18 شباط تاريخ وهمي: هل تصمد محاولات التهدئة؟

أعاد حزب الله الحديث عن معادلة الرد بالمكان والزمان المناسبين (علي علوش)
أعاد حزب الله الحديث عن معادلة الرد بالمكان والزمان المناسبين (علي علوش)


وفق مسارين لا ثالث لهما، تُرسم معالم المشهد جنوباً، بعد خرق إسرائيل لاتفاق وقف إطلاق النار: زحف بشري للأهالي وانتشار للجيش اللبناني في مقابل انسحاب القوات الإسرائيلية من بعض المناطق التي احتلتها سابقاً. هي معادلة ثنائية حررت بعض القرى الأمامية، فعاد الأهالي إلى منازلهم أو لرماد ما تبقى منها. وهو مشهد سيتكرر خلال الساعات المقبلة، استكمالاً لتحرير البلدات الثمانية التي لا تزال القوات الإسرائيلية موجودة فيها، في القطاعين الأوسط والغربي، حتى موعد وصول الموفدة الأميركية الجديدة مورغان أورتاغوس خلال أيام إلى لبنان، وإلى حين اجتماع اللجنة الخماسية المشرفة على وقف إطلاق النار، وما سيترتب عنها من تكريس للتهدئة أو بقاء الأمور مفتوحة على احتمالات الإنزلاق وانهيار التهدئة، وخصوصاً بعد الخرق الكبير الذي نفذه الطيران الإسرائيلي مستهدفاً مدينة النبطية بغارتين.

فهل تصمد محاولات التهدئة؟ وأي احتمالات ستحملها الموفدة الأميركية إلى لبنان، بعدما تغلبت اندفاعة الأهالي على التحذيرات الإسرائيلية، بينما الرد جاء بتوقيع إسرائيلي مستهدفاً النبطية؟ وماذا عن سيناريو التلال الخمسة التي تنوي إسرائيل البقاء فيها، والمهلة المعدلّة للثامن عشر من شباط المقبل، وأي مناورة يسعى إليها الإسرائيلي أمام حليفته أميركا، مستفيداً من المهلة المتبقية، ليستكمل ضربه بعض المناطق الجنوبية ومزاعمه بالقضاء على حزب الله؟ ومن يحاسب إسرائيل على "القوة المميتة" وهي العبارة التي استخدمها مكتب الأمم المتحدة بالأمس لدى وصفه مشهدية الإعتداء على المدنيين العائدين إلى قراهم ومنازلهم في جنوب لبنان، ما يشكل انتهاكاً للقانون الدولي؟


معادلة التوقيت والمكان

تقف مصادر مطلعة على المشهد الأمني جنوباً، عند ما أشار إليه رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد بعودة الحديث عن معادلة "الرد بالتوقيت والزمان المناسبين"، في إطار تعليقه على استهداف النبطية بالأمس، إذ قال "إنّ حق شعبنا في لبنان بالتصدي للاحتلال وللاعتداءات الإسرائيلية هو حق مشروع ومقدس يمارسه في التوقيت والمكان اللذين يراهما مناسبين لإفشال أهداف العدو وحفظ أمن لبنان وسيادته ومصالحه". وهو ما قد يفسر أنّ الأمور قد تتدحرج إلى ما هو أسوأ، بينما تتوقف المصادر عند التحولات الأمنية والسياسية ما بعد يوم الأحد المنصرم، وإعتبار حزب الله أنّ موعد الثامن عشر من شباط "مجرد تاريخ وهمي"، وأنّ إسرائيل "تسعى للمناورة وتحاول التملص من فكرة الانسحاب تحت الضغط الشعبي وانتشار الجيش والاتصالات الفرنسية والأميركية لحفظ ماء وجهها"، وبالتالي فإنّ "إنسحابها من النقاط الخمسة ليست سوى مسألة وقت، توازياً مع انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي لا تزال تتوغل فيها وتحتلها".

وحسب المصادر، فإنّ حزب الله ليس بوارد المواجهة الفعلية مع إسرائيل. أكدّ في بيانه الأخير أنّ "مقاتليه لا تزال عيونهم مرابطة في خطوط القتال الأمامية". ولكنّه لا يزال متمسكاً بالتهدئة وإرسال رسائل في أكثر من اتجاه، كما باشرت فرقه في إجراءات المسح في كل القرى المحررة لتسريع عملية البناء وتوفير الدعم للأهالي. ولذا، فإنّ ما تبدّل بعد يوم الأحد مع انتهاء مهلة الستين يوماً بحسب المصادر هو أنّ "الحزب استعاد واحداً من أساسيات الردع تجاه الخصم". ولكنّه لا يريد المغامرة، وكذلك إسرائيل التي كان بإمكانها أن ترتكب المجازر بحق المدنيين يوم الأحد ولكنها لم تفعل، وهو ما جعل حزب الله يعرف أكثر من أي وقت مضى "سقف الإسرائيلي في المواجهة".

وحسب المعطيات المتوفرة وقراءة المشهد حالياً، إلى حين وصول الموفدة الأميركية إلى لبنان نهاية الأسبوع الجاري كما هو متوقع، فإنّ المشهد في الجنوب سيبقى على ما هو عليه، استفزازت وخروقات إسرائيلية، ضغط شعبي واستكمال انتشار الجيش اللبناني ومماطلة إسرائيلية للانسحاب من القرى المتبقية. وهذا لا يعني أنّ بعض الأمور قد لا تأخذ منحى أكثر تصاعدياً، في حال اضطر حزب الله إلى الرد على إسرائيل ما بعد الثامن عشر من شباط، وهو مرهون بما ستحمله الأيام المقبلة على مستوى الاتصالات الدولية والضغط الأميركي لحث إسرائيل على الانسحاب، تماشياً مع رغبة أميركا وخطاب الرئيس دونالد ترامب بعودة الهدوء إلى الشرق الأوسط.


إسرائيل والقانون الدولي

والمؤكد أنّ ما من شيء يمنع إسرائيل عن عدم التقيد بالمهل أو الالتزام بأية قرارات دولية، في ظل تغليب الاعتبارات السياسية على القانونية والفراغ التشريعي في القانون الدولي والفيتو المعطل سياسياً، إضافة إلى المحاكم الدولية التي لا تصدر قرارات تنفيذية رادعة، وهو ما لمسناه في أكثر من عدوان على لبنان وفلسطين. ولكن إسرائيل اليوم ومنذ الأحد المنصرم تستخدم "القوة المميتة ضد المدنيين" العائدين إلى منازلهم وليس بوجه مقاتلي حزب الله، بحسب مكتب الأمم المتحدة، ما يعني أنها تشكل انتهاكاً للقانون الدولي.

يشرح الخبير الدستوري جهاد إسماعيل لـ"المدن" المقاربة الإسرائيلية لانتهاك القانون الدولي، مشيراً إلى أنّ "توصيف أفعال إسرائيل في الجنوب، يندرج من الناحية القانونية، ضمن جريمة ضد الإنسانية الّتي حظّرتها المادة 7 من نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية، لكونها وقعت على سكّان مدنيين، واتخذت، في آنٍ، نهجًا سلوكيًا بين القتل العمد وحرمان جماعة معيّنة من الحقوق الطبيعية، أي العيش والسكن".

أما القانون الدولي، وتحديدًا الميثاق الأممي ونظام روما، "لم يُعطِ آلية تنفيذية كافية لإدانة إسرائيل، لأنه منح مجلس الأمن سلطة تقديرية في اعتبار هذا الفعل أو ذاك أفعال عدائية، وربط، في الوقت نفسه، اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بالتزام لبنان بنظام روما، وهو أمرٌ غير متوافر حالياً"، كما يؤكد إسماعيل.


الدفاع عن النفس

ولما "كان مجلس الأمن لا يتخذ التدابير الكافية لدفع أي اعتداء، فيمكن للبنان، فرادى أو جماعات، عملا بالمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، حق الدفاع عن نفسه فور حدوث الاعتداء الذي لا يقيّده أيّ قيد على الاطلاق سوى لحظة اتخاذ مجلس الأمن الإجراءات اللازمة لمنع الاعتداء وتالياً الاحتلال"، كما يقول إسماعيل، الذي يؤكد شرعية "المقاومة الشعبية" لأي اعتداء مماثل. ويتابع "مما يعني أن عدم اتخاذ المجلس المقتضى القانوني يُبقي الدفاع عن النفس قائماً مستمراً حتى زوال الاعتداء، ذلك أن بقاء قوات العدو في أرض الجنوب يشكّل عدواناً تمقته المادة 39 من ميثاق الأمم المتحدة".


إقامة المستوطنات

للجنوبيين حق الدفاع عن النفس مكفولاً بقرار أممي، وهو ما لا يحتاج لقرارات لتأكيده، فالأرض أرضهم. بينما لا تعتبر إسرائيل أنّ مهمتها في الجنوب اللبناني انتهت. نسفت ودمرت وأحرقت المنازل واقتلعت أشجار الزيتون بكيدية، ولم تكتفِ بعد. ظاهرياً تزعم قواتها أنها تكتشف المزيد من البنى التحتية لحزب الله في المنطقة الحدودية، ولن تغادر حتى تقضي عليها، أمّا عملانياً فما "يجلب الأمان إلى سكان الشمال"، وهي عبارة استخدمتها إحدى الحركات الإسرائيلية المتطرفة (أوري سافون اليهودية) للضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي بينيامين نتنياهو، باتخاذ خطوات فعالة لإقامة المستوطنات في جنوب لبنان، فهو ما يؤكد خبايا الحلم الإسرائيلي المستحيل بالاستيلاء على أراضٍ لبنانية. فأي سيناريو سنشهد عليه ما بعد الثامن عشر من شباط؟

تعليقات: