حجب المساعدات والماء عن النازحين: نماذج من الفساد اللبناني

يجد بعض الفاسدين في هذه الأزمات فرصة ذهبية لتوسيع نشاطهم والاستفادة من الفوضى (Getty)
يجد بعض الفاسدين في هذه الأزمات فرصة ذهبية لتوسيع نشاطهم والاستفادة من الفوضى (Getty)


يُعد الفساد أحد أخطر التحديات التي تواجه لبنان منذ عقود، وهو ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل أساس عميق للأزمات التي أصابت البلاد. فقد تسبب الفساد في ترسيخ نظام غير عادل أدى إلى الانهيار الاقتصادي الذي وصفه البنك الدولي بأنه من بين أكبر ثلاثة انهيارات اقتصادية على مستوى العالم خلال الـ 150 عامًا الماضية. واليوم، في خضم الحرب والتشرد الذي أجبر أكثر من مليون شخص على النزوح، منهم 600 ألف يقيمون في مراكز إيواء تعتمد على المساعدات الإنسانية من جمعيات محلية ودولية، يجد الفاسدون في هذه الأزمات فرصة ذهبية لتوسيع نشاطهم والاستفادة من الفوضى. ففي الوقت الذي تكافح فيه المؤسسات الإنسانية لتخفيف المعاناة، يجد الفساد منفذاً جديداً للاستيلاء على الموارد وتوسيع دائرة الفوضى التي تزيد من مآسي المواطنين، محولاً الكوارث إلى مصادر للربح غير المشروع.


إستغلال النازحين

بدأ استغلال النازحين منذ اللحظات الأولى لنزوحهم، حيث وجد بعض الفاسدين فرصة لتحقيق مكاسب سريعة على حساب معاناة الآخرين. على الطرقات، تعرض النازحون لمواقف مذلة، منها بيع قنينة مياه صغيرة بمبلغ خيالي يصل إلى 100 ألف ليرة لبنانية. ولم يتوقف الأمر عند الطرقات، بل امتد إلى استئجار البيوت التي باتت مساحة للاستغلال الجشع. بعض الملّاك رفعوا أسعار الإيجارات إلى مستويات غير معقولة، فيما لجأ آخرون إلى محاولة جمع عائلتين في بيت واحد بهدف تحقيق أكبر قدر من الربح. كما وُعدت العديد من العائلات بمساكن لتكتشف عند وصولها أنه لا توجد شقق أو أن الشروط المتفق عليها لم تتحقق.

إحدى القصص المأساوية التي تعكس هذا الاستغلال تعود إلى عائلة نازحة من صور، رفضت الإفصاح عن هويتها. توجهت العائلة إلى بلدة عرمون بحثًا عن مأوى، حيث وعدهم صاحب شقة بأن الكهرباء ستُؤمَّن في اليوم التالي. دفع النازح مبلغ 1500 دولار كعربون لضمان استئجار الشقة. إلا أنه عندما عاد في اليوم التالي، وجد أن الكهرباء لم تُوصل وأن الأثاث كان في حالة سيئة جدًا. وعندما طالب بإعادة ماله، وُجه بالتهديد بالسلاح واستقواء صاحب الشقة بأهل البلدة. استرجع في النهاية مبلغ 850 دولارًا فقط من العربون، في حين خسر باقي المبلغ. عادت العائلة المكلومة إلى صور لتجنب المزيد من الاستغلال والإذلال، معبرين عن شعورهم بأن "الموت في البيت أفضل من الموت كل يوم بفعل الاستغلال."

امتد الاستغلال إلى مراكز الإيواء والمدارس التي تحولت إلى ملاذات مؤقتة للآلاف من المتضررين. على سبيل المثال، علمت "المدن" عن حالات تلاعب في أعداد النازحين داخل بعض مراكز الإيواء، حيث يزعم بعض المسؤولين أن عدد النازحين أكبر من الواقع، وذلك بهدف الاستفادة من المساعدات التي تقدمها الجمعيات والمنظمات. هذه المساعدات، بدلاً من أن تصل إلى مستحقيها، يتم تحويلها إلى جيوب بعض الفاسدين الذين يرون في معاناة هؤلاء الناس فرصة لتحقيق مكاسب.

ولم يقتصر الأمر على التلاعب بالأعداد، بل وصل إلى حد إما عدم توزيع الوجبات الغذائية على النازحين، أو التأخر في توزيعها ساعات طويلة، بحجة أن المديرة ليست في المركز لتمضي قبل التوزيع، وهذا ما حصل بإحدى المدارس في عكار.

تصرفات خالية من الرحمة والإنسانية، تزيد من معاناة هؤلاء الناس الذين فروا من بيوتهم بحثًا عن الأمان والاستقرار، ليجدوا أنفسهم يواجهون شكلاً جديدًا من الاستغلال في أكثر اللحظات ضعفًا في حياتهم.

في إحدى المدارس في بيروت، قامت جمعية خيرية بتوزيع مساعدات على النازحين على مدى يومين، شملت الحفاضات وغيرها من المستلزمات الأساسية. وبينما كانت إحدى المتطوعات تغادر الموقع، سمعت إحدى النازحات تسأل مسؤول المركز عن حفاضات لأطفالها، ليجيبها بلا مبالاة أن "لا يوجد أي حفاضات في المركز". تقترب المتطوعة من المسؤول وتقول: "هناك العديد من الحفاضات في الغرفة!" لكن بدلاً من التعامل مع الموقف بشفافية أو تفسير ما حدث، قام المسؤول بمحاولة إسكاتها بتجنب الرد وأسرع إلى إغلاق الباب!.


مواجهة ونكران

في حديث مؤلم مع إحدى النازحات في حلبا، والتي رفضت الإفصاح عن اسمها، كشفت عن المزيد من الانتهاكات التي يتعرض لها النازحون داخل مراكز الإيواء. تروي النازحة لـ"المدن" أن مديرة المركز تتعمد قطع المياه عنهم، وتغلق الصنابير(السكورة). وتضيف النازحة: "حاولنا تقديم شكوى إلى المحافظ والنائب أسعد درغام، لكن لم يحدث أي إجراء ملموس حتى الآن."

ولا يقف الاستغلال عند قطع المياه فقط، بل يمتد إلى استغلال المساعدات التي يُفترض أن تكون موجهة لصالح النازحين. وتتابع حديثها بقولها: "وزعوا علينا فرشاً، لكن المديرة قالت إنها ستأخذ 10 منها لتضعها في مكتبها". هذه التصرفات تعكس مدى تفشي الفساد في لبنان، حيث يتحول ما يُفترض أنه دعم إنساني إلى أدوات لتحقيق مصالح شخصية.

في اتصال أجرته "المدن" مع مديرة المدرسة، حاولت المماطلة في إجراء الحديث في محاولة منها لكسب الوقت لتنسيق ردها حول كيفية التعامل. وحين أجابت، بررت المديرة سلوكها بقولها إنها تحاول "المحافظة على المياه"، مضيفة أنها "لا تتدخل أبداً في شؤون توزيع المساعدات" وأنها حتى لا ترى نوع المساعدات التي تصل إلى المركز.

هذا التصريح من المديرة يكشف إشكاليتين جوهريتين. فمن جهة، إذا كانت المديرة غير متدخلة في عملية توزيع المساعدات كما تزعم، فهذا يعني أنها تتخلى عن دورها الإداري والرقابي الذي من المفترض أن تقوم به وفقًا لتعميم وزير التربية. حيث ينص التعميم على أن كل ما يتعلق بالمساعدات وتوزيعها يجب أن يمر عبر المسؤول أو المدير أولاً لضمان النزاهة والشفافية في توزيع الموارد. وبالتالي، فإن هذا الإهمال يعتبر نوعًا من الفساد الإداري، حيث يعكس فشل المديرة في القيام بواجباتها الأساسية في مراقبة وتوجيه عمليات توزيع المساعدات.

أما الإشكالية الثانية، فتتعلق بموقف المديرة من موضوع المياه. إذ أشارت إلى أنها تعاني من مشكلة مستمرة في توفير المياه، وأنها اضطرت إلى القيام ببعض "المخالفات القانونية" لضمان تأمين المياه، وهو ما يعترف بفساد مقنع، تحت ستار الحاجة والتقشف. وبررت ممارساتها بأنها تحاول التقليل من استهلاك المياه في ظل وجود أكثر من 100 شخص في المركز بحاجة إلى الاستحمام، مشيرة إلى أن الأطفال يقومون بتبذير المياه واللعب بها.

ومع الإشارة إلى الحسّ الإنساني والتضامن الذي أبداه كثر من اللبنانيين ، يبقى استغلال معاناة الناس والفساد "العميق" في السلوكيات يظهر المصدر "المؤسس" لكافة الأزمات اللبنانية.

تعليقات: