مي عبدالله: جلسات البرلمان وغياب القرار.. هل نعيش احتلالًا بلا خرائط؟

مي حسين عبدالله: هل يمكن الحديث عن احتلال من دون جيوش، وعن هيمنة من دون أعلام مرفوعة فوق المباني الرسمية؟
مي حسين عبدالله: هل يمكن الحديث عن احتلال من دون جيوش، وعن هيمنة من دون أعلام مرفوعة فوق المباني الرسمية؟


هل يمكن الحديث عن احتلال من دون جيوش، وعن هيمنة من دون أعلام مرفوعة فوق المباني الرسمية؟

في التجربة السياسية المعاصرة، لم يعد الاحتلال مرادفًا للسيطرة العسكرية المباشرة، بل بات يتجسّد في الاستيلاء على القرار السيادي، مع الإبقاء على شكل الدولة ومؤسساتها قائمًا. فالدولة قد تستمر ببرلمانها وحكومتها وانتخاباتها وخطابها الوطني، لكنها تفقد قدرتها الفعلية على تقرير مصيرها الاقتصادي والاجتماعي، فتغدو سيادتها ممثَّلة أكثر مما هي مُمارسة.

في هذا السياق، لا يعود معيار الاستقلال مرتبطًا بوجود السلطة الدستورية، بل بامتلاك أدوات القرار: السياسة المالية، والسياسة النقدية، والقدرة على تحديد الأولويات الاجتماعية بعيدًا عن الإملاءات الخارجية. وعندما تُنتزع هذه الأدوات من الداخل الوطني، تصبح الدولة قائمة في الشكل، مُدارة في المضمون، وتتحوّل مؤسساتها إلى واجهات إجرائية أكثر منها مراكز سيادة فعلية.

هذا المعنى يتجسّد اليوم بوضوح في مشهد مناقشات الموازنة العامة داخل مجلس النواب. إذ يبدو، ظاهريًا، أن البرلمان يمارس دوره الطبيعي في مساءلة الحكومة والمطالبة برفع الأجور والتعويضات وتحسين أوضاع الموظفين. غير أن تفكيك هذا المشهد سياسيًا يكشف مفارقة أعمق تتجاوز مضمون المطالب إلى سؤال الجهة التي تملك أصل القرار.

فالحكومة، مهما بدا عليها من قدرة شكلية على إعداد الموازنة وتعديل بنودها، لا تتحرّك ضمن فضاء سيادي مستقل، بل ضمن هامش ضيّق ترسم حدوده التزامات مالية ونقدية مفروضة من الخارج، سواء عبر شروط الجهات المانحة أو عبر المسارات التفاوضية مع المؤسسات الدولية. بذلك، تصبح أي زيادة في الأجور أو أي تصحيح مالي خاضعًا لمعادلة لا تُصاغ داخل البرلمان، بل خارج بنيته السياسية والاقتصادية.

ويتجلّى ذلك عمليًا في مسار التفاوض مع صندوق النقد الدولي، حيث جرى ربط أي تصحيح للأجور أو توسيع للإنفاق الاجتماعي بسقوف مالية تتعلّق بخفض العجز وضبط المالية العامة وإعادة هيكلة القطاع العام. وقد نصّ بيان صندوق النقد الدولي بشأن الاتفاق المبدئي مع لبنان (نيسان/أبريل 2022) على ضرورة أن يكون الإنفاق العام، بما فيه الأجور والتقديمات الاجتماعية، منسجمًا مع أهداف الاستقرار المالي. كما أشارت تقارير لوكالة «رويترز» عن مفاوضات لبنان مع الصندوق إلى أن الحكومة اللبنانية لا تستطيع إدخال زيادات جوهرية على الرواتب أو النفقات من دون الالتزام بشروط البرنامج الإصلاحي المتّفق عليه (Reuters, 2022–2024). وبذلك، لم يعد النقاش يدور حول ما يحتاجه المجتمع، بل حول ما تسمح به شروط التمويل.

ويؤكّد تقرير البنك الدولي حول الاقتصاد اللبناني (Lebanon Economic Monitor) أن أي توسيع للإنفاق الاجتماعي يجب أن يبقى ضمن إطار إصلاح مالي صارم يهدف إلى احتواء العجز والدين العام (World Bank, Lebanon Economic Monitor).

في هذا الإطار، تتحوّل المطالب البرلمانية إلى ضغط داخل حلقة مغلقة: نوّاب يطالبون حكومة لا تملك القرار النهائي، وحكومة تفاوض باسم دولة لم تعد تمسك بأدواتها المالية والنقدية كاملة. وهنا لا يعود السؤال متعلّقًا بعدالة المطالب الاجتماعية بقدر ما يصبح متعلّقًا بحدود الفعل السياسي نفسه.

فما جدوى مساءلة سلطة لا تتحكّم فعليًا بمفاتيح القرار؟

هذه المفارقة تعبّر عمليًا عمّا يمكن تسميته «الدولة المُدارة»: دولة تحافظ على مؤسساتها الدستورية ومظاهرها السيادية، لكنها تفقد في العمق قدرتها على اتخاذ القرار الاقتصادي والاجتماعي بمعزل عن إرادات خارجية. فلا يُرفع علم محتل فوق القصر الحكومي، ولا تُلغى الرموز الدستورية، لكن جوهر القرار يُعاد توطينه خارج المجال الوطني.

غير أن الهيمنة في الحالة اللبنانية لا يمكن اختزالها بجهة واحدة. فالواقع يكشف عن تعدّد أشكال الهيمنة وتصارعها على أرض الوطن: هيمنة مرتبطة بإيران وبالصراع مع إسرائيل والمنطقة، تؤثّر في قرار الحرب والسلم وموقع لبنان الإقليمي، وهيمنة مرتبطة بالولايات المتحدة على مستوى المال والنقد والاقتصاد تتحكّم بالموازنة والعملة والقروض والإصلاحات وشروط الإنقاذ. والهيمنة المرتبطة بالولايات المتحدة لا تقوم فقط على التحكم بالمال والنقد، بل ترتبط أيضًا باعتبارات استراتيجية تتصل بأمن إسرائيل ومحاصرة القوى التي تُعدّ تهديدًا له. وبذلك يصبح الضغط الاقتصادي أداة من أدوات إدارة الصراع الإقليمي، لا مجرّد سياسة مالية منفصلة عنه.

وبمعنى أدق، ثمّة من يمسك بسقف الأمن، وثمّة من يمسك بقاع الاقتصاد، فيما تُنتزع السيادة من الطرفين معًا.

ولا يمكن فهم موقع المقاومة في المعادلة اللبنانية بمعزل عن طبيعة الواقع الذي نشأت فيه. فلبنان عاش، ولا يزال، تحت تهديد دائم من العدو الإسرائيلي، في ظل عجز الدولة عن توفير حماية عسكرية رادعة، وغياب مظلة عربية أو دولية تضمن أمنه وسيادته. في هذا السياق، تشكّلت المقاومة بوصفها استجابة دفاعية من أبناء الأرض، واضطرت، بحكم منطق الصراع غير المتكافئ، إلى الارتباط بمحور إقليمي تقوده إيران، يوفّر لها الدعم السياسي والعسكري واللوجستي. وهو مسار لا يخرج عن نمط تاريخي عرفته معظم حركات المقاومة في العالم، التي احتاجت دائمًا إلى سند خارجي كي تصمد في مواجهة قوى متفوّقة عسكريًا، حين عجزت دولها أو تُركت وحيدة في مواجهة الاحتلال.

الدعم الخارجي، مهما كان مبرَّرًا بسياق الصراع، لا يكون بلا مقابل سياسي أو رمزي. فكما أن الولايات المتحدة تمارس هيمنتها عبر المال والمؤسسات، تمارس إيران نفوذها عبر رعاية قوى المقاومة وربطها بمحور إقليمي أوسع. وهو نفوذ لا يقتصر على البعد العسكري، بل يمتد إلى بعد رمزي وأدبي، يمنح الداعم موقعًا مرجعيًا في القرار وفي تعريف العدوّ والحليف. وبذلك، لا يعود الدعم فعل تضامن خالص، بل يدخل في منطق النفوذ، ولو بلغة المقاومة لا بلغة السيطرة.

ولا تكمن خطورة هذا الواقع في تعدّد الهيمنات بحدّ ذاته، بل في تلقّيه داخليًا. فكل فريق يرى الهيمنة التي تضرب موقعه، ويتجاهل الهيمنة التي تحميه أو يستفيد منها، فيتحوّل النقاش من سؤال سيادي جامع: كيف نستعيد القرار؟ إلى سؤال انقسامي: من هو العدوّ الأكبر؟ وهكذا تُعاد إنتاج الهيمنة داخليًا عبر الانقسام، ويُعطَّل أي إمكان لبناء سردية وطنية جامعة أو مشروع سيادي مشترك.

وفي ظل هذا النمط، لا يُلبّى من مطالب المجتمع إلا ما لا يهدّد توازنات الهيمنة القائمة، أيًّا تكن الجهة التي تمارسها. فتُمنح تحسينات محدودة لا تغيّر قواعد اللعبة، في إطار إدارة الأزمات لا حلّها، وضبط الفقر لا الخروج منه. أمّا كل مطلب يتجاوز تحسين الشروط المعيشية إلى تغيير بنية السياسات أو إنتاج استقلال فعلي في القرار، فيُقيَّد أو يُفرَّغ من مضمونه.

وكذلك الأمر في ما يتعلّق بالفساد، إذ لا يُحارَب بوصفه خللًا بنيويًا في نظام الحكم، بل يُستهدف حين يخرج عن السيطرة أو يضرّ بالمصالح أو يسيء إلى صورة القوى النافذة، ويُترك قائمًا حين يخدم شبكات الولاءات ويسهّل تمرير السياسات. فيُعامل بوصفه مشكلة إدارية، لا أزمة في بنية السلطة.

وتعيش الدول المُدارة، في ظل هذا الواقع، شكلًا من أشكال السلام، لكنه سلام هشّ ومشروط: استقرار يمنع الانهيار ولا يسمح بالنهوض، مرتبط بالتمويل وبالتوازنات الأمنية، لا بمشروع وطني تحوّلي.

في الحالة اللبنانية، لا يُطرح سؤال السيادة بوصفه شعارًا أخلاقيًا، بل بوصفه معادلة وجودية: إمّا القبول بالبقاء داخل توازنات الهيمنات المتصارعة مقابل حدٍّ أدنى من الاستقرار، وإمّا محاولة استعادة القرار الوطني بما يعنيه ذلك من أثمان وضغوط قد تفوق القدرة على الاحتمال في المدى القريب.

كما أن تفوّق هيمنة على أخرى لا يغيّر في جوهر الواقع. فالخطر ليس في الجهة التي تمسك بالقرار، بل في غياب القرار الوطني نفسه. وقد تتوهّم بعض الفئات، حين تستفيد من هيمنة معيّنة، بأنها باتت صاحبة السلطة، بينما هي في الواقع تدير موقعًا داخل منظومة هيمنة لا تملك الخروج منها.

لذلك، لا يُختزل السؤال في: من يهيمن؟

بل في: هل نملك شروط ألّا يهيمن أحد؟

في ظل هذا الواقع، حيث يبدو القرار الوطني معلّقًا بإرادات لا يملك لبنان القدرة على كسرها في المدى القريب، لا يعود دور البرلمان والحكومة هو ادّعاء السيادة ولا خوض معارك خطابية مع قوى تفوقه حجمًا وتأثيرًا، بل إدارة هذا القيد بأقلّ كلفة ممكنة على المجتمع.

يصبح دور البرلمان أن يكشف حدود القرار بدل أن يموّهها، وأن يحوّل النقاش من تبادل الاتهامات إلى حماية الفئات الأضعف داخل الشروط المفروضة، وأن يمنع تحويل الضغوط الخارجية إلى سياسات عقابية داخلية.

والمقصود بالفئات الأضعف هنا هم أصحاب الدخل المحدود، وموظفو القطاع العام، والعمّال، والمتقاعدون، وكل من لا يملك حماية سياسية أو مالية. كما يُقصد بمنع تحويل الضغوط الخارجية إلى سياسات عقابية داخلية ألّا تُترجَم شروط الخارج تلقائيًا إلى إجراءات تقشّف تُحمِّل هذه الفئات وحدها كلفة الأزمة، بدل توزيع الأعباء بعدالة.

وتغدو وظيفة الحكومة ليست استعادة القرار دفعة واحدة، بل التفاوض على هوامشه، وترتيب الأولويات الاجتماعية بعدالة، ومنع انهيار ما تبقّى من مؤسسات الدولة.

هكذا، لا تكون السياسة في هذه المرحلة سياسة تحرير ولا سياسة استسلام، بل سياسة تقليل الخسائر، وحماية المجتمع من أن يدفع وحده ثمن صراع لا يملك التحكم بمساره.

وعند هذا الحدّ، لا يُقاس معنى الدولة بقدرتها على كسر الهيمنات، بل بقدرتها على ألّا تتحوّل إلى أداة في يدها، وعلى أن تبقى مرجعية داخلية لشعبها ولو ضمن أضيق الهوامش الممكنة.

وهنا يُختبر معنى الدولة:

أهي جسر إنقاذ للمجتمع، أم مجرّد ممرّ تعبر فوقه الأزمات إلى الأضعف؟

----------

#الموازنة

#القرار_السيادي

#من_يحكم_لبنان

#صراع_الهيمنات

#السيادة_المؤجلة

#مي_حسين_عبدالله

تعليقات: