شهداء بنت جبيل: لطفاء جداً.. لماذا قتلتهم إسرائيل؟

لمدينة بنت جبيل حكايات كثيرة مع الاعتداءات الإسرائيلية (علي علوش)
لمدينة بنت جبيل حكايات كثيرة مع الاعتداءات الإسرائيلية (علي علوش)


شهداء بنت جبيل: لطفاء جداً... لماذا قتلتهم إسرائيل؟

أسماء كثيرة تُسَجَّل كضحايا لاستهدافات العدوّ الإسرائيلي منذ تشرين الأول 2023، ومن بين الأسماء أطفال ونساء يؤكّدون أن العدوّ لا يأبه للمدنيين. وما استهداف منزل الأشقّاء عامر وفوزية وتغريد داغر في بنت جبيل، ليل أمس الإثنين، سوى دليل إضافي على أن كلّ شخص معرّض للاستهداف في أيّ لحظة. وبعد الموت، تبقى صورُ الغائبين حاضرة في أذهان مَن عرفهم، فتُنثَر الحكايات في كل اتّجاه.

الأشقّاء الثلاثة أبطالُ حكاية واحدة يحكيها مَن عَرَفَهم في المدينة الجنوبية. ارتبطت أسماؤهم حتى يكاد لا يُذكَر أحدهم بمعزل عن الآخرين. ولذلك "عاشوا معاً واستشهدوا معاً". فمن هم هؤلاء؟.


دكان في سوق بنت جبيل

أوَّل ما يُذكَر عن الشهداء الثلاثة أنّهم يملكون دكاناً في سوق بنت جبيل، هو أشبه بملتقى أكثر من كونه مكاناً لبيع المواد الغذائية. ولا يحيل أحدٌ من زوّارهم ملكية الدكان لطرفٍ بينهم، مع أن تغريد هي الأكثر تواجداً في الدكّان. فخلال الحديث عنهم، يسهل الانتباه إلى أن المتحدّث يقول حيناً "دكّان عامر"، وحيناً آخر "دكّان تغريد"، وفي حديث ثالث يقول "دكّان فوزية". وإن اختلفت تجارب أهل بنت جبيل مع كلّ واحد من الأشقّاء، إلاّ أنهم يُجمعون على "طيبتهم القروية الجنوبية".

ما إن تدخل زينب بزّي الدكّان، حتى تستقبلها تغريد بالترحاب، ويبدأ الحديث بلا أيّ مقدّمات. "تبادر تغريد بالسؤال عن الأهل والأحبّة، بابتسامة دائمة وصوت هادىء"، تقول بزّي في حديث لـ"المدن". وتضيف أنّها تقصد الدكّان وكأنه "فرض يوميّ يجب تأديته". ليست وحدها مَن يؤدّي هذا الفرض بل الكثير من أبناء بنت جبيل "وتقريباً كل شخص في بنت جبيل لديه ذكرى معهم". والأخوة وفق بزّي "يعيشون معاً في منزل واحد، إذ لم يتزوّجوا، ولذلك عاشوا معاً واستشهدوا معاً".

خارج الدكّان، لا يُعرَف عن عامر أنه يعمل في مهنة محدّدة، وإنما "يتنقَّل بين الدكان الصغير وسوبرماركت يملكها أحد أشقّائه"، تقول بزّي التي توضح أن لدى عامر شقيقان أيضاً. لكنّ الصورة الأشهر في أذهان الناس هي لوحدة العلاقة بين الأشقاء الشهداء.

بالتوازي، لدى الصحافي محمّد قليط ذكريات مع الأخوة الثلاثة ودكّانهم، وخصوصاً عامر. وبحسب ما يذكره في حديث لـ"المدن"، فإن الرجل الستّينيّ "كان لطيفاً ومحبوباً ويعكس طابع القرى الجنوبية في حديثه وبساطته، وكذلك شقيقاته". ويتعمّد قليط زيارة الدكّان كلّما توجّه من بيروت إلى بنت جبيل "فالحديث مع عامر جاذب جداً بطابعه التراثي القديم". ويشير قليط إلى أن عامر "كان يصرّ على البقاء في بنت جبيل رغم الحرب، وهذا كان قراره في حرب تموز 2006، ولم يخرج يومها من المدينة إلاّ مكرهاً حين قرّر العدو اجتياحها".


الانتماء لحزب الله

اتّصفت الحرب منذ بدايتها بطابع عام وهو تركيز العدوّ على استهداف مقاتلي الحزب وتجنُّب المدنيين، لكن الواقع يؤكّد عدم التحييد الكلّي للمدنيين. فإذا جاء القرار بالاستهداف، فيُنَفَّذ بغضّ النظر عن وجود "الهدف" وحيداً أو بين المدنيين.

لكن هذا النقاش لم يكن لينطبق على الأخوة داغر "فلم يكن هناك ما يوحي بأن عامر مقاتل أو ينتمي في الأصل لحزب الله". وعلى حدّ تعبير بزّي "استغربنا الأمر. لكن طالما أن الحزب نعاه بشكل رسمي، يبدو عندئذٍ أنه كان يقوم بدور مساعِد على الأرض".

وكما بزّي، يرجّح قليط أن يكون دور عامر "رصد تحرّكات معيّنة لصالح الحزب. وبطبيعة الحال العملاء كثر ومن الممكن أن يكون أحدهم قد وشى به، وتمّ استهدافه في المنزل".

حزب الله نعا عامر "شهيداً على طريق القدس"، وباسمٍ ثلاثي هو عامر جميل داغر. لكن ما يؤكّد أن عامر منتمٍ رسمياً للحزب وله دور داخل صفوفه، هو الإسم الحركي "عباس". فلو كان عامر مواطناً مدنياً لا علاقة له بالحزب، لما ذيِّلَت صورته بشعار الحزب وباسم حركيّ، أو عسكريّ كما يُقال أيضاً.

والدلالات العسكرية لعامر، تفسِّر استهدافه. لكن إذا كان لعامر دور عسكريّ ويتوقّع هو أن يكون مستهدفاً في أي لحظة، فذلك لا يبرِّ للعدوّ قتل شقيقتان مدنيّتنا بحجّة استهداف عنصر في الحزب. غير أن للعدوّ منظورٌ آخر يعتبر إصابة المدنيين خلال استهداف مقاتل عسكري، بمثابة "الاضرار الجانبية" وهو ما يجرِّد الضحايا من صفتهم الإنسانية بالنسبة للعدو، ويجعل أي مدني ضحية محتملة بكبسة زر.



تعليقات: