ذهب لبنان: قصة رجل دولة


بينما كانت رياح التغيير تعصف بالاقتصاد العالمي في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كان هناك رجل في لبنان ينظر إلى ما وراء الأفق بمزيج من الحكمة والتحوّط. إلياس سركيس، الذي تولى حاكمية مصرف لبنان قبل أن يصبح رئيساً للجمهورية، لم يكن يبني مجرد احتياطي مالي، بل كان يحصّن وطناً ضد غدر الزمان.

رؤية سركيس في قلب الأزمة العالمية

في بداية السبعينيات، وتحديداً عام 1971، شهد العالم زلزالاً اقتصادياً عُرف بـ «صدمة نيكسون»، عندما أوقفت الولايات المتحدة فجأة تحويل الدولار إلى ذهب، مما أدى إلى انهيار نظام «بريتون وودز» الذي كان يحكم استقرار العملات.

في خضم هذا الارتباك الدولي، كان إلياس سركيس قد استبق العاصفة. وبقرار تاريخي، اشترى الملايين من أونصات الذهب بسعر لم يتجاوز 35 دولاراً للأونصة (السعر الرسمي آنذاك). وبفضل هذه الرؤية الثاقبة، لم يقع لبنان ضحية لتقلبات العملات الورقية، بل حجز مقعده بين كبار مالكي المعدن الأصفر في العالم بامتلاكه إجمالي 286.8 طناً، أي حوالي 9,222,437 أونصة.

أين خُبّئ ذهب لبنان؟

لضمان الحماية القصوى والتنوع الجغرافي، يتوزع الذهب اللبناني في مكانين أساسيين:

- خزائن مصرف لبنان (بيروت): يُحفظ الجزء الأكبر من السبائك والعملات الذهبية التاريخية (مثل الليرات الذهب والمارك الألماني) في خزائن سرية ومحصنة تحت مبنى المصرف المركزي في بيروت.

- قلعة «فورت نوكس» (الولايات المتحدة): يحتفظ لبنان بجزء من احتياطيه (نحو الثلث) في خزائن الاحتياطي الفيدرالي الأميركي. وهذا التوزيع هو إجراء عالمي متبع لتسهيل العمليات المتبادلة في الأسواق الدولية ولضمان الأمان في حال وقوع اضطرابات محلية.

الحماية بالقانون والقيمة اليوم

لحماية هذا الكنز من الضياع أو التبديد وسط الحروب، صدر عام 1986 القانون رقم 42، الذي منع منعاً باتاً التصرف بالذهب (بيعاً أو رهناً) إلا بموافقة صريحة من البرلمان.

اليوم، ومع مطلع عام 2026، تحوّل ذلك الاستثمار الذي كلف لبنان بضع مئات الملايين من الدولارات إلى ثروة أسطورية. فمع وصول أسعار الذهب إلى مستويات تاريخية (تتجاوز 4400 دولار للأونصة)، تُقدر قيمة الذهب اللبناني حالياً بحوالي 40 مليار دولار. هذه الثروة تضع لبنان في المرتبة الثانية عربياً والـ 20 عالمياً، وتمثل اليوم أكثر من 140% من ناتجه المحلي، لتكون «المظلة الأخيرة» وصمام الأمان للاقتصاد الوطني.

يبقى ذهب إلياس سركيس أكثر من مجرد سبائك صامتة في الخزائن؛ إنه شهادة حية على زمن «رجال الدولة» الذين فكروا في الأجيال القادمة قبل أن يفكروا في اللحظة الراهنة. اليوم، وبينما يمر لبنان بأقسى أزماته، يظل هذا الذهب هو الأمل والضمانة، والدرس الأهم في كيفية حماية سيادة الأوطان عبر حماية ثرواتها.

* المصدر: 3akselseir.com

تعليقات: