كامل جابر: أرض خضراء بلا حصاد.. هل يختفي المزارع من جنوب لبنان؟

تحولت الزراعة في العقود الماضية في جنوب لبنان من عنصر إنتاج أساس إلى اقتصاد مهمل (كامل جابر - اندبندنت عربية)
تحولت الزراعة في العقود الماضية في جنوب لبنان من عنصر إنتاج أساس إلى اقتصاد مهمل (كامل جابر - اندبندنت عربية)


على رغم المقومات الكبيرة التي تمتاز بها أرض الجنوب اللبناني، فإن القطاع الزراعي شهد تراجعاً كبيراً لأسباب عدة منها الإهمال والحروب

ملخص

على مدى عقود، كانت الزراعة في جنوب لبنان مصدر رزق رئيساً لآلاف العائلات، مستفيدة من أرض خصبة ومناخ ملائم وتنوع واسع في المحاصيل، غير أن هذا القطاع الحيوي شهد تراجعاً حاداً خلال العقود الماضية، بفعل الإهمال الرسمي، وغياب السياسات الزراعية، وتراكم الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية، مما حوله من عنصر إنتاج أساس إلى اقتصاد مهمل.

كثيراً ما شكلت الزراعة في جنوب لبنان ركيزة أساسية للاقتصاد المحلي، ومصدر رزق رئيساً لآلاف العائلات، فالأراضي الخصبة، والمناخ المعتدل، وتنوع المحاصيل، جعلت من الجنوب سلة غذائية طبيعية أقله لأبنائها، إلا أن هذا القطاع الحيوي شهد خلال العقود الأخيرة تراجعاً حاداً، حوله من عنصر إنتاج أساس إلى اقتصاد مهمل، يرزح تحت أعباء الإهمال الرسمي والحروب والأزمات المتراكمة.

يمتاز الجنوب اللبناني بتربة غنية ومياه جوفية ووفرة في الأمطار مقارنة بمناطق أخرى. تاريخياً، اشتهرت المنطقة بزراعة التبغ والزيتون والحمضيات والحبوب والخضراوات الموسمية، وكانت هذه الزراعات تشكل مورد دخل ثابت، وتؤمن نوعاً من الاكتفاء الذاتي الغذائي، إضافة إلى فرص عمل موسمية ودائمة.

وأدت الزراعة دوراً اجتماعياً وثقافياً، إذ ارتبطت بالأرض والهوية، وشكلت عامل صمود للسكان في وجه الاعتداءات والحروب المتكررة.

مشروع نهر الليطاني

يبقى "مشروع نهر الليطاني" في جنوب لبنان وهو من أكبر المشاريع الهادفة إلى تنمية النهر والاستفادة منه على مستويات عدة تشمل ري الأراضي الزراعية وتوليد الطاقة الكهرومائية، أكثر المواد تدريساً لتلامذة المدارس الرسمية والخاصة، وبخاصة في المرحلة المتوسطة، لما يمثله من طموحات تنموية كبيرة في لبنان كان يمكن أن تشكل تحولاً ذهبياً في تاريخ البلاد الإنمائي والزراعي.

بيد أن هذا المشروع الذي بدأ التخطيط له في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي ونفذت المراحل الأولى منه عام 1959 ببناء "سد القرعون" وإنشاء البحيرة التي تحمل اسم السد ومجموعة من الأنفاق، مادة تدريسية أكثر منها مشاريع تنموية وزراعية على الأرض، على رغم أنه كان يمكن أن يبدل حياة سكان جنوب لبنان وقسم من سكان البقاع (شرق لبنان) خصوصاً المزارعين الذين كانوا ولا يزالوا يشكلون النسبة الكبرى من أبناء القرى والعاملين فيها.

الزراعة في مهب المصالح

لقد واجهت هذا المشروع تحديات سياسية محلية وفنية، قبل أن يتأثر أخيراً بمشكلات بيئية على رأسها التلوث، وكذلك قبل أن يتحول نهر الليطاني نفسه إلى نقطة محورية في الصراع اللبناني مع إسرائيل، التي خاضت كثيراً من الحروب على لبنان وكان موضوع هذا النهر ومياهه حاضرين في طليعة المطالب الإسرائيلية بعد كل حرب أو عدوان لنيل حصة من خيراته الكثيرة.

هذه السياسات التي رمت بخرائط المشروع جانباً، جعلت المزارعين الجنوبيين يتمسكون بزراعات تقليدية، منها زراعات بعلية (لا تحتاج إلى عمليات ري دورية ومتابعة)، على نحو زراعة التبغ، التي على رغم عائداتها الكثيرة فإنها كانت ظالمة في ظل قوانين وأنظمة كانت تجير تعب المزارعين لمصلحة إدارة "حصر التبغ والتنباك اللبنانية" التي تعرف باسم "الريجي" وشركات الاحتكار الخارجية والمحلية.

واقع دفع بالمزارعين إلى الخروج بتظاهرات ضخمة لا سيما في مطلع عام 1973 التي جابهتها القوى الأمنية اللبنانية عند باب مؤسسة "الريجي" في مدينة النبطية الجنوبية، مما أدى إلى سقوط قتلى ومصابين كانوا في صفوف المطالبين بإنصاف مزارع التبغ وإيفاء تعبه.

أبقت مناطق محددة في جنوب لبنان على زراعة التبغ كمصدر أول لحياة أهلها المزارعين، ومنها قرى حدودية تقع عند الحافة الأمامية على نحو بلدات عيترون وعيتا الشعب ورميش ودبل وعين إبل في قضاء بنت جبيل، لكن هذه الزراعة تراجعت كثيراً منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي في مناطق مرجعيون والنبطية وحاصبيا وشرق صور، إذ لجأ أصحاب الأراضي الساحلية إلى زراعة الحمضيات والموز وانتشرت بساتين الزيتون في معظم المناطق الجنوبية، إضافة إلى زراعة الخضراوات في السهول وحقول القرى القريبة والأشجار المثمرة في الأودية والتلال.

مع تحول طبيعة ما يزرعه الجنوبيون، ظل المزارعون يعانون السياسات الحكومية المتعاقبة التي كانت تتيح الاستيراد من الخارج في وقت نضوج المواسم المحلية وتسمح بدخول البضائع الزراعية من دون ضرائب لتنافس الإنتاج المحلي وتضربه، ومن ثم تضع المزارع المحلي أمام خسائر جمة.

تراجع كبير للزراعة في الجنوب

على رغم المقومات الكبيرة التي تمتاز بها أرض الجنوب اللبناني، لكن القطاع الزراعي شهد تراجعاً كبيراً لأسباب عدة، لعل أبرزها غياب السياسات الزراعية، إذ تعاقبت الحكومات من دون وضع استراتيجية زراعية واضحة، مما أدى إلى ترك المزارعين لمصيرهم في مواجهة تقلبات السوق وارتفاع كلفة الإنتاج، من دون دعم فعلي أو حماية للمنتج المحلي.

إضافة إلى ارتفاع كلفة الإنتاج، إذ شهدت أسعار الأسمدة والمبيدات والمحروقات والبذور ارتفاعاً كبيراً، بخاصة بعد الأزمة الاقتصادية وانهيار العملة، مما جعل الزراعة غير مجدية اقتصادياً في كثير من الأحيان، ويضاف إلى ما سبق ضعف التسويق والتصريف، ومعه يعاني المزارعون صعوبة تصريف محاصيلهم، في ظل غياب أسواق منظمة، واحتكار الوسطاء، وفتح باب الاستيراد من دون ضوابط، مما يضرب الأسعار المحلية ويكبد المنتجين خسائر فادحة.

وأخيراً الأضرار الناتجة من الحروب والاعتداءات الإسرائيلية، التي بسببها تعرض الجنوب مراراً للقصف والاعتداءات، مما أدى إلى تدمير مساحات زراعية واسعة وتلوث التربة ونفوق المواشي، من دون تعويضات عادلة أو خطط إعادة تأهيل مستدامة.

الزراعة ضحية الحروب الإسرائيلية

كانت الحروب الإسرائيلية المتكررة واحتلالها مساحات واسعة للمناطق الجنوبية الحدودية بين عام 1976 ثم اجتياح 1978 واجتياح 1982 وصولاً إلى تاريخ الانسحاب الإسرائيلي من هذه المناطق في مايو (أيار) عام 2000، تضرب المزارع الجنوبي بين المناطق اللبنانية المحتلة أو المحررة في الصميم، فتهجره تارة وتحرق مواسمه تارة أخرى أو تجرف أراضيه الزراعية أو تمنع وصوله إلى الأراضي القريبة من الحدود.

ناهيك بفتحها أبواب العمل أمام المزارعين اللبنانيين في السهول الإسرائيلية في إبان فترة الاحتلال المباشر، التي دامت نحو ربع قرن وبأجور تدفع بالدولار الأميركي، مما جعل السهول الجنوبية الحدودية تتحول إلى أراضي بور، وفيها هجر المزارعون الزراعات المحلية وحقولهم.

بعدها شهدت المناطق الجنوبية الحدودية ازدهاراً زراعياً في أعقاب الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 وعلى مدى أكثر من عقدين متتاليين، تمثل بعودة الحياة إلى السهول الزراعية وظهور زراعات بديلة على نحو زراعة البطيخ والشمام والخضراوات والأشجار المثمرة على أنواعها.

ثم أتت الحرب الأخيرة بين مطلع أكتوبر (تشرين الأول) 2023 وما تلاها من فصول صعبة وحرب لم تنته حتى اليوم، لتضرب الزراعة الجنوبية في الصميم، بعدما هجرت إسرائيل أهالي أكثر من 23 قرية حدودية كانت تشكل الزراعة فيها مصدراً رئيساً لسكانها وجرفت البساتين والحقول الزراعية وأحرقت مساحات واسعة من الأشجار المثمرة والحرجية.

الخسائر الزراعية بعين "الفاو"

في محاولة لتقييم الأضرار الناتجة من الحرب الأخيرة، أطلقت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، بالتعاون مع وزارة الزراعة اللبنانية والمجلس الوطني للبحوث العلمية CNRS)) في أواسط أبريل (نيسان) 2025 تقييماً للخسائر ضمن إطار تأثير حالات الطوارئ والأزمات في المزارعين، خلال الفترة الممتدة من أكتوبر 2023 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، ويكشف التقييم أن القطاع الزراعي في لبنان تكبد أضراراً كبيرة تقدر بنحو 118 مليون دولار أميركي.

وتتركز المناطق الأكثر تضرراً في جنوب لبنان وسهل البقاع حيث تأثرت مختلف القطاعات الزراعية، بما في ذلك المحاصيل والثروة الحيوانية والغابات ومصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية. وبحسب منظمة "الفاو"، تبلغ حاجات القطاع الزراعي نحو 263 مليون دولار أميركي لإعادة التعمير والتعافي، منها 95 مليون دولار حددت كأولوية للفترة 2025/2026.

كذلك يكشف التقرير أن هناك حاجة ماسة إلى دعم فوري لاستئناف الأنشطة الزراعية وتربية المواشي وصيد الأسماك وتربية الأحياء المائية. وبالتوازي مع ذلك، يجب تركيز الجهود على استعادة الأصول الزراعية كإعادة زراعة المحاصيل الدائمة، وإعادة تكوين الثروة الحيوانية، وتأهيل المزارع والبنى التحتية الزراعية مثل البيوت البلاستيكية وأنظمة الري والآلات الزراعية.

وعلى المدى المتوسط، تشمل الأولويات تعزيز سلاسل القيمة الزراعية الأساسية وضمان الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية كمياه الري والطاقة المستخدمة في الزراعة والغابات ومصائد الأسماك.

تراجع في القطاع على مستوى لبنان

يشير المتخصص والباحث الاقتصادي كمال حمدان إلى أن "الزراعة الأساسية في لبنان تتمركز في مناطق البقاع (شرق) وسهله المعروف، سهل البقاع، ثم في عكار وبعض مناطق الشمال، لكنها في جنوب لبنان لم تشكل على مدى عهود طويلة مرتكزاً رئيساً لحياة أبناء الجنوب.

ويتابع "نسبة الزراعة على المستوى الوطني من الناتج المحلي قبل الانهيار المالي (2019) لم تكن أكثر من خمسة أو ستة في المئة وربما أقل. يقال إن مئات الألوف من المزارعين يعيشون من هذا القطاع، وهذا الأمر غير دقيق إذ يحتسب فيه المزارعون الصغار ممن يملكون حقولاً متواضعة، وبعض الموظفين والجنود والمعلمين ممن يعملون في أوقات فراغهم بهذا النطاق الزراعي".

ويؤكد الباحث حمدان مستنداً إلى التاريخ العلمي للنشاطات الاقتصادية والعاملين فيها، أن القوى العاملة التي تنشط في الزراعة لا تتجاوز نسبة ستة في المئة من مجموع العاملين في لبنان، ولا ننسى هنا تأثير اليد العاملة السورية في هذا القطاع، إذ إن العمال الزراعيين اللبنانيين باتوا شبه نادرين فيما المزارعون السوريون صاروا أساسيين في هذا القطاع وكذلك في قطاع البناء.

زراعة التبغ عبودية المزارع

يكشف المحلل حمدان أن "الجنوبيين انغمسوا قبل أواسط السبعينيات من القرن الماضي بزراعة التبغ، وكان الاتحاد الأوروبي كلفنا بدراسة استوجبت علينا البقاء أكثر من ثلاثة أشهر في بلدة قاعقعية الجسر في قضاء النبطية التي تقع عند الضفة الشمالية لنهر الليطاني، وخلصنا إلى استنتاج أن هذه الزراعة يمكن أن نطلق عليها تسمية ‘عبودية التبغ‘، لأن أبناء الجنوب التزموا بصورة كبيرة هذه الزراعة فكانت النتيجة أن نسبة قليلة منهم توجهت نحو المدن الكبرى والعاصمة بيروت أو نحو عالم الاغتراب وبخاصة أفريقيا للعمل وتغيير أنماط حياتهم وتطويرها".

ويضيف "نشأت زراعة التبغ منذ نحو 150 عاماً في جنوب لبنان وقليلاً في جبل لبنان نتيجة مصالح استعمارية كانت تحتاج إلى هذه المادة الخام في مصانعها في لبنان وإلى الخارج، وتحديداً في ذروة سيطرة الانتداب الفرنسي على لبنان وشركات التبغ التابعة له"، وينتقد السلطات اللبنانية حينها "لو أن القيادة السياسية اللبنانية كانت رشيدة لحررت الناس من عبودية العلاقة بالتبغ، حتى لو صححت أخيراً الأسعار، لكنها تبقى كمن يضحك على نفسه، فالدونم الزراعي الواحد في زراعة الأشجار أو الخضراوات أو الفاكهة يحتاج إلى 100 وحدة عمل بشري في العام الواحد، في المقابل يحتاج التبغ إلى 500 وحدة عمل، لذلك ثمة تفاوت كبير بالمقارنة، ومهما سعرت الريجي (إدارة حصر التبغ والتنباك في لبنان) الكيلوغرام الواحد من التبغ النظيف الصنف يبقى المزارع أكثر الخاسرين نظراً إلى حجم العمل البشري الكبير في الدونم الواحد".

ويوضح الباحث حمدان "صحيح أن التبغ هي زراعة تاريخية ومضنية، لكن باتت لها في لبنان وظيفة سياسية، ناهيك بأنها تسنتفذ الأسرة بأكملها من صغيرها إلى كبيرها وتؤثر في فرص إنتاج أخرى وقرارات عائلية مصيرية كالهجرة مثلاً إلى المدينة أو إلى الخارج".

ويذهب أبعد من ذلك قائلاً "إنها زراعة يجب تدميرها والعودة إلى المشروع السابق (مشروع الليطاني) لري الجنوب على مستوى 600 متر و800 متر المقرر منذ أكثر من 70 عاماً، لدعم الزراعات البديلة والتي تتجاوز 100 صنف من الزراعات الأخرى، ولو أن هذا المشروع نفذ كما كان مقرراً لكانت الزراعة غيرت مجرى حياة معظم سكان جنوب لبنان نحو الأفضل، لكن هذا المشروع بما تضمنه من دراسات علمية دقيقة بقي حبراً على ورق".

ويقول حمدان "أما اليوم، فالإسرائيليون قطعوا أوصال القرى وأحرقوا الحقول والبساتين والأحراج وصار أي جرار زراعي يتحرك في أي قرية حدودية أو حتى بعيدة من الحدود يعتبر سلاحاً إرهابياً يجب تدميره ولم يعد أي أساس للنشاط الزراعي، إسرائيل جرفت الأرزاق ومنعت الناس من الوصول إلى حقولها وبساتينها".

هجرة الجنوبيين فاقمت الوضع

يوضح المتخصص حمدان أن "هجرة الجنوبيين كانت عاملاً أساساً في إضعاف الزراعة فهي لم تختطف الموارد البشرية من الأرض وحسب، بل إن الأموال التي تصل منهم (من دول الاغتراب) تصرف النسبة الأعلى منها في تعمير القصور والدور والأبنية الشاهقة، ومن ثم بدل استثمار الأموال التي ترسل من الخارج في تحديث الزراعة وتطويرها راحت باتجاه البناء وزراعات لها قيمة رأسمالية برجوازية أكثر، وقدرتها تكمن في التصدير وليس في الاستهلاك المحلي، أما الزعامات السياسية المتعاقبة التي استثمرت في زراعة الصنف الواحد والزراعات البعلية المدعمة مثل التبغ فلم تفتح أفقاً لإجراء تغييرات كبيرة بحياة الناس والعملية المهنية".

ويستغرب حمدان "لا أعرف حتى الآن لماذا بقيت سهول صور وجوارها وقراها (حمضيات وأشجار مثمرة) الناجية الوحيدة من براثن التفتيت الإسرائيلي والاستثمار السياسي المحلي وزحف الأسمنت؟ يجب أن تحرس برموش العين بعدما فقدت عاصمة الجنوب صيدا هذا الامتياز وتحولت نحو الأبنية الشاهقة والمصالح التجارية التي تشبه بعضها بعضاً ونحو المدن الصناعية، إن السياسات الحكومية العامة في لبنان تتحمل مسؤولية تتجاوز الـ70 في المئة بمآل الزراعة في لبنان بعامة والجنوب بخاصة".

تداعيات خطرة لتراجع الزراعة

أدى تراجع الزراعة في الجنوب اللبناني إلى تداعيات خطرة، منها هجرة المزارعين، بخاصة الشباب، من القرى إلى المدن أو إلى الخارج، وتراجع الأمن الغذائي وزيادة الاعتماد على الاستيراد، وتفكك النسيج الاجتماعي المرتبط بالعمل الزراعي وكذلك تحول مساحات زراعية إلى أراض مهملة أو معدة للبناء العشوائي.

يقول المزارع محمد شيت من بلدة كفركلا (قضاء مرجعيون) المدمرة، ويعمل في سهول الوزاني القريبة "الجنوب قبل السبعينيات من القرن الماضي كانت الزراعة فيه هي الأكثر شيوعاً ومعظم الجنوبيين عاشوا من خيراتها، منهم من يزرع التبغ ومنهم من يزرع الخضراوات الموسمية إلى تربية المواشي والأبقار، وكانت تشكل لهم نوعاً من الاكتفاء الذاتي، هذه الزراعة تطورت كثيراً لاحقاً وانتقلنا إلى زراعة البساتين والبطيخ والشمام وغيرها... لكن ظل المزارع الجنوبي يفتقد دولته ووزارة الزراعة التي يجب أن تهتم لأمره، وليس أن تسمح وقت نضوج المواسم والإنتاج المحلي بدخول مواسم زراعية مستوردة إلى لبنان من الخارج".

وانتقد شيت "غياب المكاتب الزراعية التابعة للدولة ووزارة الزراعة عن رعاية المزارع بالتوجيه والدعم ومراقبة الإنتاج المحلي والعمل على تصدير خضراوات وفاكهة ذات مواصفات وجودة عالية إلى الخارج، وحتى إلى الأسواق المحلية، بدلاً من ترك المزارع وحده في اختيار البذور والشتول التي يمكن ألا تكون جيدة وأن يرش مزروعاته ويدعمها بأسمدة ومواد وأدوية ربما تكون ضارة أو غير مناسبة، وأن تقوم هي باستيراد البضاع والمواد التي يحتاج إليها المزارع أو تراقب الشركات التي تستورد البذور ومواد الدعم والرعاية والوقاية وأسعارها التي ترهق المزارع".

ويضيف المزارع شيت "المزارع الجنوبي اليوم لم يعد يمتلك أدنى إرادة لمتابعة عمله في الأرض، أنا واحد منهم، كنت أزرع 200 دونم (الدونم 1000 متر مربع) بطيخاً وشماماً وخضاراً، و1000 دونم قمح، و300 دونم بساتين مختلفة، اليوم لم أعد قادراً على متابعة 50 دونماً بعد أكثر من عامين ونيف من حرب إسرائيلية غير متوقفة، بيوتنا وقرانا دمرت بكاملها بعدما كنا قد لمسنا انتعاشاً ملحوظاً قبل أعوام، يجب أن تعود حماية الدولة إلى هذا القطاع بتشجيع المزارعين اللبنانيين بالعودة إلى الأرض ويمكن لعائلات كثيرة أن تعيش من هذا القطاع ".

ويردف "أنا زرعت سابقاً 500 دونم من البساتين، نجحت في عملي وأمنت إلى جانب الزراعة ثروة حيوانية جيدة إضافة إلى أكثر من 40 أو 50 عاملاً، جلهم من السوريين، لأن اللبنانيين لم تعد لديهم نية العمل في الأرض واتكلوا على الأحزاب في تلقي الرواتب أو المساعدات فتركوا الأراضي وجلسوا في بيوتهم ينتظرون الرواتب الشهرية، مع العلم أن هذا اللبناني عينه إذا ذهب إلى خارج البلاد يعمل من دون تردد".

ضحايا الفوضى والمافيات

وأوضح المزارع شيت "هناك أرباح بالدونم الواحد في الموسم الزراعي تفوق 300 دولار و400 و500 دولار وهناك بعض الزراعات يمكن أن تعطي حتى 700 دولار في الدونم الواحد والموسم الواحد، ويستطيع المزارع أن يزرع الدونم نفسه موسمين متتاليين في الأقل، هناك أرباح في دونم البندورة على سبيل المثال تتجاوز 500 و600 دولار إذا كان سعر الكيلوغرام الواحد نحو 40 ألف ليرة، هذا إذا لم يفتح باب الاستيراد لبضاعة من الخارج في غير أوانها ومن دون ضريبة فتضارب على الإنتاج المحلي وتقتله، فيدفع المزارع ثمن الخسارة"، ويتابع "نحن لسنا ضد استيراد منتجات زراعية، لكن ضمن الأطر الشرعية والضريبة اللازمة وشروط معينة، نحن ضحايا فوضى الدولة والمافيات الزراعية، جميع دول العالم تحمي مزارعيها وتؤمن لهم الضمانات اللازمة وتشجع الإنتاج الزراعي المحلي إلا في لبنان، كأن هناك مؤامرة على هذا القطاع".

ظل المزارعون يعانون السياسات الحكومية المتعاقبة التي كانت تتيح الاستيراد من الخارج (كامل جابر - اندبندنت عربية)
ظل المزارعون يعانون السياسات الحكومية المتعاقبة التي كانت تتيح الاستيراد من الخارج (كامل جابر - اندبندنت عربية)


رتل عسكري إسرائيلي في جنوب لبنان وخلفه حقول زراعية (ا ف ب)
رتل عسكري إسرائيلي في جنوب لبنان وخلفه حقول زراعية (ا ف ب)


هجرة الجنوبيين كانت عاملاً أساساً في إضعاف الزراعة (كامل جابر - اندبندنت عربية)
هجرة الجنوبيين كانت عاملاً أساساً في إضعاف الزراعة (كامل جابر - اندبندنت عربية)


تعليقات: