البصمة الكربونيّة لحروب المنطقة العربيّة في ”كوب 30″… لبنان نموذجًا


يُختَتَم “كوب 30” في “بيليم” (البرازيل) دون إطلاق خطّة أو تسجيل موقف عالميّ لاحتواء البصمة الكربونيّة لحروب ونزاعات عسكريّة يشهدها العالم. نتيجة مؤسفة ولكن غير مفاجئة، إذ لم تتضمّن أجندة المؤتمر قُدُمًا أيّ عنوان حول “الحرب”، “السلاح” أو “التسليح”.

وهذا تأشير مؤسف إلى أنّ المجتمع الدوليّ يجد انبعاثات الغازات الدفيئة المساهمة بالاحتباس الحراريّ، والناتجة عن النشاط العسكريّ في المعارك المسلّحة، والتي تُعرّف بالبصمة الكربونيّة للحرب، غير جديرة بالاهتمام وغير مهدّدة للمناخ.

وقد يكون الاستثناء الوحيد في ”كوب 30″، فعالية نظّمت يوم 18 تشرين الثاني لاحتساب البصمة الكربونية لحرب روسيا على أوكرانيا. وحتّى هذه المحطّة، كانت فاعلية جانبيّة، وأدارتها منظّمة غير حكوميّة، بمعنى أنّ النقاش بقي خارج دائرة صناعة القرار. والأهمّ من ذلك، لم تأخذ في الاعتبار الحروب في المنطقة العربيّة.

وهُنا لا نكشف جديدًا في التأكيد على أنّ المنطقة العربيّة شكّلت خلال آخر سنتين منصّة لأسخن الحروب، وفي طليعتها حرب إسرائيل الإباديّة على غزّة، وكذلك خلال حرب الإسناد والاعتداءات الإسرائيليّة المستمرّة على جنوب لبنان، واشتداد وطيس النزاع المسلّح في السودان، وقبله في اليمن، التي خاضت جولات ”عن بُعد“ مع إسرائيل.

ورغم هذا المشهد المتأجّج، لا بوادر تعويضات للبلدان المتضرّرة، أو حتّى احتواء هذه البصمات الكربونيّة، والتي ستحتبس في الغلاف الجويّ لعقود إلى آلاف السنين، وستسبّب ضررًا لكلّ العالم ولأجيال لاحقة دون تمييز.


مطالبات لبنانيّة

على مستوى اجتماع قادة العالم، أثار هذا الملفّ ممثّل رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة في ”كوب 30″، سفير لبنان لدى البرازيل إلياس نيكولا، في الكلمة الرسميّة، مشيرًا إلى ”تسبّب النزاعات الأخيرة في أضرار مباشرة تقدّر بـ 1.8 مليار دولار، وباحتياجات لإعادة التعمير والتعافي تراوح بين 9 و11 مليار دولار، وفقًا لتقرير البنك الدوليّ حول المناخ والتنمية في لبنان“.

وذكّر نيكولا أنّ ”تعزيز القدرة على الصمود في وجه تغيّر المناخ، يجب أن يسير جنبًا إلى جنب مع تعزيز الأمن الإنسانيّ“. وطالب بأن يصبح صندوق الخسائر والأضرار فعّالًا، مع ضمان الوصول المباشر للدول المعرّضة للحروب.

وبحسب عضو مُشارِكة في الوفد الرسميّ اللبنانيّ، لا نذكر اسمها لأسباب إداريّة، يتبلور موقف منسجم في المحادثات من قبل ممثّلين عن فلسطين ولبنان وسوريا والسودان واليمن، حيث جرى التنسيق خلال اجتماعات جانبيّة بغية دفع الخطاب نحو الإقرار بجدّيّة أضرار المناخ الناجمة من الحروب، والضغط لاتّخاذ قرارات تدعم الدول العربيّة المتضرّرة.

تقول ”حاولنا خلال المحادثات أن ندرج لغة تعطي أفضليّة للدول الهشّة داخل النزاع، لنضع بالاعتبار أنّنا في الأصل دول هشّة، وأنّ الحروب والنزاعات المسلّحة ضاعفت هشاشاتنا المتعدّدة، بخاصّة تلك المرتبطة بالتكيّف مع التغيّرات المناخيّة“.

ولاحظت عضو الوفد اللبنانيّ أنّ ”الدول الكبرى لم تتطرّق في مداخلاتها إلى البصمة الكربونيّة للحروب، وتجنّبت النقاش الخاصّ بالصراعات“.

أوّل 15 شهرًا من الحرب على غزّة خلّفت بصمة كربونيّة هائلة تتجاوز الانبعاثات السنويّة لـ 100 دولة

حروب غزّة وتفرّعاته

وفي سياق الترابط بين الحروب والتغيّر المناخيّ في المنطقة العربيّة، أظهرت دراسة أنجزها باحثون من أميركا وبريطانيا منشورة حاليًّا على منصة الشبكة المفتوحة للعلوم الاجتماعيّة (SSRN)بعد أن نشرت صحيفة “الغارديان” نسخة مختصرة منها في أيّار الماضي، أنّ أوّل 15 شهرًا من الحرب على غزّة خلّفت بصمة كربونيّة هائلة تتجاوز الانبعاثات السنويّة لـ 100 دولة، وأنّ التكلفة المناخيّة طويلة الأمد لعمليّات التدمير وإزالة الأنقاض وإعادة البناء في غزّة، ربّما تتجاوز الـ 31 مليون طنّ من مكافئ ثاني أوكسيد الكربون.

واللافت أنّ 99 في المئة من البصمة الكربونيّة للنشاط العسكريّ مولّدة من الطرف الإسرائيليّ، وأنّ الولايات المتّحدة- التي لم تشارك في ”كوب 30“- ساهمت بما يقارب الـ 30 في المئة من الانبعاثات عبر شحن الأسلحة إلى إسرائيل.

وتعالج الدراسة كذلك هذه البصمة في ضوء حروب مساندة لغزّة، بما فيها إيران واليمن ولبنان.

في اليمن، أطلق الحوثيّون نحو 400 صاروخ أنتجت نحو 55 طنًا من مكافئ ثاني أوكسيد الكربون، بينما ولّد الردّ الجوّيّ الإسرائيليّ ما يزيد على خمسين مرّة من انبعاثات الغازات الدفيئة.

أمّا في لبنان، فقد نتج أكثر من 90 في المئة من إجماليّ 3,747 طنّ من مكافئ ثاني أوكسيد الكربون الناتجة عن القنابل التي ألقاها الجيش الإسرائيليّ، في حين ارتبط نحو ثمانية في المئة فقط بصواريخ حزب الله، ما يوضح تفاوت القدرة العسكريّة في توليد الكربون.


البصمة الكربونيّة لإعادة تعمير لبنان

ووفق الدراسة المذكورة، تكاد الكلفة الكربونيّة لإعادة بناء 3,600 منزل دُمّر في جنوب لبنان تعادل الانبعاثات السنويّة لجزيرة سانت لوسيا.

تعلّق المشاركة اللبنانيّة لـ ”مناطق نت“، أنّ ”البصمة الكربونيّة للحرب تشمل أيضًا كلفة إعادة التعمير، وغالبًا ما تتفوّق على بصمة النشاط العسكريّ والتدميريّ بحدّ ذاته“.

وتشرح ”إنّ 3,747 طنّ من مكافئ ثاني أوكسيد الكربون الناجمة من الهجوم الإسرائيليّ على لبنان، يشكّل رقمًا يكاد يكون معدومًا مقارنة بالانبعاثات الكربونيّة في لبنان والبالغة 20 مليون طنًّا سنويًّا، وبالتالي فإنّ البصمة الكربونيّة للتدمير لا تتجاوز 0.04 في المئة من إجماليّ الانبعاثات“.

إنطلاقّا من هنا، توضح المصدر اللبنانيّ أنّ ”إعادة بناء3,600 منزل في الجنوب ينتج عنه 800 ألف طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون. وتعتمد إعادة التعمير على الإنتاج الصناعيّ للإسمنت، والتي تتغذّى على الوقود الأحفوريّ، حيث يشكّل هذا القطاع نحو 90 في المئة من انبعاثات القطاع الصناعيّ في لبنان“.

كذلك تسبّبت القنابل الفوسفوريّة الإسرائيليّة في حريق الغطاء الغابوي والمساحات الزراعيّة اللبنانيّة، وكانت هذه الأراضي والغابات تعمل كمصارف للكربون، ما يزيد من الانبعاثات ويطيل فترة التعافي البيئيّ.

وتُعدّد المشارِكة اللبنانيّة خسائر لوائح الطاقة الشمسيّة التي باتت تستبدل بمولّدات تعمل بالديزل، بالإضافة إلى الانبعاثات الناتجة عن رفع ونقل الأنقاض وتأهيل البنى التحتيّة. لافتة إلى أنّ معظم هذه الانبعاثات مصنّفة Downstream emissions، أيّ الانبعاثات غير المباشرة الناتجة عن الأنشطة الصناعيّة والبنية التحتيّة، لكنّها تعكس العبء المناخيّ الباهظ لإعادة التعمير، وهي ضرورة إنسانيّة ملحّة فرضتها هذه الحرب.


مُساءلة التفوّق العسكريّ

تؤشّر هذه النتائج المخيفة إلى الحاجة الملحّة لمُساءلة الدول الكبرى حول التزاماتها من الانبعاثات الناتجة عن الحروب، وإعادة النظر بمعايير وأدوات التفوّق العسكريّ وأنماطها العالميّة، وفتح الباب لمطالبات في التعويض عن البصمة الكربونيّة التي تُفاقم أزمة المناخ العالميّة.

وهذه الأولويّة تنسجم مع تحذير الرئيس البرازيليّ لويس إيناسيو ”لولا“ دا سيلفا فيCOP30 من ”أنّ العمل من أجل حماية المناخ أقلّ كلفة بكثير من خوض الحروب“، بينما ارتفع الإنفاق العسكريّ الإسرائيليّ في العام 2024 إلى 46.5 مليار دولار، وهو أكبر ارتفاع على مستوى العالم، بحسب معهد ستوكهولم الدوليّ لأبحاث السلام.

هذا وقبل انعقاد “كوب 30″، أصدرت “شبكة المنظّمات العربيّة غير الحكوميّة” ورقة موقف لـ”المجتمع المدنيّ العربيّ”، تطالب فيها بوضع ضريبة كربونيّة على شركات إنتاج الأسلحة حول العالم، وإدخال قياس انبعاثات الحروب في الجرد العالميّ للانبعاثات. كذلك طالبت البلدان المتسبّبة في الحروب والمعتدية بدفع تعويضات للبلدان المتضررة.

وشدّدت الورقة على أنّ ”كوارث الحروب لا تقلّ خطورة عن كوارث المناخ، من النموذج الأوكرانيّ إلى النموذج في غزّة وجنوب لبنان، مُذكّرة أنّ الوفد اللبنانيّ المفاوض تبنّى هذه القضيّة العام الماضي وطرحها في اجتماعات المجموعة العربيّة في الكوب 29 في أذربيجان“.

أمام هذه الصورة، يبدو أنّ المطالبات بتعويضات عن البصمة الكربونيّة للحروب أولوّية لا يتبنّاها المجتمع الدوليّ. وإذ يتوضّح اليوم مساق عربيّ لأجل العدالة المناخيّة المرتبطة بالحروب، تقابل هذه المحاولات جدارًا سميكًا وضعته سلطة عالميّة مُكرَّسة، من خلال امتلاك السلاح واستخدامه.

وبينما تتنصّل دولٌ راعية للتفوّق العسكريّ من مسؤوليّات التغيّر المناخيّ، وتستفيد من اقتصادات الحروب، كالولايات المتّحدة التي امتنعت عن المشاركة في ”كوب 30″، من غير المفاجىء أن تكون البصمة الكربونيّة للحرب الأخيرة على لبنان أعراضًا جانبيّة غير معترف بها أيضًا.

خُتم “كوب 30” في البرازيل دون خطة عالمية للحد من البصمة الكربونية للحروب والنزاعات
خُتم “كوب 30” في البرازيل دون خطة عالمية للحد من البصمة الكربونية للحروب والنزاعات


الغارات الاسرائيلية على لبنان (الصورة من France24)
الغارات الاسرائيلية على لبنان (الصورة من France24)


تعليقات: