عندما يصبح الطلاق حفلاً سعيداً!

العلاقة الجنسية عنصر أساسي في استقرار العلاقة الزوجية وتعزيز الترابط بين الزوجين
العلاقة الجنسية عنصر أساسي في استقرار العلاقة الزوجية وتعزيز الترابط بين الزوجين


يُشكّل ارتفاع نسب الطلاق خطرًا متزايدًا على تماسك المجتمع واستقراره، لما يُخلّفه من آثارٍ اجتماعية ونفسية واقتصادية تطال الأسرة والأفراد معًا. ومع تراجع الاستقرار الأسري، تتصدّع إحدى الركائز الأساسية للبنية الاجتماعية، وهو ما يستدعي التوقف عند هذه الظاهرة وأسبابها وسبل معالجتها، خصوصًا في ظل التغيرات الاجتماعية الحالية. فقد أصبح الطلاق أمرًا عاديًّا، وفي بعض الحالات يُحتفى به تمامًا كالخطوبة أو عقد القران أو الولادة، ويتم التعامل معه وكأنه مناسبة سعيدة.

النسب والأرقام

شهد لبنان في السنوات الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات الطلاق. فقد سجّلت المحاكم8541 حالة طلاق عام 2023، مقارنة بـ 7646 حالة عام2019 . وتشير الإحصاءات إلى أن نسبة الطلاق من مجموع عقود الزواج ارتفعت في السنوات الأخيرة، وفقاً للبيانات الصادرة عن المديرية العامة للأحوال الشخصية، كما يظهر الجدول أدناه.

يظهر الجدول انخفاضًا واضحًا في عدد عقود الزواج منذ العام 2019. في المقابل ارتفع عدد حالات الطلاق بشكل ملحوظ حتى عام 2023، مع زيادة نسبة الطلاق من إجمالي الزواج إلى نحو 28%. وتُظهر أرقام عام 2024 انخفاضًا نسبيًا في حالات الطلاق، إلا أن ذلك قد يكون مرتبطًا بتأخر تسجيل الحالات أو بتراجع عدد الزيجات أساسًا.

استسهال الانفصال

تشهد المحاكم الشرعية في لبنان ارتفاعًا ملحوظًا في دعاوى الطلاق، لتصبح من أكثر الملفات تداولًا أمام القضاة الشرعيين، نتيجة عوامل اجتماعية واقتصادية ودينية أثّرت في استقرار الأسرة اللبنانية.

في هذا الإطار، يحذّر المساعد القضائي الشرعي في محكمة بيروت الشرعية الشيخ خالد يموت، من استسهال الانفصال الذي أصبح "قاعدة" بدل أن يكون "آخر الخيارات". ويشير لـ"المدن" إلى أن البنية الاجتماعية باتت في خطر حقيقي.

برأي يموت "إنّ تغيّر نمط الحياة الاجتماعية ساهم في ارتفاع حالات الطلاق، حيث كان الزوجان في الماضي أكثر صبرًا وتحمّلًا، فيما يميل اليوم كل طرف إلى الانفصال بسرعة عند أول خلاف".

عوامل عديدة تؤدي الى زيادة نسبة الطلاق، بحسب الشيخ يموت، منها التدهور الاقتصادي وصعوبة تلبية متطلبات الحياة وتدخّل الأقارب، ملاحظاً أن "الخيانة الافتراضية" التي نشهدها حديثاً وغياب الحوار بين الزوجين بسبب انتشار الهواتف والتطبيقات ساهم في تدهور العلاقة الزوجية. ويشدد على "أن الابتعاد عن القيم الدينية وضعف الوازع الإيماني يجعلان الطلاق خيارًا مطروحًا عند أول أزمة". وختم داعياً إلى إصلاح اجتماعي وتوجيه ديني مشترك وتعزيز ثقافة الحوار للحفاظ على الأسرة.

غياب الضوابط

من منظور الكنيسة، يقول القاضي في المحكمة الابتدائية المارونية الأب بطرس عرب: "لم تعد هناك ضوابط واضحة في العلاقة بين الرجل والمرأة، بل صار أي تفصيل بسيط يتحوّل إلى أزمة. ومع التطور التكنولوجي ووسائل التواصل الاجتماعي، ظهرت أفكار جديدة مثل انفصال الزوجين لفترة، بحجّة اختبار العلاقة أو التخلّص من الضغوط، وكأن الحرية الشخصية أصبحت بديلًا من الاستقرار الزوجي".

يحذّر الأب عرب من "سوء استخدام الوسائل الحديثة واستغلال الواقع الاجتماعي كونها يضران بالعائلة ويزيدان من الشعور بعدم الرضى، ما يفاقم الخلافات ويعرّض العلاقة الزوجية للمخاطر، حتى لو كانت المشاكل سطحية".

ويشدّد على أنّ "عدم قناعة الإنسان بما يعيشه، يؤثر في قناعاته على المستويات النفسية والروحية والمادية والاجتماعية، فتكثر الخلافات بين الزوجين وتتصدّع العلاقة بينهما، وقد تصل في نهاية المطاف إلى الطلاق".

أعمدة العلاقة الزوجية

تقوم أي علاقة زوجية على مجموعة من العوامل التي قد تختلف من علاقة إلى أخرى. من الناحية النفسية، توضّح الدكتورة ناديا شحرور، الأخصائية في علم النفس الاجتماعي، أن علاقة الزواج تقوم على ثلاثة أعمدة أساسية. العمود الأول هو "الحميمية"، أي الأساس العاطفي، ولا يُقصد بها القرب الجسدي فقط، بل القدرة على مشاركة المشاعر والأسرار مع الشريك. أما العمود الثاني فهو "الالتزام" (Commitment) بحقوق الزواج، والعمل على تطوير العائلة والحفاظ على العقد الزوجي وبناء أسرة مشتركة. في حين يشكّل العمود الثالث "العلاقة الجنسية"، عنصرًا أساسيًا في استقرار العلاقة الزوجية وتعزيز الترابط بين الزوجين، وأي خلل يصيب أحد هذه الأعمدة سيهدد استقرار العلاقة، ويؤدي إلى الانفصال.

احتفالات بالطلاق

مع التطور التكنولوجي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، ضعُف مفهوم "الالتزام" لدى بعض الأزواج، فلم يعد البعض ينفتح تمامًا على الشريك، بل يلجأ لإخفاء أمور أو إشباع حاجاته العاطفية خارج الزواج. وتشير شحرور إلى أن "الحب تغير مع هذه الوسائل، فأصبح يُقاس بالمظاهر والمقارنات، وهذا ما يزيد التوتر والخلاف ويرفع معدلات الطلاق.. فعلى سبيل المثال، قد تُقارن امرأة نفسها بأخريات عبر ما يُعرض على هذه المنصات، وتعتبر أن زوجها لا يحبها لأنه لم يقدّم لها ما قدّمه غيره، وهو ما يعكس تغيّر مفهوم الحب وتحويله إلى "مظهر" و"مبالغة"، فزاد معه التوتر والخلاف. لقد أصبح الطلاق أمراً مقبولاً وعاديّاً ولم يعد "مُعيباً" كما كان في السابق، تضيف شحرور، "لا بل أصبح في بعض الحالات يُحتفى به تماماً كالخطوبة أو عند عقد القران أو الولادة تماماً كما لو كان مناسبة سعيدة".

تغيّر الأدوار

مع تغيّر مفهوم الأمومة والأبوة وانشغال الطرفين في العمل، اختلفت الأدوار التقليدية داخل الأسرة، وهو ما زاد الخلافات الزوجية. من وجهة نظر الطب النفسي- الاجتماعي، ساهمت استقلالية المرأة في استسهال الطلاق، إذ أصبحت قادرة على تلبية احتياجاتها واحتياجات أولادها من دون الاعتماد الكامل على الزوج. أما نمط الحياة المعاصرة فأدت إلى تراجع الوظائف الأسرية التقليدية والأنشطة المشتركة، وهذا ما أضعف "التواصل الزوجي" وزاد معدلات الطلاق. من هنا تشدّد د. شحرور على "أهمية توطيد الأنشطة الأسرية المشتركة لتعزيز أعمدة العلاقة الثلاثة والحفاظ على استقرار الزواج وسعادة الطرفين".


تعليقات: