مي عبدالله: السيادة من الخيام لا من القصور


ليست زيارة براك ولا إلغاؤها مجرد حادثة دبلوماسية. فالموفد الأميركي لم يأتِ ليسمع، بل ليُملي: لا حديث في لبنان قبل نزع سلاح المقاومة. تلك الجملة، في جوهرها، تختصر نظرة واشنطن لهذا البلد: مساحة اختبار لميزان القوى، لا كيانًا مستقلًا.

لكن الجنوب كتب ردّه بلغة مختلفة. في الخيام مرجعيون، حيث الأرض تعرف معنى الاحتلال وتحتفظ بذاكرة الدم، رُسم المشهد الأبلغ: الأهالي رفضوا استقباله، رفعوا صور الشهداء، وأسقطوا الزيارة. إنها ليست واقعة بروتوكولية، بل علامة فارقة: الناس، لا الدولة، هم من صاغوا السيادة في الميدان.

أضحت وجوه واشنطن واضحة: فهي في كل مرة تبدّل قناعًا بآخر.

الوجه الأول دبلوماسي ناعم، يتحدث عن الشراكات. لكن ما جرى في القصر الرئاسي لم يكن تفصيلًا عابرًا. حين تعمّد براك إحراج إعلاميي القصر أمام الكاميرات، لم يكن الأمر توترًا مع صحفيين فحسب، بل رسالة سياسية واضحة: الإهانة طالت صورة الدولة نفسها، ووجّهت في العمق إلى حلفاء واشنطن. فالصحفيون هنا لم يكونوا مجرد أفراد، بل واجهة رسمية، ومع ذلك لم يتورّع الموفد الأميركي عن إظهارهم في موقع التابع.

الوجه الثاني صريح فظّ على لسان غرايهم: إسرائيل أولًا، المزيد من السلاح، لا مكان للحلول.

الوجه الثالث استعراضي تحمله أورتيغاس، التي حوّلها الإعلام المحلي إلى نجمة موضة، في سقوط يكشف إفلاس الخطاب العام.

ثلاثة وجوه… لكن الجوهر واحد: لبنان لا يُرى إلا من منظار سلاح حزب الله.

والمفارقة أن الداخل يعيد إنتاج خطاب الخارج. بطريرك يتهم المقاومة بالخراب. محامية شيعية تُستدعى للتحقيق لأنها ردّت. سياسي يعترف بضعف الدولة حين سلّمت أسيرًا بلا مقابل. وأحيانًا، يذهب بعض الأفراد إلى حدّ المبالغة في عدائهم للمقاومة، حتى يتقاطع خطابهم مع الرواية الإسرائيلية نفسها، فيواجهون عزلة مجتمعية تُترجم ببيانات تبرؤ من العائلة أو البلدة. كأن لبنان يعيش في مرآة غيره: صدى لما يُراد له أن يكون.

ويبقى الدرس الأعمق أن الحدث هنا يتجاوز براك وأورتيغاس وغرايهم. إنه يعيد طرح السؤال الذي يُلازم لبنان منذ عقود:

من يملك حق صياغة السردية؟هل هو الخارج الذي يُحاضر عن السيادة وهو ينتهكها؟

هل هو الداخل المنقسم، الذي يستقوي كل فريق فيه بداعم خارجي؟

أم هو الشعب الذي يعرف أن السيادة لا تُمنح من فوق، بل تُنتزع من تحت، حيث الأرض والدم والذاكرة؟

في الختام، قالت الخيام كلمتها: السيادة لا تُصاغ في القصور، بل تُكتب في الشارع. والمقاومة ليست ورقة تفاوضية، بل جوهر الكرامة الوطنية.

وهنا تكمن المفارقة العميقة: الأميركي يبدّل وجوهه، والإسرائيلي يبتزّ بالانسحاب، واللبنانيون يتنازعون على الخطاب، لكن الجنوب يذكّر الكل بحقيقة أبسط وأصدق: لا وطن بلا مقاومة، ولا سيادة بلا ثمن.

تعليقات: