لا تحضير للمؤونة في القرى الحدوديّة والحرب ترفع الأسعار


يبدو أن الحرب المشتعلة جنوباً منذ تسعة أشهر ونصف الشهر، وسط نزوح كامل لأهالي وسكّان عدد كبير من القرى والبلدات الحدوديّة الواقعة في الخطّ الأوّل للمواجهات العسكريّة، أو القريبة منها، ستحرم ربّات البيوت من انهماكهنّ السنويّ المعتاد في تحضير المؤونة البلديّة وإعدادها، إذ إنّ هذه المؤونة كانت تعتمد في أساسيّاتها على زراعات بيتيّة ومحلّيّة وعلى بساتين الزيتون والكروم المنتشرة بكثافة في كلّ قرية وبلدة، ناهيك بمنتوجات المواشي من حليب وألبان تلعب دورًا بارزًا في التحضيرات البيتيّة للمؤونة.

أكثر من تسعة أشهر وأبناء هذه القرى خارج بيوتهم وأراضيهم التي كانت تدرّ عليهم الخيرات والغلال، في ظلّ نزوح جماعيّ قدّر بأكثر من 100 ألف نازح ينتشرون مع عائلاتهم وأسرهم في مناطق عديدة، قريبة أو بعيدة، فيما أدّت الحرب المستمرّة إلى تدمير آلاف البيوت والمؤسّسات التجاريّة والصناعيّة والزراعيّة وتشتيت الثروة الحيوانيّة من مواش ودواجن، وحرق مساحات واسعة من المزارع والحقول الغنيّة بالمواسم وبساتين الزيتون والأشجار المثمرة، تضاف إليها مؤونة العام الماضي التي أعدّتها السيدات الجنوبيّات على قدم وساق قبل بدء الحرب في الثامن من تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023 وبقيت في مخازن البيوت بعدما نزح سكانها على عجل.


كانت مؤونة بلديّة

تشمل المؤونة البلديّة التي يحين موعد تحضيراتها في مثل هذه الأيّام من السنة، وتستمرّ ربّات البيوت في إعدادها وتجهيزها حتّى تشرين الأوّل، البرغل والصعتر (الزعتر) والفريك والكمّونة والملوخيّة وربّ البندورة واللبنة والأجبان وصولًا إلى الزيت والزيتون والكشك والمكدوس والمربّيات على أنواعها، وهي تشكّل زاد الشتاء للعائلات، خصوصًا عند أبناء القرى الحدوديّة، ممّن لا يزالون يتميّزون بتحضير المؤونة ويعتمدونها في استهلاكهم اليوميّ، وذلك نتيجة الطابع الزراعيّ والريفيّ لمناطقهم ونمط الإنتاج فيها، حيث إنّ الزراعة واقتناء المواشي كان لا يزال منتشرًا بشكل واسع ويشكّل حيّزًا مهمًّا من الدورة الاقتصاديّة.


تشمل المؤونة البلديّة التي يحين موعد تحضيرها في مثل هذه الأيّام من السنة، وتستمرّ ربّات البيوت في إعدادها وتجهيزها حتّى تشرين الأوّل، البرغل والصعتر (الزعتر) والفريك والكمّونة والملوخيّة وربّ البندورة واللبنة والأجبان


اليوم، وبسبب التهجير القسريّ، لن تستطيع العائلات المهجّرة التي نزحت نحو مناطق أخرى، أو أقامت في شقق ضيّقة لا حدائق أمامها أو حقول زراعيّة أو بساتين، أن تحضّر مؤونتها كما اعتادت في كلّ عام، وذلك بسبب فقدانها للمواسم وغلال الحقول من جهة، أو لمعدّات وأدوات التحضير التي بقيت في المنازل، ناهيك بالتعسّر الاقتصاديّ والماليّ الذي تعاني منه هذه الأسر خارج بيوتها بعد شهور طويلة من النزوح الطارئ، جعل أربابها من دون عمل أو إنتاج.

بالإضافة إلى تحضيرهم المؤونة البيتيّة، فإنّ عديدًا من عائلات القرى الحدوديّة، تعتمد في معايشها على بيع المنتجات الزراعيّة من برغل وزيتون وملوخيّة وسمّاق وصعتر وغيرها من أنواع الحبوب. ومن الطبيعي أن ينتج غياب هذه الصناعات البيتيّة والمحلّيّة نقصًا في أسواق المؤونة، وسيؤدّي حكمًا إلى ارتفاع أسعارها، وهذا ما لمسته “مناطق نت” من خلال جولة على القرى والبلدات الجنوبيّة واستطلاع آراء العاملين في هذا المجال.


مؤسّسات للمؤن القرويّة

خارج إطار مناطق الحرب، يكثر في البابليّة (الزهراني) عديد العاملين في تحضير المؤونة البلديّة. كان الحاج أبو طلال مخدّر في ما مضى يمتلك أشهر جاروشة وطاحونة، وأشهر مكبس زيتون في المنطقة. ورث أولاده المهنة، وفتح كلّ منهم مؤسّسته الخاصّة. ويعمل آل عزّ الدين منذ زمن بعيد في هذه المهنة، حيث كان العمل يبقى طوال العام مستمرًّا من دون توقّف، وكان بمعظمه يدويًّا، لقد باتت هذه المحترفات الغذائيّة المنتشرة بأعداد كبيرة ترفد الأسواق المحلّيّة بالمؤونة البيتيّة والبلديّة، ما وفّر على كثير من العائلات وربّاتها صناعة مؤونتها بنفسها، إذ صار بإمكانها شراءها جاهزة.

وتعمل “أم محمّد قرّي” أيضًا في إعداد المؤونة المعروضة للبيع منذ عشرات السنين. هذا الانتشار لمؤسّسات إعداد المؤن لم يكن سابقًا بهذه الكثافة لأنّ كلّ عائلة كانت تصنع مؤونتها بنفسها وكان أفراد الأسرة يتعاونون في ما بينهم على تحضيرها، من قطف للملوخيّة والصعتر البرّيّ ودقّه، وتنقيّة الحبوب وسلق القمح وإعداد الكشك والكمّونة والكبيس والمُربّيات.


مؤونة في الطّيري

لم تترك فُضّة فقيه بلدتها الطيري في قضاء بنت جبيل إطلاقًا، لا تزال صامدة فيها، تقطف الورد وأوراق النعنع وكلّ ما تحتاجه لإعداد مؤونة الكمّونة، إضافة إلى الصعتر والفريك وسلق القمح قبل جرشه وتحويله إلى برغل، تقول: “لا يزال الطلب على المؤونة كبيرًا، خصوصًا من قِبَل الساعين إلى شراء المُنتج الطبيعيّ”.

وتضيف فقيه في حديث لـ”مناطق نت”، قائلة: “عند بدء العدوان في تشرين الأوّل العام الماضي كنّا قد قطفنا الزيتون وحصدنا القمح، لكن هذا العام لم يتمكّن كثيرون من زرع أراضيهم في شهر كانون الأوّل/ ديسّمبر نظرًا إلى ستمرار القصف والاعتداءات، لكنّنا نأمل أن يأتي موسم قطف الزيتون هذا العام وتكون الحرب قد توقّفت”.

وتشير فضّة إلى أنّ “الأسعار سترتفع طبعًا نظرًا إلى قلّة الإنتاج المحلّيّ بسبب الحرب والنزوح”. لكنّها ترى أنّ “قرى قضاءي صور والنبطية تعمل بشكل طبيعيّ في إعداد المؤن لهذا العام”.

وتُشدّد على أنّ “المؤونة البلديّة في الطيري وغيرها من القرى المجاورة لا تعادلها أيّة مؤونة نظرًا إلى نكهة الصمود فيها، وهي أغلى بكثير من أيّ مؤونة أخرى. نحن لم نترك ولو للحظة الضيعة وبقينا هنا غير خائفين”.

وتردف ردًّا على سؤال: “إنّ المنطقة هنا لم تصلها القنابل الفوسفوريّة، على عكس ما يعتقد البعض، ولا يزال زبائننا هم أنفسهم”. وبرأيها “في الأيّام الطبيعيّة يكثر الطلب على المؤونة البلدية لأنّها صحّيّة 100 بالمئة على عكس ما تنتجه بعض المؤسّسات التي تبيع بقايا المؤن على أنّها مؤونة”.


البابليّة بانتظار الحصاد

تعمل مريم عزّ الدين من بلدة البابليّة مع أخواتها في تحضير المؤونة منذ زمن بعيد، تُجهّز وتبيع القمح الحَب والمجروش والفريك والصعتر والكشك منذ عشرات السنين، وباتت مقصدًا لكلّ بيوت المنطقة. تشرح لـ”مناطق نت” عن الأسعار والمؤونة لهذا العام فتقول: “لا تزال الطلبيّات غير واضحة نظرًا إلى عدم حصاد القمح، والذي كان يُباع بـ70 ألف ليرة للكيلوغرام الواحد عندنا، مقابل 150 ألف ليرة عند غيرنا، أمّا الطلب على الصعتر فلم يُحدّد بعد بسبب عدم قطف السمّاق حتّى اليوم، والسمّاق ينتظر آب اللهّاب”.

تؤكّد مريم عز الدين أنّ “الحرب على الجنوب أثرّت بالطبع، لأنّ الأراضي الزراعيّة باتت تحت النار”. مع العلم أنّه “هناك من يشتري من التعاونيّات قمحًا مصدره غير معروف، وهو لا نكهة بلديّة فيه، وهنا يكمن الفرق”.


يحمر الشقيف صديقة المؤونة

“بدأتُ أعمل في إعداد المؤونة بعد الأزمة الاقتصاديّة في العام 2019” تقول لينا علّيق من يحمر الشقيف والتي كانت “تدير متجرًا لبيع الثياب” وتضيف لـ”مناطق نت”: “لجأت إلى العمل بالمؤونة بشكل اضطراديّ بسبب تراجع عملي التجاريّ، حيث أصبح شراء الملابس نوعًا من الرفاهيّة”. تتابع علّيق التي تُحضّر المؤونة لعائلتها ككلّ سيّدة جنوبيّة، كونها تهوى الزراعة “في أشهُر الصيف نقوم بتحضير المؤونة من قطفٍ للملوخيّة وتنقية الصعتر وطحنه، إضافة إلى السمسم والسمّاق والفريك والكشك”.

ووفق علّيق، تستمرّ في عملها المحدود هذا في سبيل تعويض بعض ما خسرته من بيع الثياب، حيث تتّكل على الأقارب والأصدقاء والمُحيطين بها كونهم يعرفون نوعيّة المواد التي تعرضها لأنّ “النظافة عنوان عملي”، وتتمنّى “الدعم من المؤسّسات الزراعيّة المتخصّصة” من أجل توسعة إنتاجها نظرًا إلى محدوديّة رأس المال لديها.


مؤونة تنتظر المغتربين

من جهتها تقول فاطمة قصير، صاحبة مؤسّسة لبيع المؤن في بلدتها دير قانون النهر في قضاء صور لـ”مناطق نت”: “بالنسبة إلى التصنيع نحن صنعنا هذا الموسم الكمّيّة نفسها، أمّا التسويق والبيع كان هذا العام بنسب أقلّ، إذ كنّا نتّكل على المغتربين، لكنّهم لم يحضروا بعد إلى الجنوب بسبب القصف والاعتداءات”.

وتلفت فاطمة إلى “أنّ الجنوبيّات اللواتي هجّرتهنّ الحرب من قراهنّ الحدوديّة يعملن مؤونتهنّ بأنفسهنّ في مكان تهجيرهنّ، ولم يتّكلن على السوق، فالأسعار ارتفعت قليلًا بسبب ارتفاع أجرة العمّال، والعامل لا يقبل البدل الماليّ نفسه الذي كان سائدًا في الموسم الماضي”.


لا إقبال على التموين

يشير أيمن مخدّر وهو صاحب متاجر لبيع المؤونة في بلدة البابليّة إلى “أنّنا لم نشهد حركة بيع قوّية حتّى الآن، على الرغم من أنّنا أصبحنا في أواخر تمّوز/ يوليو، إذ إنّ الطلب الكبير على الزعتر والفريك وغيره يحصل في هذا الوقت من كلّ عام”. ويضيف لـ”مناطق نت”: “لم يبدأ الإقبال بعد على موسم التموين، فالناس تشتري اليوم بالكيلوغرام الواحد، الكلّ خائف، ومعظمهم يفضّل الاحتفاظ بما لديه من مال للأوقات الصعبة”.

يتابع مخدّر: “لا حركة استيراد ولا طلبات كبيرة حتّى الآن، ولم نطلب أيّة بضائع، لا من سوريّة ولا من عكّار، لأنّ حركة الشغل متراجعة، بل متدنّية”. ويختم بأنّ “الفريك بمعظمه يأتي من سوريا، وحركة الطلب على المؤونة لا تشكّل سوى 20 أو 25 بالمئة ممّا كانت تشكّله في العام الماضي”.

داخل محل طارق مخدر لبيع المؤونة البلدية في البابلية
داخل محل طارق مخدر لبيع المؤونة البلدية في البابلية


الحاجة فضة فقيه تحضّر المؤونة في بلدتها الطيري
الحاجة فضة فقيه تحضّر المؤونة في بلدتها الطيري


بعد سلق القمح ونثره على السطح
بعد سلق القمح ونثره على السطح


لينا علّيق من يحمر الشقيف أثناء توريق الملوخية
لينا علّيق من يحمر الشقيف أثناء توريق الملوخية


فاطمة قصير صاحبة مؤسّسة لبيع المؤن في بلدتها دير قانون النهر
فاطمة قصير صاحبة مؤسّسة لبيع المؤن في بلدتها دير قانون النهر


زعتر بلدي
زعتر بلدي


صلصة بندورة
صلصة بندورة


تعليقات: