
من بلدة الخيام، الحاج حسين سويد وسائر مربو الماشية يتحلون بالشجاعة والإيمان، رغم أنهم متروكون لمواجهة مصيرهم وحدهم، متمسكون بأرضهم وقطعانهم كآخر خط دفاع عن مورد عيشهم
لم تسلم تربية المواشي والدواجن في الجنوب اللبناني من تداعيات الحرب الأخيرة، التي حوّلت المهن الريفية البسيطة إلى معركة يومية من أجل تأمين لقمة العيش والحفاظ على مصادر الرزق. فآلاف العائلات، التي اعتادت لسنوات طويلة الاعتماد على الثروة الحيوانية كمورد دخل مباشر، تواجه اليوم واقعاً مضطرباً، في ظل الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على قراها الجنوبية وما خلّفته من خسائر جسيمة في القطعان والإنتاج.
وبالتوازي مع محاولات التعافي، يبرز تحدٍّ إضافي يتمثّل في تراجع الإنتاج وصعوبة تصريف المنتجات، نتيجة انخفاض أعداد الحيوانات، وتقلّص عدد السكان، وتراجع القدرة الشرائية في المناطق الجنوبية. ومع ذلك، يواصل المزارعون ممارسة مهنتهم بحذر وإمكانات محدودة، لا سعيًا إلى الربح أو التوسّع، بل حفاظًا على مورد رزق حيوي بات مهددًا، في ظل غياب التعويضات، وضعف الدعم، واستمرار حالة عدم الاستقرار.
خسارة بالجملة
في ظل هذا الواقع، وبين الخسائر الفادحة التي لحقت ببلدة ميس الجبل، الواقعة على مسافة تقارب كيلومترًا واحدًا من الحدود مع فلسطين المحتلة، والتي شهدت دمارًا شبه كامل في المنازل والبنى التحتية، تبرز تجربة المزارع محمد الحاج، أحد أبناء البلدة، كنموذج حي للتحديات التي تواجه قطاع تربية المواشي والدواجن في الجنوب.
محمد، الذي يعتمد على مزرعته للدواجن والمواشي كمصدر رئيسي لدخله ورأسماله الإنتاجي، روى لـ"المدن" أنه، عقب انتهاء حرب الـ66 يوماً وأثناء عودته إلى مسقط رأسه، وجد مزرعته قد تكبّدت تعرّضت لجسيمة نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية المباشرة، حيث خسر نحو 200 دجاجة، وأكثر من 150 رأساً من الماعز، ونحو 30 رأساً من الأبقار، وهو ما أدى إلى تقلّص إنتاجه اليومي وتراجع حجم المبيعات بشكل كبير.
واعرب محمد عن خشيته الدائمة على قطيعه من ويلات القصف والهلاك، مؤكداً أنه يمثّل رأسماله الوحيد ومصدر رزقه اليومي له ولعائلته، مضيفاً أن تجربة الحرب الأخيرة، حين اضطر إلى مغادرة المزرعة وترك قطيعه خلفه، كشفت له حجم المخاطر التي يواجهها، لذلك يفضل البقاء في أرضه على خيار النزوح.
ويشرح محمد أن خسارة القطيع بالكامل شكّلت عبئاً مالياً كبيراً، ما اضطره إلى إعادة بناء مزرعته بشراء عدد محدود من المواشي والدواجن، لا يتجاوز 60 رأساً، على نفقته الخاصة، ويعزو ذلك إلى جملة أسباب، تبدأ بسوء الوضع الاقتصادي ومحدودية السيولة المتوافرة لديه، ولا تنتهي عند غياب أي تعويض عن الخسائر السابقة، فضلًا عن مخاوفه الدائمة من احتمال اندلاع حرب جديدة أو تعرّض مزرعته لاستهداف إسرائيلي مفاجئ يهدد الإنتاج مجدداً.
القطيع.. وما أدراكم!
"قبل الحرب، كنت أحصل على دخل لا بأس من المزرعة"، يقول محمد، مشيرا ًإلى أنه كان ينتج يومياً نحو 6 أجرار من حليب الماعز والبقر، إلى جانب حوالي 120 بيضة، فضلًا عن بيع السماد الزراعي، وكان الطلب على منتجاته مرتفعاً إلى حدّ نفاد الكميات بسرعة، مع تصريف الفائض عبر تعاونية زراعية في بلدة عيترون المتخصصة في الألبان والأجبان.
أما اليوم، "فالوضع بات أصعب من قبل، الأعلاف غالية، الإنتاج قليل، والزبائن أقل، ولا أستطيع ترك المزرعة"، فقد تقلّصت الطاقة الإنتاجية بشكل حاد، ليقتصر الإنتاج اليومي على رطل أو رطلين من الحليب، فيما تراجع إنتاج البيض إلى أقل من 30 بيضة يومياً، كما يواجه محمد صعوبة كبيرة في تأمين أعلاف كافية للمواشي المتبقية، ويضطر إلى شرائها بأسعار مرتفعة جداً، في ظل عجزه عن رفع أسعار الحليب والبيض بما يتجاوز المستويات المتعارف عليها في السوق.
ويقول محمد "كل حيوان عندي بمثابة فرد من العيلة، وأي خسارة فيهم بتوجعني كأي شخص يخسر أحد أحبابه"، مشيراً إلى أن تفشّي مرض الحمى القلاعية أسهم في تراجع كبير في إنتاج الحليب، فيما أدّت المخاوف من العدوى إلى عزوف الزبائن عن الشراء، ما تسبب في تلف كميات كبيرة منه. وفي محاولة لتعويض ضعف الطلب المحلي، يسعى محمد إلى بيع الحليب والبيض في بلدات مجاورة مثل شقرا وبرعشيت والخرايب، إلا أن محدودية الإنتاج وتراجع عدد السكان يحدّان من الفاعلية السوقية ويرفعان كلفة التوزيع.
بين خوف الرعاة على قطعانهم، وخوف القطعان نفسها من قصف لا يميّز بين حجر وكائن حي، تتآكل تربية المواشي في الجنوب اللبناني بصمت. فالمسألة لم تعد مجرّد خسائر فردية، بل تهديد مباشر لقطاع يشكّل ركيزة من ركائز الأمن الغذائي والاقتصاد الريفي.
وفي ظل غياب التعويضات، وارتفاع كلفة الإنتاج، واستمرار القلق الأمني، يُترك الرعاة لمواجهة مصيرهم وحدهم، متمسكين بأرضهم وقطعانهم كآخر خط دفاع عن مورد عيشهم. فهل يُكتب لهذه المهنة الصمود في وجه الحرب والإهمال معاً، أم أن الخوف سيغلب، وتصبح المواشي ومعها الرعاة ضحية أخرى لحرب لا تنتهي

تربية المواشي باتت مهنة محفوفة بالمخاطر



الخيام | khiyam.com
تعليقات: