المولدات الكهربائية في صيدا سلطة بلا حدود.. تتمتع بحمايات سياسية!

بعض أصحاب المولدات في صيدا يرفض تركيب عدادات (Getty)
بعض أصحاب المولدات في صيدا يرفض تركيب عدادات (Getty)


هل المولدات الكهربائية حل مؤقت أم سياسة مستدامة؟ سؤال يطرح نفسه بعد عقود على استخدام المولدات الكهربائية، ليأتي الجواب: إن المولدات هي نتيجة لسياسة عامة لإدارة قطاع من أهم القطاعات، والذي من خلاله نستطيع تطوير عجلة الإنتاج في البلد.


من السبعينات إلى التسعينات

مع بداية ستينيات القرن الماضي غطت الشبكات الكهربائية جميع المناطق اللبنانية، لكن مع نهاية عام 1976 بدأ الانقطاع غير الدوري للتيار الكهربائي، ما دفع العديد من المواطنين للاعتماد على مولدات صغيرة وخاصة.

بعد عام 1992، بدأت الخطابات الإعلانية تتحدث عن السعي لرفع إنتاج التيار الكهربائي تدريجياً، من دون الإشارة إلى أي خطة لإعادة تأهيل شبكات التوزيع. ومنذ تلك الأيام ما زالت الوعود العرقوبية للوزراء الذين توالوا على وزارة الطاقة سيدة تصريحاتهم، في حين فتح المجال أمام المولدات الكهربائية لتكون الحل المستدام، وضمن سياسة تقودها سلطات على مختلف المستويات، مرتبطة بأقوياء الطوائف، تعمل على خريطة طريق تؤدي إلى الخصخصة الكاملة، وتسليم إنتاج وتوزيع التيار الكهربائي إلى أصحاب المولدات المحميين من أطراف السلطة.

يقول أحد المهندسين الناشطين إن التسعيرة الشهرية التي تحددها وزارة الطاقة هي أساس البلاء، لأنها غير دقيقة، وتأخذ مصالح أصحاب المولدات أساساً للتسعيرة.


المولدات الكهربائية في منطقة صيدا

لا يوجد إحصاء شامل ومحدد لأصحاب المولدات، وعددها، وقوة المولدات المستخدمة. إذ أن آخر إحصاء لدى بلدية صيدا أجرته عام 2021. وقد جرت تغييرات كثيرة منذ ذلك الحين. ويشير الإحصاء إلى وجود 87 مالكاً للمولدات الكهربائية في منطقة صيدا، منهم من يملك مولداً واحداً ومنهم من يملك أكثر من 12 مولداً كهربائياً. وبلغ عدد المولدات حسب إحصاء البلدية 269 مولداً كهربائياً تصل قوتها إلى نحو 110 آلاف KVA.

لكن أصحاب المولدات يرفضون إعطاء البلدية أية معلومات عن عدد المشتركين في المولدات، وحجم اشتراك كل منهم.

لكن إحصاء آخر أجراه "تجمع علّ صوتك"، وهو مجموعة مدنية ناشطة في صيدا، في أيلول 2023، أظهر أن عدد أصحاب المولدات بلغ 81 مالكاً، وبلغ عدد المولدات 249 مولداً، في حين أن قوة المولدات بقيت هي نفسها تقريباً. ويعيد أحد ناشطي "عل صوتك" انخفاض عدد المالكين، إلى انسحاب عدد منهم من هذا المجال بسبب المنافسة.


حماية سياسية..

أنشأت بلدية صيدا عام 2021 لجنة سميت بلجنة الشفافية، لتسعير الفاتورة الشهرية للمولدات ومراقبة عملها وإلزامها بالقوانين المرعية الإجراء. إلا أن هذه اللجنة تحولت إلى جهاز يجتمع شهرياً ليطلب من أصحاب المولدات الالتزام بالتسعيرة الرسمية. وهذا الالتزام لا يحصل أبداً. وفي إحدى المرات ولدى مراجعة مهندس البلدية، زياد حكواتي، بشأن أحد أصحاب المولدات الذي لم يلتزم بالقانون، وسؤاله عن سبب عدم مصادرة المولد وتشغيله من خلال البلدية.. كان الجواب إن البلدية ليس لديها اختصاصيون في هذا المجال، وإذا صادرت البلدية المولد فإنه سيتوقف عن العمل. وأشار أحد المعنيين في البلدية إلى أن أصحاب المولدات يحظون بدعم سياسي واسع وبحماية مختلفة، مذكراً بما حصل عام 2015 مع أحد أعضاء المجلس البلدي آنذاك، محمد السيد، الذي تعرض للاعتداء من أزلام أحد أصحاب المولدات، لأنه اعترض على فاتورة المولدات آنذاك، وكيف تعرض للضغط من النائبة بهية الحريري ومن رئيس البلدية محمد السعودي، لمنعه من التقدم بشكوى قضائية ضد المعتدين، حسب ما قاله السيد نفسه.

وتتداول المعلومات بأن معظم أصحاب المولدات يتلقون حماية سياسية وأمنية من القوى السياسية المختلفة، ومنهم آل الحريري، الشيخ ماهر حمود، سرايا المقاومة، (أطراف فلسطينية، خصوصاً إن كان صاحب المولد فلسطينياً)، أجهزة أمنية. ولدى مراجعة كل منها فإنهم ينفون ذلك، ولا توجد أدلة ثابتة على ذلك.

إلا أن الحوادث التي حصلت والتي تبعتها تسويات قضائية تؤشر إلى تدخلات سياسية من الأطراف السلطوية نفسها.


لجنة الشفافية

ويقول العضو في لجنة الشفافية في بلدية صيدا، المهندس بلال شعبان: "تجاوزات أصحاب المولدات عديدة وفي ميادين مختلفة:

1- إنهم يتخطون التسعيرة التي تحددها البلدية المعنية قانونياً بذلك.

2- إن المشترك لا يحصل على حقه كاملاً. إذ يعمد بعض أصحاب المولدات إلى تقنين كهربائي يومي، في حين يتقاضى رسوم اشتراك كاملة.

3- حتى اللحظة، بعض أصحاب المولدات في المدينة يرفض تركيب عدادات لتحديد كميات استهلاك المشتركين، ويرفض تنفيذ القرارات الصادرة عن الوزارات والبلديات بهذا الشأن.

4- إقدام بعض أصحاب المولدات على استخدام عقارات تتبع لأملاك البلدية العامة. ولدى مراجعة أحدهم بذلك، قال إنه حصل على موافقة رئيس البلدية على استخدام العقار المذكور.

5- إنهم يستخدمون منشآت مؤسسة كهرباء لبنان، ما يؤدي إلى تخريبها. ونعطي مثلاً، أن مؤسسة كهرباء لبنان تبني أعمدة توزيع التيار حسب كمية التيار، وتحدد عدد الكابلات الموضوعة عليها، لكن استخدامها بالطريقة التي تتم الآن فإنها لا تؤمن السلامة العامة لموظفي المؤسسة في حال قيامهم بتصحيح ما على الأعمدة من تمديدات مخالفة.

6- يمكن ملاحظة غياب الأجهزة الامنية والقضائية عن القيام بواجباتها بحق أصحاب المولدات الذين يحظون بحماية من قوى سياسية مختلفة في المدينة ومن بعض رجال الدين. إلا أن لجنة الشفافية، تطلب من أي مواطن يراجعها عند انتهاك صاحب مولد للقانون، أن يراجع القوى الأمنية التي تستدعي المخالف وتطلب منه إعادة المبالغ المأخوذة من غير وجه حق، وإلزامه بعدم قطع التيار عن المشترك حسب قرار المدعي العام. وهذا القرار غير الكامل يؤدي في كثير من الأحيان إلى مشكلات متتالية بين صاحب المولد والمشتركين.

7- كما أن أصحاب المولدات لا يلتزمون بالشروط الصحية المطلوبة، مثل تركيب فلاتر للمولدات حسب توصية وزارة البيئة.

8- وفي غياب قانون للطاقة الشمسية، فإن بعضهم قد أقام حقولاً لألواح الطاقة الشمسية بناء على موافقة من وزارة الطاقة. ولدى مراجعة البلدية بخصوص بناء مثل هذه الحقول في مناطق سكنية، نفى أحد مسؤولي البلدية مسؤولية البلدية عن ذلك، وأن المعني هو وزارة الطاقة. وقد غاب عن باله دور البلدية وسلطتها في النطاق الجغرافي الخاص بها.

9- أعطت وزارة الطاقة الحق للبلدية إنتاج 10 ميغاوات من الطاقة الكهربائية. لكن هذا الحق بقي حبراً على ورق. فقد أعدّ اتحاد بلديات صيدا الزهراني دراسة، وأمّن مساحة أرض لتركيب ألواح طاقة شمسية لإنتاج التيار الكهربائي وتوزيعه عبر شبكة الكهرباء على صيدا وبلدات الاتحاد. وحصل اجتماع مع مدير مؤسسة كهرباء لبنان، كمال حايك، الذي قال إن على الاتحاد العمل لتعديل قانون الامتياز المعطى لمؤسسة كهرباء لبنان، القاضي بإنتاج التيار الكهربائي وتوزيعه، كي تستطيع البلدية والاتحاد تنفيذ مثل هذا المشروع.

وحتى اللحظة لم يحصل شيء بهذا الخصوص".

وختم عضو لجنة الشفافية بلال شعبان بالقول: "على كل حال، إن قطاع مولدات الكهرباء بأكمله مخالف للقانون".


أصحاب المولدات

وفي لقاء مع أحد أصحاب المولدات في صيدا، وقد طلب عدم ذكر اسمه، قال: "إننا مغبونون على الصعيد الإعلامي، لا أحد يريد تقديم وجهة نظرنا، والناس تنظر إلينا كأن لا هم لدينا سوى جني المال بكمية أكثر ما تستحق خدماتنا. ولكن نوضح هنا إننا دخلنا هذا المجال بسبب العجز الذي أصاب مؤسسة كهرباء لبنان. إننا نتيجة للمصيبة التي يعاني منها المواطن ولسنا سبباً لها".

ويضيف: "أدى انقطاع التيار الكهربائي إلى دفع الناس لاستخدام الشمع وقناديل الكاز، البطاريات، المولدات الخاصة وصولاً إلى المولدات الحالية باعتبارها الخيار الأفضل. وتحول عملنا إلى مهنة تلبي حاجة الناس. صحيح أننا نتعدى على الأملاك العامة من خلال استخدام خطوط التوزيع، لكنها ليست ملك مؤسسة كهرباء لبنان ولا ملك الدولة ولا البلدية، إنها ملك المواطن. ولو أنها ليست موجودة فلن نستطيع تأمين إيصال الكهرباء إليه. فعلياً، نحن لا نستخدمها بل يستخدمها المواطن من أجل الوصول إلى حقه بالكهرباء".

وحول الالتزام بالتسعيرة، أجاب: "لكل طرف له حساباته ومصاريفه".


ناشط من المدينة

يعلق الناشط في المدينة المهندس محمد السيد، وهو من المتابعين لموضوع المولدات منذ عام 2010، بالقول: " في تسعينيات القرن الماضي تخلت مؤسسة كهرباء لبنان ووزارة الطاقة عن مسؤولياتهما تجاه المواطنين بتأمين التيار الكهربائي، وبقيت أسعار الاشتراكات في المولدات في صيدا مقبولة حتى عام 2010، حينها تدخلت وزارة الطاقة وشكلت لجنة علمية لتحديد المصاريف الثابتة المطلوبة من كل مشترك، واعتمدت نسبة المحروقات لعمل المولد بطاقته القصوى. وصدر مرسوم بخصوص ذلك عن مجلس الوزراء، ما أضفى شرعية على إنتاج المولدات للطاقة.

ان سياسة التشريع والتسعير فتح شهية الكثير في صيدا للدخول إلى هذا السوق الرابح. وأوجد منافسات بين المستفيدين، أدت إلى صراعات دموية وإطلاق نار بين الأزلام، مثل اشتباك حي الزهور، نزلة صيدون، والسطو المسلح على مولد العدلوني، واشتباك آخر أدى إلى مقتل شخصين.. كل ذلك تحت حماية سياسية وأمنية قد تصل إلى حد الشراكة مما تدره هذه المهنة من أرباح. كما حصلت اعتداءات على مواطنين احتجوا على تسلط أصحاب المولدات، ولم يتدخل القضاء سوى بالوصول إلى تسويات سياسية. هذا نموذج لمنطقة مثل صيدا فيها عدد من القوى السياسية المختلفة. وفي كل الحالات، المواطن هو الضحية".

وعن أسباب سيادة هذه الفوضى، أوضح الناشط: "أولاً غياب الهيئات الرقابية. وزارة الاقتصاد لا يوجد لديها اختصاصيون في هذا المجال، ولا عناصر بشرية كافية لمتابعة المولدات ومراقبة التزامها القوانين. وهذا ما دفعها لرمي المسؤولية على وزارة الداخلية والبلديات. لكن بلدية صيدا واتحادها يفتقران إلى فريق مناسب للقيام بهذه المهام. ولبلدية صيدا تجربة مع الوزارات، عام 2015 طرحت بلدية صيدا فكرة تركيب عدادات وإلزام أصحاب المولدات بذلك. لكن وزارة الاقتصاد آنذاك وقفت ضد هذا الاقتراح، وأخذت قراراً يمنع أصحاب المولدات من تركيبها، ما أدى إلى فوضى وعدم تنسيق بين الجهات المعنية. مع العلم أن تركيب العدادات يخفض فاتورة المولد إلى الثلثين على الأقل".


ست فواتير؟

والحال اليوم، أن المواطن المقيم في منطقة صيدا، وبسبب تحول المولدات الكهربائية من حل مؤقت إلى سياسة مستدامة، يدفع ست فواتير في الوقت نفسه، أولاً: فاتورة مؤسسة كهرباء لبنان، وأكثر من نصفها رسوم وضرائب عن تيار لا يصل إليه.

ثانياً: فاتورة مولد كهربائي لا تلتزم التسعيرة الرسمية، والتي هي أصلاً في خدمة حماة أصحاب المولدات.

ثالثاً: فاتورة صيانة الأدوات الكهربائية التي باتت عرضة للتعطل بسبب ارتفاع وانخفاض الفولتاج.

رابعاً: الفاتورة البيئية الناتجة عن التلوث.

خامساً: الفاتورة الصحية وخصوصاً بعد ارتفاع كلفة الرعاية الصحية.

سادساً: فاتورة الدين العام بسبب عجز مؤسسة كهرباء لبنان.

والآن، هل من نخب في صيدا تضع خريطة طريق لضبط وضع المولدات الكهربائية بالتعاون مع السلطات المحلية، أم يبقى الوضع على ما هو؟

تعليقات: