الناقورة بوابة لبنان إلى فلسطين براً وبحراً

تحولت من قرية سياحية إلى بلدة تقيم بين يوم وآخر مراسم تشييع الشهداء (علي علوش)
تحولت من قرية سياحية إلى بلدة تقيم بين يوم وآخر مراسم تشييع الشهداء (علي علوش)


لكل بقعة جغرافية برية وبحرية في بلدة الناقورة، حكاية تؤرخ لمحطات، بدأت مع اتفاقية سايكس بيكو السرية العام 1916، التي رسم بموجبها الإنتدابان الفرنسي والبريطاني الدول العربية الواقعة شرق المتوسط، ومنها لبنان وفلسطين، وتصل إلى الحرب الدائرة عند حدودها، منذ ثمانية أشهر، فحولتها من قرية سياحية إلى بلدة تقيم بين يوم وآخر مراسم تشييع الشهداء من أبنائها، وأيضاً الذين يسقطون على أرضها الواسعة، الممتدة من منطقة إسكندرونا (نسبة إلى الإسكندر المقدوني)، وحتى رأس الناقورة، بين لبنان وفلسطين المحتلة.


37 دولة هنا

تتعدى هوية الناقوة الديمغرافية، المنبسطة على مساحة تفوق الثلاثين مليون متر مربع، تكسوها أشجار الموز والليمون والسنديان، سكانها الأصليين. فعلى قسم من أرضها بمحاذاة الشاطىء الأخّاذ وفي تلالها، يسكن أكثر من ألف ضابط وجندي وموظف مدني، من 37 دولة

هم من عداد قوات الأمم المتحدة المؤقتة "اليونيفيل"، التي تقيم مقراً عاماً لقواتها، منذ شهر آذار من العام 1978، والتي جاءت بموجب القرارين الدوليين 426-425، في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي الأول، الذي عرف بعملية الليطاني .

على أرض الناقورة، التي عبر منها خط سكة الحديد في العام 1942 إلى فلسطين، في أوج الحرب العالمية الثانية، بعدما حُفر في باطن الأرض في منطقة رأس الناقورة نفق يمتد في الأراضي اللبنانية إلى فلسطين، لا يزال يقع تحت الاحتلال الإسرائيلي.. عقدت اتفاقات بين حكومات لبنان والكيان الإسرائيلي، برعاية أممية، بدءاً من اتفاقية الهدنة في العام 1949، التي أعقبت الحرب العربية الإسرائيلية 1948، وحتى اتفاق ترسيم الحدود البحرية العام 2022، مروراً باجتماعات تفاهم نيسان 1996 واجتماعات اللقاء الثلاثي، الذي كان ينعقد بين ضباط لبنانيين وإسرائيليين برعاية اليونيفيل قبل 7 تشرين 2023.


جوار "البصة" الفلسطينية

مساحات واسعة من أرض بلدة الناقورة، لا تزال تقع تحت الاحتلال، ومنها النقطة B1، ذائعة الصيت في المفاوضات البحرية، إلى جانب "ضهر النفق" الذي أقفلته إسرائيل، من الجانب اللبناني بالإسمنت عند انسحابها في أيار العام ألفين، فيما حولت الجزء من الجانب الفلسطيني إلى معلم سياحي، يطل على عكا وبحرها.

نسج أبناء الناقورة، قبل نكبة فلسطين، علاقات ودية ووطيدة مع أبناء بلدة "البصة" الفلسطينية، التي تتجاور معها عقارياً. حتى أن بعض عائلات الناقورة سكنت في البصة، التي يقام على أرضها حاليا مستوطنة "شلومي". وكانت أشبه بمدينة، وفيها أسواق عامرة ومدارس وكنائس ومساجد. فنزح الكثيرون من أهلها إلى الناقورة وأقاموا في منطقة " اللبونة"، في تل من تلال الناقورة. وحازت بعض العائلات من البصة، على حق استعادة الجنسية اللبنانية. وصارت عائلة الجمل، التي تتحدر من البصة، من أكبر عائلات الناقورة في سجلات النفوس.


النزوح..

بعد الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الناقورة، التي لم يشفع لها وجود مقر للأمم المتحدة على أرضها، والذي لا ينفك يومياً عن إطلاق صافرات الإنذار، نزح غالبية أبناء الناقورة إلى صور والبلدات المجاورة لها. فانعدمت فيها مقومات الحياة والعيش، بعدما سقط من أبنائها عشرة شهداء وعشرات الجرحى، وحولت القذائف الفوسفورية مساحات كبيرة من أحراجها المعمرة في اللبونة إلى رماد، عدا عن تدمير عدد كبير من منازلها. كما تعطل عمل المؤسسات السياحية، من بينها الأوتيل الكبير والموتيل والمطاعم.

بقي في البلدة، التي هجر بحرها صيادو الأسماك في مرفئها، عدد قليل جداً من الأفراد، فيما لم ينقطع عنها في ساعات ما قبل الظهر، أعداد كبيرة من الأهالي، من ضمنهم صيادون ومزارعون وأصحاب مؤسسات سياحية وتجارية، يتفقدون أرزاقهم وحال بيوتهم ويروون مزروعاتهم العطشى قدر الإمكان، في الأماكن البعيدة عن الحدود، حتى لا تيبس وتتلف.

يتوزع أهالي بلدة الناقورة النازحون في مدينة صور وبلداتها على وجه الخصوص، في بيوت غالبيتها مستأجر، يتكفل بدفع بدلاتها (مقطوعة 350 دولاراً) حزب الله، كسائر النازحين من البلدات والمدن الجنوبية، إلى جانب معونة مالية قيمتها مئتا دولار للعائلة، ومساهمة باشتراك مولد الكهرباء الخاص.

المختار عواضة: رئة فلسطين

يلفت المختار محمد عواضة إلى أن الناقورة كانت ولا تزال رئة فلسطين، التي دفع من أجل قضيتها المحقة أبناء الناقورة، الشهيد تلو الشهيد، منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، إيماناً منهم بعداله هذه القضية، التي تشكل جوهر الصراع مع العدو الإسرائيلي.

ويقول عواضة لـ"المدن"، إن الناقورة بلدة تتمتع بالنشاط والحيوية والتعدد وجمال أرضها وبحرها الساحر، الذي يوجد في قعره ثروة لبنان النفطية.

وأضاف، أن حجم العدوان الإسرائيلي على البلدة، وارتكاب مجزرة بحق عدد من أبنائها المدنيين، دفع بقسم كبير من الأهالي إلى النزوح عن أرضها، حيث يتوزعون على مقربة منها، ويتشوقون للعودة إليها، لإعادة الروح إلى زرعها وأحيائها وشاطئها، الذي يرتاده في فصل الصياف عشرات الآلاف من كافة المناطق.

وقال المختار عواضة، إن عشرة شهداء من أبناء بلدتنا "ارتقوا" حتى الآن، خلال العدوان الإسرائيلي المتواصل. ودمرت فيها مبان ومنازل، وأحرقت الكثير من مزروعاتها وحقولها. مشيراً إلى أن الناقورة ستبقى كما كانت في الخط الأمامي في الدفاع عن لبنان.

آل الجمل: من الناقورة إلى البصة وبالعكس

يروي أسامة نمر رشيد نمر الجمل، انتقال عائلة الجمل من الناقورة إلى البصة، ومن ثم من البصة إلى الناقورة، أثناء النكبة.

ويقول الجمل لـ"المدن"، إن جد والده نمر الجمل، كان يقيم مع أفراد من عائلته في أوائل القرن الماضي، ما بين 1900- 1920، في اللبونة المطلة على البصة مباشرة، وكانت معروفة هذه المنطقة بكرم نمر الجمل على الصحيفة العقارية.

وأضاف أن نمر وتوفيق وعبد اللطيف الجمل وآخرين، انتقلوا للعيش في البصة قبل ترسيم الحدود بين لبنان وفلسطين، وبقي فيها مع أفراد عائلته وأقاربه، وحازوا جميعاً على الجنسية الفلسطينية. وعند تهجير الفلسطينيين من أرضهم، عادت عائلة الجمل إلى الناقورة، وحصل في وقت لاحق غالبية افراد العائلة، على حقهم باستعادة الجنسية اللبنانية، في عهد الرئيس كميل شمعون، فيما بقي الكثير منهم يحملون الجنسية الفلسطينية.

واضاف الجمل، أن عائلته هي أكبر العائلات في الناقورة، ويزيد عدد ناخبيها على 350 شخصاً.

مؤكداّ بأن البصة والناقورة، لطالما كانتا وستبقيان توأماً، رغم سلخهما جغرافياّ عن بعضهما البعض من قبل العدو الإسرائيلي.

تعليقات: