
لم يعد للسعادة مكان وسط هذا الدمار والموت المتواصلين
من يستعد لإقامة عرس أو زفاف في هذه الأيام فإنما وسط الموت المستمر، والدمار المتوقع في كل يوم، وهو لم يتوقف (صورة مصممة عبر الذكاء الاصطناعي)
بدأت الأعمال الحربية في جنوب لبنان منذ أكثر من عامين بمناوشات أطلقها "حزب الله" تحت عنوان "إسناد غزة"، ولم تتوقف حتى اليوم من الجهة الإسرائيلية على رغم قرار وقف إطلاق النار برعاية أميركية وفرنسية في الـ27 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، مما انعكس على مختلف شؤون الحياة، ولا سيما في أكثر من 23 قرية حدودية دمرتها إسرائيل بنسبة تجاوزت 70 في المئة ولم تسمح لأهلها بالعودة أو إعادة تعمير ما تهدم، بضغوط مستمرة تتمثل في دوام القصف والتدمير واستهداف المدنيين ومناصري "حزب الله" ومسلحيه على الطرقات وفي بيوتهم وحاراتهم وإطلاق التهديدات اليومية بتجديد الحرب ومزيد من التدمير الاقتصادي والعمراني والمعنوي.
أعراس على الجبهة
في البيئة الشيعية التي تمثل معظم وأكثرية سكان جنوب لبنان، من جنوب نهر الليطاني الخاضع لبنود القرار الأممي رقم 1701 التي يفترض بها أن توقف الأعمال العسكرية والأمنية، إلى شماله، لم يعد للفرح مكان أو حيز وسط هذا الدمار والموت المتواصلين، إذ ثمة أكثر من 6000 قتيل سقطوا حتى اليوم جراء هذه الحرب، توزعوا على مختلف القرى والبلدات الجنوبية والبقاعية، إنما بنسبة أكبر في المناطق الجنوبية والشيعية تحديداً، ويكاد لا يسلم حيّ من أحياء هذه البلدات من ضحايا وقتلى في صفوف سكانه وأهله.
ومن يستعد لإقامة عرس أو زفاف في هذه الأيام فإنما وسط هذا الموت المستمر، والدمار المتوقع في كل يوم وهو لم يتوقف، والحرب النفسية والمعنوية والقلق على المصير.
والذاهبون إلى الأعراس ومناسبات الفرح، كالذاهبين إلى الجبهة العسكرية، إلى مصائرهم التي باتت معروفة أو متوقعة، فالطرقات إلى صالات الفرح والاحتفال غير آمنة على مدى ساعات اليوم، حتى لو كانت خارج الجنوب، وكذلك العودة في الليل لأية قرية قريبة من الحدود أو بعيدة وإمكان تعرضها للاستهداف أو لخطر متوقع. ومن يسلم من الاستهداف المباشر أو غير المباشر، فلن يسلم من أي خطر داهم، مما يعني أن النفوس والأعصاب غير مؤهلة للفرح والكيف، ناهيك عن لغة الحرب ومفرداتها السائدة على ما دونها من أمور حياتية أخرى.
تراجع مواسم الزفاف
هذا الوضع القائم انعكس على مختلف شؤون الحياة وشؤون الفرح والزفاف والأعراس، وأدى إلى تراجع نسبتها إلى ما دون 25 في المئة، وفي بعض المناطق إلى ما دون 10 في المئة، وبعضها إلى الصفر. ومعها تقلصت الحركة الاقتصادية والسياحية والتجارية، ومردود المطاعم والمتنزهات وصالات الأعراس والاحتفالات إلى نسب مرهقة لأصحابها ومستثمريها تكاد لا تستوفي مصاريف الكلف والتشغيل وأجور العمال والموظفين. وكذلك توقفت أعمال كثيرة أو انحسرت مثل التصوير الفوتوغرافي والفيديو، وباتت أعراس كثيرة تقتصر على حركة خفيفة تتمثل في زفة راقصة أمام منزل العروس أو في عدد مختصر من المدعوين.
في السياق، قال مدير إحدى الاستراحات في صور (جنوب) أنطونيو غلمية "تراجعت الأعراس إلى ما بين خمسة أو ستة في المئة عما كانت عليه قبل الحرب، واتجهت العائلات التي تقيم أعراسها إلى تحجيمها أو اختزالها من ناحية العدد والكلف، فلا تحضيرات قبل أشهر من العرس، بل ثمة ثلاثة أسابيع أو أربعة في أقصاها تسبق قرار الزفاف، ولا حجوزات مسبقة في الصالات ولدى مصففي الشعر ومصوري الأفراح وفرق الزفة. ونلاحظ ألا متطلبات تتقدم الأفراح، فمعظم سكان الجنوب أصيبوا بخسائر جمة بسبب الحرب، وأكثرها إيلاماً ما سقط لهم من ضحايا وقتلى، فغرقت مجمل العائلات في الحزن وثياب الحداد، لذلك تراجعت حماسة الأفراح واختزلت طقوسها، وصارت أعراس كثيرة تقتصر على حفل عشاء مع قليل من الموسيقى".
مسمار في نعش الفرح
وأضاف غلمية أن "المتنزهات والمطاعم الكبيرة في صور ومنطقتها لم تعد هي المقصودة في مجمل الأعراس وحفلات الزفاف، بل صار أصحاب الأفراح يقصدون مع العائلة القريبة أماكن بحد ذاتها مع نحو 50 مدعواً، أو 30. هذا الأمر يسود منذ عامين كاملين، منذ اندلاع المناوشات الحدودية ثم الحرب وما رافقها أو تلاها من أزمات مختلفة، وبات معظم الناس يبحثون عن سبل العيش وليس عن رفاهية، تماماً مثل أيام وباء كورونا بعد عام 2020 عندما تراجعت التجمعات ومعها الأعراس والأفراح والسياحة برمتها. لقد أتت الحرب لتدق المسمار الأخير في نعش الفرح، فحل الدمار والموت والنزوح والبحث عن مصادر عيش الآلاف ممن هجروا من بيوتهم وأراضيهم وأعمالهم". وأكد أن "المغتربين كانوا من أكثر الغائبين خلال الموسم السياحي الأخير، ربما أتى بعضهم لزيارة عائلاتهم وأهلهم، لكنهم سرعان ما غادروا. ففي السابق كانت الأفراح تقوم بقدومهم، إذ يختارون المنتجعات الكبيرة والصالات الضخمة ويدعون إليها مئات الأقارب والجيران والأصدقاء، وكان ما ينفقونه على الأعراس والأفراح تعيش منه عائلات كثيرة من عمال ومديرين ومصورين وفرق زفة ومشاتل الأزهار وباعة على أنواعهم، أين المغتربون اليوم؟ وأين أعراسهم؟". وأشار غلمية إلى أن "عشرات المتنزهات وصالات الأفراح في صور ومنطقتها تعيش المعاناة عينها، فلا رواد أعراس كما في السابق، وانتقلت الأفراح من عرس كبير ومدعويين كثر إلى حفل عشاء متواضع، في أقصاه ربما يصل إلى نحو 100 مدعو أو أكثر بقليل، لقد حل الاقتصاد بدلاً من البذخ وتراجعت الجودة إلى حد أعراس صورية، ولا اهتمام بالزينة وفرق الغناء والعزف وأنواع الطعام، بل إجراء الزفاف بمن يحضر".
الناس رهائن الحرب
ولم ينفِ غلمية "قيام عدد من الأعراس هنا وهناك، لكن بما لا يقاس مع السابق قبل الحرب، بعدما بات الناس رهينة الأوضاع الأمنية والحرب، والقصف والاغتيالات والتهديدات كلها تؤثر في قيام الأفراح، أو استعداد الناس للاحتفال، وخوفهم من الخروج إلى الفرح، والخوف من الذهاب أو العودة في أوقات متأخرة، ومن إنارة مصابيح سياراتهم وسط استهدافات متنقلة من مكان إلى مكان، بخاصة في مناطق جنوب نهر الليطاني. هذا ما يشعر به أبناء الجنوب، فكيف بالمدعوين من خارج المنطقة، من بيروت مثلاً؟"، وختم غلمية أن "حتى المطاعم في المواسم السياحية، روادها باتوا معدودين، ممن لديهم راحة مالية نوعاً ما، بسبب تراجع المصادر الاقتصادية وراحة أعصاب الناس، ممن باتت حياتهم تقتصر على الضروريات. وحتى لو خرج الناس من بيوتهم وقصدوا المطاعم والصالات، فالحديث السائد هو حديث الحرب والتهديدات المتواصلة، وخشية الناس من حرب جديدة وما يرافقها من نزوح وتدمير وخراب، وما يحصل على الطرقات العامة من استهدافات واغتيالات ونجاة كثرٍ من العابرين بأعجوبة، وهناك من ينام بتقطع لمتابعة آخر المستجدات التي ربما تحمل معها تحذيراً لسكان هذا المبنى أو ذلك بالمغادرة قبل تدميره. الفرح يحتاج إلى راحة بال وأعصاب مرتاحة، مما ينعكس على كثير من الأمور الحياتية كالسياحة وتبديل السيارات وشراء الثياب وغيرها".

قال مدير إحدى الاستراحات في صور: تراجعت الأعراس إلى ما بين 5 أو 6 في المئة عما كانت عليه قبل الحرب (اندبندنت عربية)

أفراح في زمن الحرب بجنوب لبنان

الخيام | khiyam.com
تعليقات: