
يعرض الصديق الفنّان التشكيليّ اللبنانيّ - الفرنسيّ، الدكتور يوسف غزاوي أعماله الأكواريل خلال هذا الشهر (شهر كانون الأوّل 2025). وكانت هذه المعارض الثلاثة بمثابة مفاجأة لنا بعد غياب دام ثلاثة وثلاثين عامًا عن العرض في العاصمة الفرنسيّة، حيث كان آخر معرض له فيها عام 1992 في الفياب FIAP. أمّا المفاجأة الثانية، فتكمن في عددها؛ فإن تُقام ثلاثة معارض في آن واحد لفنان تشكيليّ لهو أمر مُلفت! إن دلّ هذا على شيء فعلى محبّة الباريسيّين لأعمال الفنّان وتقديرهم لها. ها هو الفنّان يُتحفنا بأعماله الجديدة في عاصمة الفنّ والجمال، في أمكنة اعتادت على المعارض الفنّيّة والحفلات الموسيقيّة وغيرها.. أعمال بمادّة الأكواريل تزيّن جدران هذه الأمكنة الجميلة.
ستّون عملًا توزّعت على هذه الأمكنة الثلاثة، وتفاوتت الأعداد من مكان لآخر، أبرزها معرضه الفرديّ في Nouvô cosmos . حملت الأعمال لنا وطنًا عابقًا بالتاريخ والحكايات والجمال.. والمعاناة؛ إنّه وطن الأرز.
المتجوّل بين الأعمال يزور هذا الوطن دون حضور جسديّ له هناك؛ هي زيارة روحيّة، نفسيّة، شاعريّة عبر أعمال تحمل عبق تقنيّة الأكواريل وشفافيّته وجماليّته التي لا تنافسه فيها تقنيّة أخرى بشاعريّتها وحضورها؛ فهذه المادّة اللونيّة تحتاج إلى مراس وخبرة فنّيّة أجادها الفنان غزاوي. تقنيّة تتطلّب حسّيّة اللمسة وعدم تكرارها. فالخطأ فيها ممنوع لاستحالة تصحيحه. نرى عناوين كثيرة: الأرز، هياكل بعلبك، آثار مدينة صور الجنوبيّة، بحر صيدا ومداخل أبنيّتها التراثيّة القديمة، الدبكة اللبنانيّة، جرن الكبّة، الرقص الشرقيّ، الأركيلة، المناظر الطبيعيّة وغيرها من العناوين التي تحمل عبق الوطن الذي يعشقه الفنّان، والذي ترك باريس وحياتها الصاخبة وفنّها وجمالاتها ليعيش في عاصمته الأولى بيروت، ويمارس فنّه هناك، ويقوم بالتدريس في جامعتها اللبنانيّة لنقل تجربته وخبرته الفنّيّة إلى طلابها الطموحين، الذين يحتاجهم الوطن لإنعاش الفنّ في وجه الحروب المتعدّدة التي ألمّت، وتلمّ به، حسب قول الفنّان.
تابعنا نشاطات الفنّان غزاوي عن كثب، هنا في باريس، قبل عودته إلى الوطن الأمّ لبنان، حيث فرنسا هي موطنه الثاني بعد حصوله على الجنسيّة الفرنسيّة. أقام العديد من المعارض الفرديّة في باريس (معرضه الفرديّ الأوّل كان في باريس عام 1987)، وشارك في عدد كبير من النشاطات الفنّيّة المختلفة أبرزها الاحتفال بالمئويّة الثانية للثورة الفرنسيّة، وحضور الفرنسيّة الأولى السيّدة “دانييل ميتران” افتتاح المعرض الجماعيّ الذي شارك به الفنان غزاوي حينها. ومشاركته بالاحتفال بالمئويّة الأولى لبناء برج “إيفل” عبر مشروع “ميرالدا” في ساحة التروكاديرو في وسط باريس، وحضور عدد هائل من الصحافة العالميّة لتغطية الحدث، ومشاركة عدد كبير من رؤساء دول العالم في افتتاح هذا المهرجان الفنّيّ في الساحة المذكورة. وشارك غزاوي أيضًا في مباراة “نجوم التصوير” في فرنسا عام 1989، وقد أُختير عمله مع أربعة أعمال أُخرى لفنانين فرنسيّين كأفضل أعمال من بين مئات الأعمال الأخرى لفنانين مشاركين في المباراة، وقد كتبت عنه صحيفة “لموند” الفرنسيّة، حينها، مقالًا في أحد أعدادها، ويذكر غزاوي لنا أنّ الناقد صاحب المقال قال له أنّ المرء لا يمكنه إزاحة النظر عن هذا العمل الساحر.. ناهيك من مزاولة الفنان لفنّ الفيتراي “الزجاج المعشّق” على مدى أربع سنوات في الكنائس والكاتدرائيّات والمؤسّسات الفرنسيّة. والمشاركة في تنفيذ إعلان دعائيّ للتلفزيون الفرنسيّ، وتنفيذ عمل لأحد أفلام السينما الفرنسيّة بعنوان “مدينة للبيع” Une ville à vendre. وكذلك تخصّصه في تقنيّة الموزاييك “الفسيفساء”، وغيرها من التخصصات التي حوّلته إلى فنّان متعدّد التقنيّات، إضافة إلى كونه باحثًا في الفنون التشكيليّة، فهو يحمل لقب دكتور في هذا المجال، وهو مؤسّس لما يُسمّى “تحليل دلالي سيمونتيكيّ في الفنّ التجريديّ” الذي حملته أطروحته للدكتوراه الفرنسيّة في علم الجمال وتقنيّات الفنّ.. وله مؤلّفات فنّيّة ومقالات دائمة في الصحافة اللبنانيّة والعربيّة.. والحديث في هذا الإطار يطول.. أمّا في لبنان، فله نشاطات كثيرة، وأحد عشر معرضًا فرديًّا، وتمثيل لبنان أربع مرّات في الخارج. عدا عن كونه أستاذًا محاضرًا في كلّيّة الفنون الجميلة في بيروت، ورئيس قسم سابق للفنون التشكيليّة، وله مؤلّفات عدّة في الفنون التشكيليّة، ومقالات كثيرة في الصحف والدوريّات اللبنانيّة والعربيّة..
نعود إلى معرضه الحاليّ؛ لقد عوّدنا الفنان في معارضه الباريسيّة، والتي تابعناها بمعظمها، أن يعرض تقنيات مختلفة كالزيت والأكريليك والباستيل والحبر الصينيّ والغواش والتركيب والتجميع والإلصاق والتجهيز؛ مروحة واسعة من التقنيات، يُضاف إليها الزجاج المعشّق والفسيفساء. أمّا هذه المرّة، فقد اقتصر معرضه على الأكواريل؛ يبرّر الفنان ذلك بسهولة نقل الأعمال من بيروت إلى باريس لخفّتها وحجمها الصغير. لقد أورد كلمة للمناسبة، نخنصر منها ما يـأتي: “.. يُمثّل هذا المعرض، كما تلاحظون، حكايات من بلد الأرز لبنان، بلدي الأوّل حيث وُلدتُ وترعرعتُ. تحمل اللوحات صور بعض الأماكن الأثريّة، بعلبك، صور، صيدا.. وحكايات وعادات وتقاليد وتراث وتاريخ ومناظر ذاك الوطن، منها ما امّحى، ومنها ما زال موجودًا على مضض، باستثناء جمالات الطبيعة التي تبقى ولا تزول. أعمال منفّذة بمادّة الأكواريل باستثناء عمل واحد بالباستيل، على مدى أكثر من عقد من السنين وصولًا إلى وقتنا الحالي.. مهما يكن من أمر الموضوع، المكان، الأشخاص ووسائل التعبير.. يبقى الفنّ دائمّا الحقيقة الوحيدة التي توحّدنا.. أشاد الفنان بفرنسا والفرنسيّين وحبّهم للفنّ وللبنان، وحبّ اللبنانيّين لفرنسا، بلدهم الأم، كما يصفونها؛ فلبنان وفرنسا يُمثّلان البطين الأيمن والبطين الأيسر للقلب الواحد.. ثمّ يُعرّج على ذكر الحرب الأخيرة في لبنان ليقول أنّه عانى كثيرًا مع عائلته وأبناء وطنه. قال أنّه واجه الخوف والقلق بالفنّ. تعرّض أكثر من مرّة للموت.. رسم ولوّن جزءًا من هذه الأعمال أثناء الحرب.. “كان الفنّ دواءً لي لداء الحرب. أنقذني الفنّ، فهو سلاحي الوحيد لأقاوم به موتي النفسيّ والروحيّ. خسرتُ جزءًا كبيرًا من أعمالي الفنّيّة؛ بسبب الحروب التي مرّت على لبنان أثناء وجودي فيه، وعلى مراحل عدّة.. أنا الآن في باريس، بينكم، لأستعيد بعضًا من وجودي ومن زادي الجماليّ المريح. أنقذني الفنّ، وأنقذني حبّي للحياة ولرؤية باريس من جديد لأُكحّل عيوني بما حفظته ذاكرتي. وأنقذني لبنان الوطن، المحبّ والجميل. هذا البلد، بلد الأرز، العصيّ على الموت، يظهر في هذه الأعمال التي تحمل تاريخه وجوهره وروحيّته ومصداقيّته..”.
لنذهب الآن في جولة مع الأعمال.. تبدأ في العاصمة بيروت، لنجلس في مقهى من مقاهيها الكثيرة، ونطلب الأركيلة، فيأتي النادل بلباسه الشرقيّ المحبّب وطربوشه الأحمر وشرواله الأسود المتدلّي، يحمل الأركيلة بتنبكها العجميّ الفارسيّ، ومنظرها المزخرف الجميل تسرّ النظر والرئتين. هنا نقف على أدراج مدينة بعلبك الأثريّة الخالدة، وننظر إلى روعة المكان بدهشة وإعجاب. في مكان آخر، نسير على حجارة الطريق الرومانيّ البحريّة، ونرى القنطرة بتفاصيلها وشموخها في أقدم مدن العالم “صور” الجنوبيّة. ثمّ نعرّج على صيدا القريبة منها، لنصطاد السمك في قارب يطفو على سطح بحرها الأزرق الهادئ العذبة أمواجه، وندخل بعدها إلى ممرّات أبنيتها التراثيّة القديمة المحاذية للبحر، ونبتاع بعضًا من الأعمال اليدويّة لبعض الحرفيّين. نتابع جولتنا على الأعمال، فنجلس بجانب صاج الخبز، نستنشق رائحة المرقوق الشهيّة العذبة. نسنظلّ تحت شجر الأرز المعمّر لنملأ رئتينا هواءً نقيًّا، صافيًا، منعشًا وسماويًّا. نشارك إيقاع الدبكة بعد أن تتعانق الأيدي فرحًا ورقصًا وأنغامًا شرقيّة. نتمايل مع الراقصة الشرقيّة بلباسها المزخرف اللامع المشعّ الذي يخفي القليل من مفاتن الجسد الساحر المتمايل من الرأس حتى أخمص القدمين. نلتقط إبريق الفخّار لنرويَ عطشًا بماء بارد لذيذ. ننتظر “الفراكة والكبّة” من جرن الكبّة الذي تتأوّه قطعة اللحم داخله من ضربات نسوة القرية الخبيرات، بعد أن يُضاف إليها البرغل وحوائجه. ننتقل إلى ساحة بلدة الخيام الجنوبيّة لنسلّم على القرويّين المعمّرين الجالسين صفّا واحدًا على مقعد طويل من الباطون بالكوفيّة والعقال. ننتظر حاملات الحليب الطازج لنرتشف الأبيض الطازج المنعش الموضوع في أوانٍ فخاريّة. نراقب نَسر جبل حرمون “جبل الشيخ” بكبريائه وألقه ونظراته الحادّة المتعالية ومنقاره الصلب. نتابع رحلتنا في ربوع هذا الوطن لنصعد إلى شوفه وجبله وسهله وقراه.. هنا يوجد باب قديم يُعلن عن منزل قديم هجره أصحابه، وهناك منازل أثريّة أخرى بقرميدها الأحمر وقناطرها وحجارتها الصخريّة المنحوتة بيد بنّائيها المهرة، ونوافذ بقالب شرقيّ زيّنت المنزل، وزاده جمالًا على جمال، تُريح النظر والنفس والسكنَ. تمرّ بجانبنا دجاجة مع صيصانها بجوقتهم ولهوهم المحبّب. يظهر شجر السنديان والبلّوط والعريشة أمام المنازل، والنسوة المحجّبات بزيّهنّ القرويّ، على سطح بين ترابيّ قديم، يُحضّرنَ المونة لادّخارها في المنازل. نجلس على كرسيّ قديم مصنوع من القشّ بيد حرفيّ ماهر.. نتابع رحلتنا لنكحّل عيوننا بجميلات لبنان يرتدين الأزياء الفلكلوريّة، ممّا زاد المشهد جمالًا على جمال. وهنا تطالعنا لوحة تحمل عنوان “مجد لبنان” حيث أيقونتا الغناء والطرب اللبنانيّ، الوجهان المحبّبان والمفضّلان لدى اللبنانيّين، ونعني بذلك السيّدة “فيروز”، والكبير “نصري شمس الدين” اللذان أطلّا عبر وجهيهما فقط، وقد وضع نصري طربوشًا أحمر وشاربين عُرف بهما في حفلاته ومسرحيّاته المختلفة. أمّا فيروز فقد أطلّت علينا بمنديلها الأحمر الذي يُغطّي نصف الرأس ولباسًا فولكلوريًّا مزخرفًا يُحاكي عادات وتقاليد هذا الوطن التي يحنّ إليها اللبنانيّ. وجهان مواجهان لنا ببراءتهما وحبّهما ونظراتهما التي تخترق القلب، والموزّعة بين المباشر والبعيد.. وهناك أيضًا وجه “الصبّوحة”، الباسم كعادته، وقد ارتدت، بدورها، زيًّا فولكلوريّا ملوكياً. وهناك أيضًا أعمال تُظهر نساء لبنان الجميلات بأزياءهنّ الفولوكلوريّة المنوّعة والمُلفتة..
ما ينغّص علينا “كزدورتنا” ورحلتنا في هذا الوطن الجميل هو رؤية المهجّرين في الحروب التي يعرفها بلد الأرز من حين لآخر، يمرّون تائهين مشرّدين، ما يبعث على القلق والقهر واضمحلال كلّ ما عشناه من جمالات في هذا الوطن.. إنّها مفارقة غريبة عجيبة في هذا البلد الصغير الفاتن. “ومن الحبّ ما قتل”.. الهجرة جزء من أوطاننا في تلك المنطقة. تحوّلت بدورها إلى تراث.. هي الحروب المستمرّة، والتي لا حدود ولا زمن لها في وطن الجمال والتعايش.
في كلمة له حول الأعمال، ذكر غزاوي الظروف التي عايشها، ويعيشها لبنان، وكيف أنّ جزءًا كبيرًا من هذه الأعمال قد نُفِّذَت في أثناء الحرب الحاليّة التي مرّت، وتمرّ على لبنان، ولمّا تزل! هذه الحرب المأساة في بلد الأرز، العصيّ على الموتـ والذي تؤكّده هذه الأعمال. ذكر العلاقة الحميمة التي تجمع لبنان بفرنسا، ومحبّته للبلدين الجميلين.. الخ.
اكتنز الفنان في معرضه الحالي نضجه الفنّيّ. تقول إحدى الفرنسيّات عن معرضه الحاليّ إنّ طرحه التصويريّ والكتابيّ هو شرق أوسطي/ بلاد الشرق، يُشكّل جزءًا من شخصيّته، ومن وجهة نظر ثقافيّة هو شيء رائع، وقد نجح في ذلك..
نجد في الأعمال غنًى بصريًّا ولونيًّا؛ تظهر فيها خبرة غزاوي في التحكّم بالمساحة واللون والضربة والفراغات حيث يجب. تسمح تباينات اللون والشكل والرسم بإبراز العمق الروحيّ والنفسيّ للموضوع المصوّر والمرسوم. تتحوّل كلّ هذه الأشياء إلى لغة واحدة، لغة شرقيّة مضيئة فرِحة تنبع من إحساس كبير بالانتماء والخبرة والطاقة التصويريّة والمكانيّة. إيقاع الأعمال يمنح لها حضورًا حيًّا وديناميكيًّا. نحسّ أنّنا أمام مشهد سينمائيّ متحرّك، أمكن المشاهد من التفاعل مع اللوحة على المستويين البصريّ والنفسيّ. اللوحة فضاء حيّ مشحون بالطاقة والحبّ، تعكس العلاقة الحميمة للفنّان مع الأرض وما عليها، ومن عليها. أعمال واقعيّة مُشبعة بالموسيقى اللونيّة ومُطعّمة بتعبيريّة وانطباعيّة رسّختا الجانبين الدلاليّ والجماليّ فيها. تدعو الأعمالُ المشاهدَ أن يكون شريكًا في هذا الحوار البصريّ، متفاعلًا مع مُنتج حميميّ خاصّ، يقوم على جدليّة الرغبة والفقدان، الموت وإمكانيّة البعث، ويمنح أعماله ميّزة خاصّة.
لاقت الأعمال إعجاب الحضور وتنويهاتهم. تفاعلوا مع محتواها ومضمونها. يتّخذ المعرض شكل خطاب بصريّ معاصر يجمع بين التعبير والكلاسيك الحرّ والانطباعيّة والواقعيّة المتفلّتة والتجريد، بأسلوب فرديّ خاصّ ومُتقن. نرى في الأعمال لون الشرق ودفئه. نرى زرقة السماء والبحر والهواء. نرى الضوء الذي يشعّ نبوّةً ونورًا وجوديًّا. نرى الحبّ مغموسًا بألم المعاناة.. والألم.. إنّها حكايات تقول الكثير، وقد لا تقول شيئًا لمن لا يفقه سرّ الحياة ورونقها.. رافق الافتتاح حفلة موسيقيّة لعازفين لبنانيّين ومغنّية لبنانيّة، أضفيا على المعرض جوًّا لبنانيّا ساحرًا..
حكايات من بلد الأرز هديّة جميلة لمحبّي الفن والتاريخ وميتولوجيا الشعوب..
المصدر: مجلة البعد الخامس
الخيام | khiyam.com
تعليقات: