معرض (تشكيل) في الجامعة اللبنانية


يمكننا القول إن الحدث كان حراكا فنيا لافتا، يجري على أرض الجامعة اللبنانية، بعد ما شهدته البلاد من أزمات متلاحقة ومنوّعة أرخت بثقلها وظلالها على البلاد والعباد، ولا سيما الحرب الحالية في المنطقة وتداعياتها على الحياة بشتى فروعها. الناس متعطّشة لتلك الأنشطة التي طال انتظارها طويلا كحاجة نفسية وروحية وفكرية نحتاجها للتنفّس، استنشاقا لهواء الجمال والسلام. هذا ما قدّمته تلك المبادرة من كلية الفنون الجميلة والعمارة في الحدث، هذه الكلية التي عوّدتنا على حضورها المميّز بأنشطتها ومستواها الفني الراقي. يكفي أن نذكر هنا الاحتفال باليوبيل الذهبي للجامعة اللبنانية في المجمّع المذكور، وذلك منذ عشر سنوات حيث شاركت الكلية بأعمال طلابها يأتي على رأس تلك الأعمال العمل الأدائي والتجهيزي «فان غوغ» الذي قدّمه طلاب الماستر في قسم الفنون التشكيلية أثناء تواجدي في رئاسة قسم الفنون التشكيلية حينها. وصل هذا العمل إلى العالمية عبر التواصل الاجتماعي حاصدا ملايين المتابعين عبر العالم إلى درجة أن إحدى الدول الأوروبية قد نسبته إلى طلابها!

بدأ افتتاح «تشكيل» أمام جدارية كبيرة من الفسيفساء (الموزاييك) تمثّل الموناليزا أو الجوكندا، للفنان العالمي ليوناردو دافنشي. عمل فسيفسائي ضخم لهذه اللوحة، تميّز بفرادته باعتباره الأول من نوعه في العالم بهذه التقنية وهذا الحجم. نفّذ الجدارية طلاب قسم الفنون التشكيلية في الكليّة بإشراف الأساتذة الفنانين: د. سوزان شكرون، د. دارین جابر، ود. فؤاد شهاب. للمناسبة، لا يُعتبر هذا العمل وحيدا في الكلية، فمن يذهب للكلية يشاهد على جدرانها عددا كبيرا من أعمال الفسيفساء تحاكي أعمال فنانين تشكيليين عالميين يأتي على رأسها الجدارية الأضخم التي تمثّل عمل الفنان فان غوع «ليلة مرصّعة بالنجوم». أعمال حوّلت كلية الفنون إلى متحف بالهواء الطلق. ناهيك من أعمال الغرافيتي على جدران موقف السيارات في الكلية، أضفت حيوية على جماد ذاك المكان. جال الحضور فيما بعد على أعمال الطلاب المعروضة بأقسامها المختلفة حيث برزت ماكيتات مشاريع طلاب الهندسة المعمارية والهندسة الداخلية والغرافيك ديزاين بتنويعاتها وجمالاتها وإبداعاتها وغناها اللوني والشكليّ المبهر.. كان أيضا لطلاب المسرح حضورهم المميّز واللطيف في معظم أمكنة العرض بحركات ملفتة وفكاهية وأداءات معبّرة، كالطالب الذي حمل إطارا خشبيا محوّلا به وجهه إلى لوحة فنية داخل هذا الإطار، وفي ذلك محاكاة لقسم الفنون التشكيلية بدلالة على وحدة الفنون وارتباطها في جوهرها. وهناك الطالب الذي امتدت أرجله، أو قدماه، إلى أمتار عدّة صعودا، فتحوّل إلى عملاق يطير في الفضاء...

نصل إلى معرض قسم الفنون التشكيلية الذي حمل الحدث عنوانه (تشكيل). امتاز هذا المعرض بجمعه أعمال الأساتذة والطلاب في قاعتين امتلأتا باللوحات والأعمال المعلّقة على الحوامل حملت أساليب عدة ضمن تيارات الحداثة الفنية بمرسلتها الدلالية والجمالية حيث برع الطلاب في التعبير عن همومهم الحياتية والوجودية والنفسية والوطنية عبر اللون والخط والشكل.. فكانت مفعمة بتنويعاتها النغمية والموسيقية، تفرض على المشاهد التوقف عندها مليّا، والتزوّد بمذاقها كغذاء تحتاجه أرواحنا المتعبة. هذا المعرض الذي شمل أعمال الطلاب والأساتذة لم يكن الأول من نوعه، فقد سبقه معرض آخر في المكان نفسه منذ ثماني سنوات. هذا النوع من المعارض يُعتبر بمثابة تشجيع للطلاب على العطاء والاندفاع عبر عرض أعمالهم أمام الجمهور المتذوّق.. الأسماء كثيرة لا يمكن حصرها وتعدادها، فهناك العمل الذي استوْحيَ منه ملصق المعرض. وهناك أعمال تندرج ضمن التعبيرية التي تلقي بحضورها ومعاناة أشخاصها من خلال نظرات الأعين وحركات الأجساد ووضعياتها عبر تقنيات عدة. وأعمال استوحت من الحرب والمعاناة التي تجري في غزة، وأعمال استلهمت روحية عصر النهضة بأسلوب حديث محبّب. ولا ننسى ذكر التنويع في المعرض بالتقنيات المختلفة من نحت وخزف وفريسك وتجهيز وفيتراي وأعمال موزاييك صغيرة الحجم بالأسلوب التقليدي الكلاسيكي. لم يقتصر الأمر على الأعمال الفنية، فقد كان هناك لقاء مع رئيس جمعية الفنانين اللبنانيين للرسم والنحت الفنان ميشال روحانا، تحدث فيه عن الفن في لبنان وأنشطة الجمعية.

أما في اليوم الثاني للمعرض فكان هناك لقاء مع الفنان التشكيلي الدكتور عادل قديح تناول فيه الفن التشكيلي في لبنان وإشكالية التسمية المتعلقة بالهوية الفنية في هذا الوطن، حيث الأصحّ، كما يرى قديح، ونحن نوافقه الرأي عبر اعتمادنا لتلك التسمية «الفن التشكيلي في لبنان» بدلا من «الفن التشكيلي اللبناني»، ولنا مقالات ودراسات حول هذا الموضوع. تناول قديح أيضا تجربته الفنية، ولا سيما ما يتعلق منها بتعليمه في الكلية، قبل تقاعده، عبر المقررات التي أُسندت إليه، وما أضافه إليها من رؤية خاصة لإغنائها. ثم جرى نقاش مطوّل مع الحضور من طلاب وأساتذة.. أما اليوم الأخير للمعرض فقد تم تخصيصه للمؤسسات التربوية التي تودّ الحضور والتعرّف على الاختصاصات في الكلية، ولوسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة تحت عنوان «الأبواب المفتوحة».

هذا الحدث الفني هو ولادة قيصرية في هذا الزمن الذي نحتاج به إلى الفن كعلاج من أزماتنا التي نمرّ بها، علّ القيّمين والمسؤولين في هذا الوطن أن يعوا أهمية الجامعة اللبنانية، ولا سيما كلية الفنون، في النهوض بهذا الوطن من كبوته المميتة..


* د. يوسف غزاوي

فنان تشكيلي ورئيس قسم سابق في الجامعة اللبنانية


تعليقات: