مي عبدالله: الولايات المتحدة بين زعامة الفرد وسلطة النظام (2).. التحالفات تحت الاختبار

مي حسين عبدالله: حين تتحوّل القوة إلى معيار وحيد، فإنها تخلق تابعين مؤقتين، لا شركاء مستدامين
مي حسين عبدالله: حين تتحوّل القوة إلى معيار وحيد، فإنها تخلق تابعين مؤقتين، لا شركاء مستدامين


إذا كان المقال الأول قد تناول لحظة اختبار النظام الأميركي داخليًا، فإن هذا المقال ينتقل إلى الحلقة الأوسع: التحالفات، لا بوصفها شبكات دعم، بل بوصفها مرايا تعكس تحوّلات القوة نفسها.

فالتحالفات الدولية لا تنهار عادةً بضربة واحدة، بل تتآكل بصمت. تبدأ بالتردّد، ثم بإعادة التموضع، قبل أن يصل الشركاء إلى السؤال الأخطر: هل ما زالت قواعد اللعبة مشتركة؟

ما يلفت الانتباه في المرحلة الراهنة ليس انسحاب الحلفاء من المظلّة الأميركية، بل حذرهم المتزايد في التماهي معها. فالدول الأوروبية لا تعلن القطيعة مع الولايات المتحدة، لكنها تُظهر ميلًا متزايدًا إلى المطالبة بقدر أكبر من الوضوح في الالتزامات المتبادلة. ففي حلف شمال الأطلسي — بوصفه أحد أقدم نماذج التحالفات العسكرية المؤسسية — تقوم العلاقة بين الأعضاء على نصوص مكتوبة للدفاع الجماعي، أبرزها المادة الخامسة من معاهدة 1949. وقد شهد عام 2025 نقاشًا متجدّدًا حول إنفاق الدفاع وتفسير هذه الالتزامات، وهو نقاش يمكن قراءته كمؤشر على سعي بعض الحلفاء الأوروبيين إلى إعادة ترسيخ القواعد المؤسسية المكتوبة، بدل الارتهان الكامل لمنطق القوة أو لتقلّبات القرار السياسي الأميركي. هذا السلوك لا يعكس ضعف التحالفات بقدر ما يكشف قلقًا بنيويًا من عدم القدرة على التنبؤ بالسلوك الأميركي.غير أنّ هذا القلق لا يرتبط فقط بتقلب القرارات أو حدّة الخطاب، بل بما هو أعمق من ذلك.

فهناك قراءات متزايدة تشير إلى أن واشنطن لم تعد تنظر إلى محيطها الجغرافي بوصفه مجال شراكات، بل بوصفه مجالًا سياديًا يجب ضبطه وإدارته.

هذا المنطق يعيد إلى الواجهة مفاهيم تاريخية في السياسة الأميركية، أبرزها عقيدة مونرو ولاحقتها التوسعية في مطلع القرن العشرين، حين جرى تحويل "منع التدخل الأجنبي" إلى حقّ أميركي في التدخل بذريعة الأمن والاستقرار.

ولمن لا يعرف هذه السياسة التاريخية التي أُطلق عليها Monroe Doctrine:

عقيدة مونرو هي مبدأ في السياسة الخارجية الأمريكية أعلنها الرئيس جيمس مونرو في رسالة إلى الكونغرس في 2 ديسمبر 1823، وتنصّ على أن أوروبا لا ينبغي أن تتدخل في شؤون نصف الكرة الغربي وأن أي محاولة لاستعمار أو فرض نفوذ فيها سيُنظر إليها كعدائية ضد الولايات المتحدة، بينما تتعهد واشنطن بعدم التدخل في شؤون أوروبا نفسها.

أيضًا طُوِّرت هذه العقيدة لاحقًا في أوائل القرن العشرين إلى ما يعرف بمُلحق روزفلت الذي فسّرها باعتبار أن الولايات المتحدة ترى لنفسها «حقًا» في التدخل لضمان النظام في المنطقة، مما مهّد لاحقًا لمظاهر هيمنة أوسع.

في هذا السياق، لا تعود التحالفات قائمة على الندية، بل على القبول بالاندراج داخل ما يُعرَّف كـ"المجال الحيوي الأميركي". وحين تُعاد صياغة الجغرافيا بهذا الشكل، يصبح موقع الحليف ملتبسًا: هل هو شريك في القرار، أم جزء من المجال؟ وهل الحماية المتبادلة تعني التشاور، أم الامتثال؟

من هنا يمكن فهم سبب الارتباك الصامت لدى بعض الحلفاء. فالمسألة لم تعد مرتبطة بملف واحد، كأوكرانيا أو فنزويلا أو التجارة، بل بتغيّر الإطار الذي تُدار ضمنه العلاقات نفسها. التحالف الذي يقوم على الخوف من الخروج من المظلّة لا ينتج تماسكًا، بل يؤجّل الانفصال.

التاريخ يعلّمنا أن التحالفات الأكثر صلابة هي تلك التي تقوم على وضوح القواعد لا على فائض القوة. أما حين تتحوّل القوة إلى معيار وحيد، فإنها تخلق تابعين مؤقتين، لا شركاء مستدامين. وعلى سبيل المثال حلف وارسو الذي تأسّس عام 1955 كتحالف مضاد للناتو بقيادة الاتحاد السوفيتي، لكن مع قواعد أقل شفافية وسيطرة مطلقة من القوة المركزية، ما جعله أقل استقرارًا وتفكك مع انهيار الاتحاد السوفيتي في 1991.

هذا المقال لا يعلن نهاية التحالفات، لكنه يضعها أمام اختبار تاريخي غير مسبوق. فحين تُدار العلاقات الدولية بمنطق المجال لا بمنطق الشراكة، وحين يتحوّل الحليف إلى طرف قَلِق من موقعه داخل المنظومة، يبدأ الفراغ بالظهور، ولو لم يُعلَن بعد.

والفراغ في السياسة الدولية لا يبقى فراغًا طويلًا.

السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس هل تصمد التحالفات بل من يملأ الفراغ إذا تصدّعت؟

من يمتلك القدرة، أو الاستعداد، أو الشرعية الأخلاقية ليس فقط لملء الفراغ، بل لصياغة قواعد جديدة تتجاوز المنطق القديم للتحالفات؟

والإجابة على هذا السؤال ستكون موضوع المقال القادم.

مي حسين عبدالله

إقرأ أيضاً للكاتبة مي حسين عبدالله: الولايات المتحدة بين زعامة الفرد وسلطة النظام (1)

#العلاقات_الدولية #تحليل_سياسي #التحالفات #النظام_الدولي #زعامة_الفرد #سلطة_النظام #عقيدة_مونرو #مي_حسين_عبدالله

تعليقات: