
نكبة أهل الجنوب الراهنة لا تزال خرساء صامتة (Getty)
في جنوب لبنان اليوم جيش من الشهداء، وجيش من النساء الأرامل، وجيش من الأولاد والأطفال والأيتام.
هذا ما قالته لنا امرأة جنوبية تجاوزت السبعين، نقلًا عن جارة لها من "نساء حزب الله" في أواسط الثلاثين من عمرها، وهي زوجة شهيد، وشقيقة شهيدين، وسواهم من أقاربها.
تقيم المرأتان في بلدتهما القريبة من البلدات الحدودية الجنوبية الأمامية المدمّرة تدميرًا شاملًا في القطاع الأوسط. منذ نحو سنة وشهرين عاد إلى البلدة، بالتدريج، معظم أهلها الذين هجّرهم منها جميعًا إقدامُ "حزب الله" على حرب "إسناده" غزة منذ 8 أكتوبر 2023.
ما قالته "امرأة حزب الله" يجسد -وفق جارتها التي ننقل شهادتها- الواقعَ المستجد ومأساته في حياتها، وحياة الجنوبيين على وجه العموم: لقد انقلب الزمن بغالبية أهل الجنوب من شعورهم الفائض بالقوة إلى الضعف والهوان. ذلك لأن "رجال حزب الله" صاروا إما شهداء، وإما مهزومين محطمين، بعد النكبة الكبرى الأخيرة.
حياة ما بعد النكبة
وجيش الشهداء في جنوب النكبة هذه، تعرضه ألوف صورهم المتماثلة في أشكالها وألوانها وتأطيرها وانتصابها على أعمدة حديد قصيرة. والمتماثلة أيضًا في اصطفافها الهندسي المنظّم على جنبات الشوارع في بلدات الجنوب التي عبرنا شوارعها وتجوّلنا في بعضها نهارًا كاملًا، متنقلين بين القطاعين الغربي والأوسط: برج رحال، جناتا، دير قانون، معروب، دردغيا، أرزون، باريش، شحور، دير كيفا، برج قلوية، خربة سلم، بئر السلاسل، السلطانية، تبنين، بيت ياحون، برعشيت، عيترون، كونين، بنت جبيل... وهذه بعض أسماء فاتنا تدوين سواها عبرنا فيها، وصولًا إلى بلدات حدودية أمامية مدمّرة تدميرًا شاملًا، ولا أثر فيها لعمران وحياة.
والعمران في بلدات الجنوب ازدهر بقوة، وصار متصلًا بلا انقطاع تقريبًا. وذلك بالتدريج، منذ تحرير الشريط الحدودي في العام 2000 من الاحتلال الإسرائيلي، وما بعد حرب تموز 2006. وقد انتشر العمران في ما كان جبل عامل. وهو ليس بجبل، بل مجموعة من الروابي قد تكون الأجمل بين جبال لبنان. رواب أليفة، متماوجة متهادية بتدرجها وتداخلها في مدىً بصري منسرح ومفتوح، وصولًا إلى جبل الشيخ بقممه العالية الجرداء شرقًا. أنه عمران بلدي محدث كله تقريبًا، ويندر فيه القدم الذي انزوى أو أُزيل في ما كان قرى متقشفة، وراح عمرانها الإسمنتي يزحف بقوة وفوضويًا في اتصاله وتمدده على الروابي الجميلة، متنوعًا في أشكاله وعمارته، وفق حيوية الجنوبيين، قدراتهم المادية وطبقاتهم التي تتميز، وتكثر قصور طبقة مهاجريهم في أفريقيا وأميركا، وسواهم من أهل السلطان المحلي في البلاد.
أما صور جيش الشهداء الجنوبيين، فتتكاثر اليوم وتتكاثف في شوارع البلدات، كلما ابتعدنا عن الساحل شرقًا وجنوبًا، واقتربنا من الحدودية الأمامية. وفي بعض البلدات التي تكاثر شهداؤها، نُصبتْ صور كل أربعة منهم على لافتة واحدة، لأن الشارع الرئيسي في وسط هذه البلدة أو تلك، لا يتسع لصورهم الكثيرة التي تشير إلى أنهم من مقاتلي "حزب الله".
وجيش الصور هذه، إلى جانب سلسلة الأخبار عن الحوادث اليومية الجنوبية وصورها، تقول إن أهل جنوب لبنان نُكبوا نكبة كبرى، بل أكبر نكباتهم التي لا مثيل لها في تاريخهم المعاصر، منذ ضم جبل عامل إلى الدولة اللبنانية الحديثة في العام 1920.
والأرجح أن من تغتالهم إسرائيل منذ توقف "حزب الله" عن حرب "إسناده" غزة، لا تُعلّق صورهم إلى جانب صفوف صور جيش الشهداء اللجب في البلدات. واغتيال رجالٍ جنوبيين بمسيرات إسرائيلية، شبه يومي تقريبًا. لكن الأخبار وأشرطة الفيديو التي تصوّر اغتيالهم في سياراتٍ تحترق على الطرق غالبًا، لا تذكر أيًا من أسمائهم فتظل، مثل أماكن تشييعهم ودفنهم، مجهولة أو بلا شواهد، سوى لأهلهم وأقاربهم. كأنما لم يعد مجديًا التعريف بهم وإشهار صورهم وأفعالهم في بلداتهم بعد النكبة.
طبعًا لكل من الجماعات اللبنانية نكبتها، بعد زهوها بأمجاد غلبتها جماعات أخرى. وهذا سابق ربما على انقياد اللبنانيين إلى حروبهم الأهلية- الإقليمية في أواسط سبعينات القرن العشرين. وهم سبقوا في انقيادهم إليها جماعات في بلدان عربية كثيرة. أما نكبة أهل الجنوب الراهنة فلا تزال خرساء صامتة، مكتومة ولم تعثر بعدُ على التعبير أو العبارة عنها في العلانية العامة. وجماعات البنانيين لم تعتد على مراجعة أفعالها، الاعتراف بنكباتها. وهي لو فعلت لكانت ربما عزفت عن العيش في التكرار المدمر والعقيم.
لكن الجنوب الذي يخال سامعُ أخباره ومشاهدُ صوره عن بعد أنه لا يزال مهجورًا خاليًا من أهله، يبدو للعابر في بلداته اليوم، غيره تمامًا في تلك الأخبار والصور. إنه مأهول واستعاد وجوهًا من دورة حياة يومية، فقدت نشاطها وحيويتها السابقين ما بعد نهضتي التحرير في العام 2000، وحرب تموز 2006 التي تضاعف بعدها الزهو بالنصر، والشعور بالطمأنينة، وتزايد النشاط والحيوية في العمران والأعمال وفي دورة الحياة اليومية المتنقلة أسبوعيًا بين ضاحية بيروت الجنوبية وبلدات الجنوب، حتى المتاخمة للخط الأزرق الحدودي.
نعم، لقد فقد الجنوبيون ذينك الزهو والنشاط الفائضين اللذين حسبوا أنهما دائمان، وغير قابلين للانحسار والانكسار والزوال. أما حين عادوا إلى بلداتهم بعد نكبتهم الكبرى الأخيرة، فعادوا إليها وباشروا فيها حياتهم مكسورين مهزومين، بلا صخب وبصمت واختناق تقريبًا.
النساء في صدارة المشهد
لقد أصابت الهزيمة، بانكسارها واختناقها، الرجال الجنوبيين، ليبدو كأنما النساء نجون منها. وهذا وفق شهادة المرأة التي تجاوزت السبعين، وعايشت حقب التحولات الجنوبية واللبنانية منذ الستينات. وهي قالت إن "التزلّف" -وهذه كلمة من قاموس قديم سمتُه اللطف في حكمه على مساوئ السلوك البشري وتعبيره عنها- أهلك أهل الجنوب، منذ عسكرت منظمات الفدائيين الفلسطينيين في ديارهم بعد "اتفاق القاهرة" في العام 1969. ثم انخرطت أجيالهم التي شبّت في بيروت وضواحيها في الأحزاب القومية واليسارية التي سلموها أمرهم وانقادوا إلى "تهورها" متحمسين. وما لبثوا أن ماشوا سياسات النظام السوري في لبنان. حتى صار اللبناني، إلى أي من الجماعات انتسب أو انتمى، يسلك ويتصرف وفق المثل العامي الشائع: "كل من يتزوج أمي يصير عمي"، وبه يستقوى به على سواه.
أما اليوم فيعيش جمهور واسع من اللبنانيين على مساعدات المهاجرين الذين ينجدون المقيمين أو يتصدقون عليهم. وتنتظر الحكومة والجماعات اللبنانية تدفق المساعدات العربية والدولية لتنقذهم من الإفلاس والعوز. وكأنما "التزلف" والانتظار وتحين الفرص، إضافة إلى التشاوف والبهورة والهوس بالمظاهر، صارت من سمات سلوك اللبنانيين الثابت والمقيم.
وعن النكبة الحالية التي يعيشها الجنوبيون، قالت المرأة إن الناس يكتمون ما في صدورهم من ضيق وأسئلة مريرة حارقة، ويخافون مصارحة أنفسهم بها وتداولها في ما بينهم، لئلا يشمتَ بهم الآخرون ويستضعفونهم. لكن كثرة من الرجال حملهم الإحباط والانكسار على الشكوى والتذمّر الخافتين أحيانًا: "ليش صار فينا هيك؟! مش ضروري كان يصير اللي صار"، يقول لسان حالهم اليوم. كأنهم انتبهوا لما حلَّ بهم وأصابهم وتركهم منهكين ومحطمين، وفي حال من الفراغ والخواء وانعدام معنى حياتهم، بعدما كانوا، قبل أن تنتهي الحرب الأخيرة، مزهوين بما حققته وتخيلته مقاومتهم منذ العام 2000، وبعد حرب تموز 2006.
لكن النساء الجنوبيات يعشن في المقابل -حسب شهادة المرأة نفسها- حالًا مختلفة تمامًا عن الرجال، وخصوصًا "نساء حزب الله" اللواتي يعتصر الألم والفقدان قلوبهن، إلى جانب امتلائها بالصبر وبقوة وشجاعة مضاعفتين على مواصلة طريق المقاومة التي اختطها رجال الحزب المقاوم، الذي لم يقصر عمله على تنظيم الرجال. فهو كان قد أدرج العائلة كلها في نشاطه التنظيمي والدعوي الرسالي، التكافلي والرعائي، الذي شمل الإسكان والتعليم والطبابة، وإعالة أسر الشهداء، وتنشئة الأطفال والأولاد تنشئة رسالية جديدة تهيئهم ليصيروا أخوة ومقاتلين في العمل الجهادي المقاوم. هكذا أنشأ "حزب الله"، منذ أواسط الثمانينات وحتى العام 2023، جيلين أو ثلاثة من المجاهدين الذين صنعوا بجهادهم قوته وزهوه بانتصاراته في الجنوب وفي الداخل اللبناني، ثم في "سوريا الأسد".
اليوم أصيبت هذه الآلة التنظيمية إصابة عميقة قد تكون عطّلتها، وأحبطت رجالها وحطمتهم، لكنها لم تحبط النساء وتحطمهن، بل دفعتهن إلى تصدّر مشهد جمهور "حزب الله" ونشاطه والحفاظ على تماسك بيئته، بعد أن كنَّ يشكّلن مع أولادهن وأطفالهن، "البنية التحتية للحزب". وتثابر الأمهات اليوم على تنظيم أبنائهن في أفواج ثلاثة، حسب السن: فوج للأطفال بين 6 سنوات و12 سنة. وآخر بين 12- 15 سنة. وثالث بين 15- 18 سنة. وتشكل المدارس وشبكات القرابة والتجاور السكني والبلديات، قاعدة هذا التنظيم في العمل الكشفي والتنشئة التربوية، اللذين يعدان جيلًا جديدًا يمد الحزب بدم جديد، ويتكفل بنهوضه مستقبلًا من نكبته الراهنة.
وذكرت المرأة في شهادتها مثالًا على صدارة النساء المشهد والنشاط في "حزب الله": منصات بعض بلديات القرى التي تتابعها على الإنترنت. فبعدما كانت هذه المنصات توجه دعواتها للرجال والنساء للمشاركة في مناسبات ونشاطات الحزب، صارت تقصر دعواتها على النساء من دون الرجال، الذين أدت النكبة الأخيرة إلى عزوف كثيرين منهم عن النشاط الحزبي، وعدم استجابة آخرين إلى الدعوات الموجّهة إليهم. وهكذا يتركز العمل والنشاط اليوم على فئة النساء لتنشئة جيل جديد من أبنائهن، بعدما أصبح رجال الأجيال الحزبية السابقة، إما مسنين وإما استشهدوا أو عطبوا في الحرب الأخيرة، وإما أحبطتهم وأصابتهم بالقنوط واليأس.
لا تشمل هذه الظاهرة "حزب الله" وحده. فهناك شهادات فلسطينية كثيرة تفيد أن النساء الفلسطينيات تصدرن العمل على إعادة ترميم ما حطمته إسرائيل من معنويات الانتفاضة الفلسطينية الثانية، "انتفاضة الأقصى" بين العامين 2000 و2004. فبعد اجتياح الجيش الإسرائيلي الضفة الغربية، واعتقاله الرجال فيها ما بين 16- 45 سنة، وإطلاق سراح معظمهم عقب تحطيم معنوياتهم، برزت النساء محورًا أساسيًا في الحياة العائلية والأسرية وفي تحمل مسؤولياتها المادية والمعنوية في تنشئة أبنائهن وإعالتهم. وذلك بعدما انزوى الرجال محبطين مكسورين، وخصوصًا حينما صار شطر كبير منهم عاطلًا عن العمل في أوقات طويلة جراء حصار إسرائيل الضفة الغربية ومنع الرجال عن العمل في الداخل الإسرائيلي.
الأرامل والأيتام
وروت "امرأة حزب الله" لجارتها صاحبة هذه الشهادة، أنها أصبحت بلا أي رجل في بيتها وفي عائلتها. "رجل يبدل اللمبة في حال انطفائها محترقة في غرفة من غرف منزلي هذا"، قالت ثم أضافت: "لو تزورينني في الخامسة مساء، لوجدتي صفًا من أرامل جالسات هنا في الصالون، متشحات بالسواد. وفي غرف البيت الداخلية تجدين كثرة من الأولاد الأيتام".
وأضافت: "عندما تهجّرنا من البلدة، كنا 32 امرأة. واستأجرنا لإقامتنا الموقتة مع أبنائنا الصغار بيوتًا متقاربة، وأقمنا فيها إقامة شبه مشتركة ببيروت طوال سنة في غياب رجالنا. ولما عدنا من التهجير إلى بلدتنا، لم تعد واحدة منا مع زوجها. لقد استشهد رجالنا كلهم في الحرب الأخيرة. نعم لدي شقيق واحد حي، لكنه يمكث في بيته قانطًا بلا عمل وبلا أي نشاط". وذكرت المرأة الراوية أنها قالت لجارتها ألا تدع أخاها يخرج من البيت، لئلا تقتله طائرة إسرائيلية مسيرة.
وروت المرأة في شهادتها أن صبية تزوجت في بدايات الحرب، قبيل تجاوزها الـ 19 من عمرها. كان عريسها مقاتلًا في "حزب الله" وفي الـ 24 من عمره، فاستشهد بعد شهور من زواجهما. كانت حاملًا وأنجبت طفلًا من زوجها الشهيد. وهي اليوم في حال خصام مرير مع أهل زوجها، لأنهم يريدون إرغامها إما على الزواج من شقيق الشهيد، وإما على التخلي عن طفلها لهم. وهذا على الرغم من أن شقيق الزوج الراحل لا يريد الزواج منها. فهو متزوج أصلًا ولديه أولاد من زوجته، فدب بينهما الشجار وبين الزوجين وأهلهما. وربما علينا أن ننتظر 4- 5 سنوات لتتفجر وتتفشى مشكلات مأسوية بين عائلات وأسر الشهداء.
وختمت المرأة شهادتها هذه بمشهد تشييع جماعي لـِ 119 من شهداء بلدتها الذين كانت جثامينهم "ودائع" في انتظار توقف الحرب للتمكن من دفنهم. ولما بدأ التشييع بهتافات "لبيك نصرالله" و"هيهات منا الذلة"، لاحظت المرأة أن نحو 75 في المئة من الرجال المشيعين وقفوا واجمين، فيما لم ترتفع رؤوسهم وأبصارهم وقبضاتهم إلى الأعلى. أما النساء فصرخت أصواتهن بالهتافات وارتفعت قبضاتهن ملوحة في الهواء، ومثلهن فعل الأولاد الحاضرون في المقبرة.
الخيام | khiyam.com
تعليقات: