبعاد السياسية، بين وزير الدفاع في حكومة تصريف الأعمال، موريس سليم، وقائد الجيش جوزيف عون، ويؤدي هذه المرة إلى تعطيل المحكمة العسكرية منذ الأسبوع الأخير من 2023، وتعليق صدور الأحكام بالمحكمة العسكرية ومحكمة التمييز العسكرية.


إرباك في الأروقة

وحسب البروتوكول السنوي، يصدر وزير الدفاع مع بداية كل عام مرسومًا يستند لاقتراح المجلس العسكري بقيادة الجيش، ويقضي بتشكيل هيئات المحكمة العسكرية (الدائمة والاحتياطية والتمييز)، إضافة إلى تشكيل ضباط برتبة عميد لملء منصب الحكام العسكريين المنفردين بالمناطق، وهو ما لم يحصل، في خلاف قائم منذ بداية العام 2023.

ونتيجة ذلك، يعصف الإرباك في أروقة المحكمة العسكرية، حيث تتعالى أصوات المحامين على تعطيل ملفاتهم. وينذر كثيرون من تصاعد الصرخات داخل السجون، حيث يقبع مئات الموقوفين الذين يعانون أساسًا من بطء شديد في محاكماتهم، وينتظرون لأشهر طويلة بين جلسة وأخرى أمام المحكمة العسكرية.

وفيما تتكدس آلاف الملفات القضائية أمام العسكرية"، فإن التعطيل فيها راهنًا يصيب أبرز هيئتين، وهما: الهيئة الدائمة برئاسة العميد خليل جابر، والهيئة الرديفة برئاسة العميد أنطوان شديد. كما تعطلت محكمتي التمييز العسكرية الناظرة بالقضايا الجنائية والجنح، مع مختلف الحكام المنفردين بالمناطق كافة.

في الشكل، فإن الأزمة مردها لاقتراح قائد الجيش بالتوافق مع المجلس العسكري، لأسماء الضباط الذين ستتألف منهم المحكمة العسكرية، ورفع لائحة بها إلى وزير الدفاع، فيما تتحدث المعطيات عن اعتراض الأخير على بعض الأسماء لعضوية هيئات المحاكم الدائمة والاحتياطية والتمييز. ورغم الحديث عن تحميل كل طرف مسؤولية التعطيل للآخر، على قاعدة أن قائد الجيش ينطلق من صلاحياته ويلتزم بقانون الدفاع في هذه التشكيلات من جهة، وأن رفض وزير الدفاع ينبع من إجراء روتيني بمتابعة التشكيلات.. ومن اعتراضه على بعض الأسماء وخلفياتها الأكاديمية من جهة أخرى، فإن كل طرف يتحفظ عن إعلان موقفه رسميًا، ما يعمق الخلافات والصراعات حول كل ما هو غير معلن، إجرائيًا وإداريًا وعسكريًا وسياسيًا.

في حين يعتبر محللون أن أصل الخلاف الذي تصاعد بين الرجلين بعد الشغور الرئاسي، مرده إلى الصراع القائم بين عون وفريق الوزير السياسي، أي التيار الوطني الحر برئاسة جبران باسيل.


انعكاسات التعطيل

وواقع الحال، لا يكترث آلاف الموقوفين بخلفيات الخلاف بين القائد والوزير، ولا بأبعاده السياسية. فكل ما يعنيهم ويهمهم -وفق كثيرين- أن ثمة أزمة ذات طابع شخصي، ضربت المصلحة العامة، وقضت بتعليق مصيرهم عبر شل المحكمة العسكرية وتعطيلها.

وفي الأصل، فإن المحكمة العسكرية تعاني من التباطؤ وعدم الانتظام، حيث يتذرع قضاتها بالضغط الكبير، وبأن المحكمة غير قادرة على عقد جلسات بمواعيد منتظمة وقريبة، وهي تنظر أيضًا بملفات شديدة حساسة وسياسية، مثل ملف خلدة، وتحاكم المدنيين أيضًا.

فمثلًا، عند توقيف أي مدني ويقتضي بتحويل ملفه إلى العسكرية، فإن أول جلسة له تحدد بعد نحو 8 أشهر على الأقل. وهكذا، ينتظر الموقوف كل هذه الفترة، إما لتدينه المحكمة أو لتصدر حكم براءته، وثمة مئات الموقوفين الذين انتظروا لسنوات، ثم صدرت براءتهم.

وهنا، يقول رئيس مركز "سيدار" للدراسات القانونية، المحامي محمد صبلوح، بأن خلافات قائد الجيش ووزير الدفاع، ستؤدي لتأخير إضافي بالملفات، نتيجة تطيير مواعيد جلسات المحاكمات المقررة في هذه الفترة، ويصف ذلك بالظلم المضاعف الذي يطال الموقوفين.

ويشير المتحدث إلى "المدن" بأن المحكمة العسكرية عادة، تعقد جلسات أيام الاثنين والثلاثاء والجمعة، وتعقد نحو 80 جلسة للجنح مقابل نحو 25 للجناية. "أي هناك أسبوعيًا بين 75 و100 جلسة جناية، وكلها تتأجل لستة أو سبعة أشهر مقبلة، بحجة عدم وجود هيئة محكمة".

ويحذر صبلوح من ارتفاع الصرخات من داخل السجون إذا استمر الوضع على ما هو عليه بالمحكمة العسكرية. ويضيف: "خلال فترة كورونا، كانت المحكمة العسكرية تعمل أكثر من غيرها، رغم صرخات الموقوفين". أما اليوم، فالمحكمة العسكرية معطلة منذ نحو شهر، "بينما الاكتظاظ بالسجون بلغ ذروته وبنسبة تتجاوز 182% (وفق إحصاء في 2022)، مع معاناة السجناء والموقوفين غذائيًا وصحيًا، حيث تتهرب إدارات السجون من تحمل مسؤولية الاستشفاء وترميه على السجناء، فيما ينتظر معظمهم موعد محاكمته على أحر من الجمر".

وإلى حين جلاء الصورة حول الخلاف بين وزير الدفاع وقائد الجيش ومصير التعيينات، يستمر التعطيل بالمحكمة العسكرية، التي تغلق أبوابها بوجه مئات الموقوفين القابعين داخل السجون ومراكز التوقيف، بانتظار مواعيد محكومة بالتأجيل لأشهر طويلة.

تعليقات: