خمس دورات متتالية يشغل المقعد نائب كتلة بري قاسم هاشم من دون منافسة حقيقية (مصطفى جمال الدين)
لم تكن معركة حاصبيا، في دائرة الجنوب الثالثة، سهلة في العام 2022، لكنها تميّزت بفوز أصوات جديدة، بسبب التنوع الطائفي، الذي جعل تأثير "الثنائي المهيمن" أقل مقارنة بباقي مناطق الجنوب.
تتكون دائرة الجنوب الثالثة من 11 مقعداً موزعة وفق الآتي: 8 للشيعة، 1 للسنة، 1 للدروز، و1 للروم الأرثوذكس. تنافست لائحتان هي "الأمل والوفاء" و"معاً نحو التغيير". فازت لائحة الثنائي "الأمل والوفاء" بتسعة مقاعد، في حين حصلت "معاً نحو التغيير" على مقعدين. وأظهرت النتائج الرسمية تأثيراً كبيراً لأصوات المغتربين، وكذلك لأصوات الدروز والسنة والمسيحيين في منطقتي مرجعيون-حاصبيا. وفاز المعارضان فراس حمدان (المقعد الدرزي) وإلياس جرادة (المقعد الأرثوذكسي) على حساب مرشح "الأمل والوفاء" مروان خيرالدين وأسعد حردان. لكن جرادة عاد بعد الفوز لأحضان الثنائي المهيمن بحلة جديدة، Rebranding سياسي. واحتفظ قاسم هاشم بالمقعد السني ضمن قائمة "الأمل والوفاء". فهل هناك فرصة للفوز بالمقعد السني في العام 2026؟
في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار دائماً إلى المعارضة الشيعية وحركتها في الجنوب، يبدو أنَّ المعارض السني مغيب إعلامياً، وما من إضاءة على هذا المقعد الذي قد يبرز في الانتخابات البرلمانية 2026، ويلعب دوراً مهماً.
لا بد من الاعتراف بأن الانتخابات البرلمانية في العام 2026، في الجنوب الثالثة، لن تكون أسهل من انتخابات العام 2022، والسبب ليس ضعف حزب الله سياسياً وعسكرياً؛ بل بسبب فائض حماس المعارضة الشيعية، في دخول معترك البرلمان عبر الترشح، وهو ما يفضي إلى تشكيل أكثر من لائحة في مواجهة "الثنائي". وثانياً بسبب غياب شخصية سنية متفق عليها، من خارج "كلاسيكو الدولة". وثالثاً بسبب عدم حسم موضوع المقعد الدرزي، في حال أراد فراس حمدان الترشح لمرة ثانية.
تاريخ المقعد السني
هذا المقعد الذي تبارزت عليه الشهابية، ثم الأسعدية ثم السوريون، يجب أن يتحرر اليوم قبل الغد، وأن يستعد للانتخابات البرلمانية في العام 2026. وضرورة وجود مقعد سني جديد خارج الدولة العميقة يعزز دور المقعد الدرزي في حال بقي مع فراس حمدان ابن بلدة الكفير، الذي هزم النظام ورجله مروان خير الدين في انتخابات العام 2022.
أُلغي المقعد السني في العرقوب في العام 1952 خلال فترة كميل شمعون، حيث قُلِّص عدد النواب من 77 إلى 44 نائباً. وفي الستينيات، عاد هذا المقعد ليُمَثَّل في العرقوب من قبل ممثلي النهج الشهابي في عهد الرئيس فؤاد شهاب، حيث تولى خالد شهاب المقعد في العام 1960، وبالتالي سهيل شهاب في العام 1964، وكلاهما كان مدعومًا من "المكتب الثاني". بعد ذلك، انتقل التمثيل السني في المنطقة إلى كامل الأسعد، رئيس مجلس النواب الأسبق، الذي ورث المقعد عن والده أحمد الأسعد، وفاز معه علي ماضي من شبعا في العام 1968 ومنيف الخطيب في العام 1972. واستمرت دورة 1972 بعد الحرب، وأُجريت أول انتخابات في العام 1992 تحت النفوذ السوري، الذي كان يدعمه رئيس مجلس النواب الحالي نبيه بري. فاز أحمد أسعد سويد من كفرحمام في العام 1992. وبعد اختلاف التوجهات السورية، روّج غازي كنعان لترشيح قاسم هاشم، الذي احتفظ بهذا المقعد طوال السنوات 1996 و2000 و2005 و2009، وكان نائبًا تقليديًا يتبع تجربة بري البرلمانية. وبعد تعديل القانون واعتماد نظام النسبية وإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية في العام 2018، والذي أدى إلى دمج المقعد في دائرة الجنوب الثالثة، استمر قاسم هاشم في الفوز بالمقعد في انتخابات 2018 و2022.
مطلوب مرشح سني للجنوب الثالثة
معركة المقعد السني في انتخابات 2026 ليست مجرد حدث عادي. نتحدث عن مقعد شغله نائب كتلة بري قاسم هاشم لخمس دورات متتالية، ولم يواجه فيه منافساً حقيقياً. حتى عندما قرر تيار المستقبل في العام 2018 دعم عماد الخطيب، لم ينجح الأخير على الرغم من أنه قام بكل ما يقوم به أي مرشح من زيارات وتنظيم لقاءات ومناسبات اجتماعية متنوعة.
اليوم، وبالنظر إلى الخريطة الانتخابية، هناك فرصة أمام اللبنانيين، خصوصاً أبناء الطائفة السنية في الجنوب، أولئك المهمَّشون الذين أُقصوا من قبل الحريرية السياسية، ومن السوريين أيضاً. كما جرى تهميشهم من كبار المتمولين السنة في لبنان، الذين سَعَوا على نحوٍ أو آخر إلى حصر المقاعد السنية الـ27 ضمن دائرة نفوذهم.
إلى جانب المرشحين الآخرين في دائرة الجنوب الثالثة، كان الخطأ التكتيكي سابقاً في الفشل في إيجاد اسم جامع يمتلك الكاريزما اللازمة للترشح والفوز بالمقعد السني. هذا التحدي لا يزال قائماً في انتخابات 2026، لكن الجغرافيا السياسية تغيّرت؛ فالتطورات في سوريا، ومعادلات الحكم الجديدة فيها، قد تترك تأثيراً غير مباشر على التمثيل السني، عبر العلاقات الدبلوماسية مع مرشحين سنة سواء في بيروت أو البقاع أو الشمال.
انهيار المرجعية الأحادية وتشرذم التمثيل
بعد كسر المرجعية الأحادية للسنّة، خصوصاً أنه من بين 14 نائباً تغييرياً هناك حوالي 5 من الطائفة السنية، لم يعد هناك كتلة سنية كبيرة واحدة. وقد جرى تعويض غياب كتلة الحريري بدخول شخصيات سنية جديدة إلى مجلس النواب للمرة الأولى من خارج النظام السابق. هؤلاء هم وضاح الصادق، إبراهيم منيمنة في بيروت، حليمة قعقور في الشوف، ياسين ياسين في البقاع، ورامي فنج في الشمال، قبل أن تُبْطَل نيابته بسبب طعن من فيصل كرامة.
مع تزايد عدد النواب السنّة المنتمين إلى كتل نيابية من طوائف أخرى، باتت المقاعد السنية الـ 27 مقعدًا موزّعة على النحو الآتي: كتلة الاعتدال الوطني (محمد سليمان، وليد البعريني، أحمد الخير، عبد العزيز الصمد)، كتلة التوافق الوطني (عدنان طرابلسي، طه ناجي، فيصل كرامي، حسن مراد، محمد يحيى)، كتلة تجدد (أشرف ريفي، فؤاد مخزومي)، كتلة لبنان الجديد (عماد الحوت، نبيل بدر، بلال الحشيمي)، قوى التغيير (إبراهيم منيمنة، ياسين ياسين)، كتلة الوفاء للمقاومة (ملحم حجيري، ينال صلح)، كتلة التنمية والتحرير (قاسم هاشم)، اللقاء الديمقراطي (بلال عبد الله)، وتكتّل صيدا–جزين (عبد الرحمن البزري وأسامة سعد). في حين يظل حوالي خمسة نواب سنّة خارج الكتل الثابتة مثل إيهاب مطر وعبد الكريم كبّارة وجهاد الصمد.
من هنا، يبدو ضرورياً أن يبرز في الجنوب الثالثة مرشح سني، نظيف الكف، واضح الرؤية، يتماهى مع 17 تشرين على نحوٍ أو على آخر، ويمتلك مهارة العمل السياسي، ويكون مقبولاً على الأقل لدى "الكلاسيكو" اللبناني، ليس بمعنى الانغماس في الفساد؛ إنما بما يحمله من نقاط مشتركة في السياسة، وتحديداً في العناوين الكبرى، مثل السيادة والاستقرار الأمني للبنان خارج محور الممانعة.
المرشح السني في تسوية الـ"س. س"
من مدينة صيدا ولغاية الناقورة جنوباً كان النظام السوري يدعم المرشح السني، في حين كان النظام السعودي يدعم المرشح السني من صيدا لغاية طرابلس. على هذا النحو كانت خريطة الـ"س.س" في لبنان.
أخذت السعودية على عاتقها الدور المحوري في صياغة التمثيل السني البرلماني منذ اتفاق الطائف، حيث كانت راعية لهذا الاتفاق، ووفرت الغطاءين السياسي والمالي لرفيق الحريري وتأسيس "كتلة المستقبل". في الدائرة السنية لمقعد حاصبيا–مرجعيون، لم يكن للسعودية تأثير يذكر في السنوات 1992 و1996 و2000، على العكس من تأثيرها القوي في بقية البيئات السنية. وبعد العام 2005، أظهرت الرياض دعماً قوياً لمحور 14 آذار وخياراته الانتخابية، مما ساهم في تعزيز تماسك اللوائح السنية في مدن مثل طرابلس وبيروت وصيدا. بيد أن الهزات الارتدادية التي تلت التسوية الرئاسية في العام 2016، وأزمة استقالة سعد الحريري من الرياض في العام 2017، إضافة إلى تعليق نشاط "المستقبل" قبل انتخابات العام 2022، أدت إلى تراجع نفوذ الحريري وتشتت النواب السنة بين كتل متنوعة تشمل الشيعة والمسيحيين والمعارضة والتغييريين والمستقلين، مع دعم سعودي مرن لشخصيات "سيادية" أكثر من السعي باتجاه إعادة توحيد الكتلة السنية.
اليوم من المتوقع أن يتحرّك الدور السعودي عبر قنوات دبلوماسية وإشارات سياسية انتخابية موضعية، وهدفه الحدّ من نفوذ حزب الله وحلفائه، أكثر منه إعادة إنتاج زعامة سنية مركزية واحدة. وتأثيره يتفاوت من دائرة إلى أخرى تبعاً للأسماء والتحالفات المحلية.
في العام 1992 وتحديدًا في دائرة مرجعيون–حاصبيا، كان أحمد أسعد سويد مرشّح نبيه برّي في «كتلة التحرير» وبدعم سوري مباشر؛ هنا كان القرار بيد الوصاية السورية ونفوذ أمل/ حزب الله، لا السعودية. مع استثناء واضح في الجنوب الشيعي (بنت جبيل، صور، النبطية، مرجعيون–حاصبيا) حيث كان النفوذ لسوريا والثنائي. تبقى صيدا حالة خاصة داخل الجنوب؛ إذ حافظت عائلة الحريري فيها على حضور محسوب على الخط السعودي على نحوٍ أو على آخر.
أسباب التشيُّع السني وتشيِّيع دوره السياسي
دخول حزب الله إلى العرقوب كان نتيجة لتطور فكرة "المقاومة" بعد العام 1982، ثم تعززت بعد "التحرير"، في العام 2000، عبر قضية مزارع شبعا وتلال كفرشوبا. في حين دخلت الجماعة الإسلامية المنطقة منذ العام 1982 عبر تنظيم "الفجر"، لكن على نحوٍ أقل وبالتنسيق مع الحزب في المواجهات الأخيرة. كل هذا جرى بناءً على عوامل محلية مثل الحدود المتوترة والتضاريس، إضافة إلى عوامل سياسية مثل اتفاق القاهرة واتفاق الطائف والانسحاب في العام 2000.
إضافة إلى العوامل أعلاه، هناك العامل الاقتصادي، والعزلة الخدماتية والسياسية للمنطقة، مما مهد وسهل العمل الجهادي في المنطقة، تحت راية حزب الله أو "الفجر"، وهو ما كان السياق الأوسع لضم عناصر سنّية إلى مسرح المواجهة، يعتمد حزب الله أيضاً على «سرايا المقاومة اللبنانية»، وهي تشكيل عسكري يضم مقاتلين من طوائف متعددة بينهم سنّة. فالعامل العاطفي ومبدأ المقاومة ضد الاحتلال، والعامل الاقتصادي، والعامل السياسي كانت ثلاثة أسباب لسقوط الدور السني في العرقوب.
استعادة المقعد السني ضرورة
مطلوب رفض معادلة "المعارض السني" المُغيب عمداً، والبدء برحلة البحث عن مرشح في الجنوب الثالثة. فالناخب والمرشح وأزمة الخيارات، يجب ألا تكون قدراً للاستسلام للـ"الإحباط السني"، المصطلح المتداول إعلامياً في الحقبة السياسية الحريرية. والمطلوب الخروج من مأزومية الإطار السني السياسي، وإنهاء حقبة "الودائع السياسية".
تعليقات: