مي عبدالله: هل كانت الصواريخ بداية التصعيد.. أم أن التصعيد كان قادمًا أصلًا؟


في لحظات التصعيد الكبرى، لا يكون السؤال الحقيقي متعلقًا بعدد الصواريخ أو حجم الضربات، بل بمعناها الاستراتيجي. وهذا هو السؤال الذي يفرض نفسه اليوم على المشهد اللبناني: هل بدأت المواجهة فعلًا بإطلاق الصواريخ من الجنوب، أم أن هذه الصواريخ جاءت في لحظة كان التصعيد فيها قيد التحضير؟

خلال أيام قليلة فقط، تحوّل المشهد بسرعة لافتة: رشقات صاروخية من جنوب لبنان، غارات إسرائيلية مكثفة على الجنوب والضاحية، تهديدات بإخلاء مناطق واسعة من الضاحية الجنوبية لبيروت، وموجة نزوح جديدة تعيد إلى الذاكرة مشاهد لم تبتعد كثيرًا عن الوجدان اللبناني.

لكن قراءة ما يجري اليوم لا تكتمل دون العودة إلى المرحلة التي سبقت هذا التصعيد.

فمنذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، كان يفترض أن تدخل الجبهة اللبنانية مرحلة تهدئة طويلة. إلا أن هذه الهدنة بقيت هشة، إذ أشارت تقارير إعلامية دولية إلى استمرار الضربات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية خلال تلك الفترة، مع تسجيل مئات الخروقات الجوية والعسكرية لاتفاق وقف النار.

(Reuters، وThe Guardian،تقارير حول الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف النار 2025–2026).

ورغم هذه الاعتداءات المتكررة، امتنعت المقاومة في لبنان عن الرد المباشر لما يقارب سنة وخمسة أشهر، تاركة المجال للدبلوماسية الدولية وللدولة اللبنانية كي تتولى معالجة هذه الخروقات وفرض احترام اتفاق وقف النار.

لكن مع مرور الوقت، بدا أن هذا المسار لم يحقق النتائج المرجوة. فالاعتداءات استمرت، فيما لم تتمكن الجهود الدبلوماسية من فرض التزام فعلي بوقف العمليات العسكرية.

وفي الوقت نفسه، اتخذت الدولة اللبنانية موقفًا واضحًا بعدم الانخراط في أي مواجهة عسكرية مباشرة. فقد صدرت مواقف رسمية تشير إلى أن الجيش اللبناني لا يمتلك القدرة على خوض مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، وأن أي اشتباك واسع قد يعرّض المؤسسة العسكرية لخطر كبير. لذلك فضّلت الدولة تجنب الاحتكاك العسكري المباشر، حتى في حالات التوغل المحدودة، وهو ما أُشير إليه خلال اجتماعات بين الحكومة اللبنانية وقيادة الجيش لبحث الوضع الحدودي.

(نقلًا عن تقارير إعلامية بينها Reuters وL’Orient-Le Jour حول اجتماعات الحكومة وقيادة الجيش، 2025–2026).

ففي القراءة الأولى، بدا إطلاق الصواريخ من الجنوب وكأنه إشارة محدودة ضمن منطق الرسائل المتبادلة في الحروب غير المتكافئة. لكن مع استمرار الرشقات واستهداف مواقع عسكرية ومنشآت مرتبطة بالصناعات العسكرية في شمال إسرائيل، بدت الصورة أقرب إلى استئناف الاشتباك وليس مجرد رسالة رمزية عابرة.

فالمقاومة الإسلامية في جنوب لبنان واصلت عملياتها الصاروخية واستهدفت مواقع عسكرية وتجمعات لقوات الجيش الإسرائيلي، كما أعلنت استهداف منشآت مرتبطة بالمجمع العسكري الإسرائيلي في الشمال. وفي الوقت نفسه، تصدت لمحاولات توغل بري في مناطق حدودية حساسة، من بينها محيط بلدة الخيام التي كانت تاريخيًا إحدى النقاط المفصلية في أي مواجهة على الحدود الجنوبية.

بهذا المعنى، لم يعد المشهد مجرد تبادل محدود للرسائل، بل عودة تدريجية إلى معادلة الاشتباك على الحدود، وإن بقيت حتى الآن ضمن سقف لا يشير إلى حرب شاملة.

لكن لفهم ما يجري، لا يكفي النظر إلى الصواريخ وحدها. فإسرائيل لم تتوقف عن اعتداءاتها حتى قبل هذه الجولة، بل نفذت ضربات متكررة في الجنوب، وتتعامل مع الجبهة الشمالية بوصفها ساحة ضغط مفتوحة.

ولم تكن فكرة الضربة الاستباقية غائبة عن التفكير الإسرائيلي في الأشهر الماضية. فقد صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت بأن إسرائيل قد تلجأ إلى "عمل عسكري استباقي" إذا تصاعد تهديد حزب الله (Reuters، تموز/يوليو 2024)، فيما أكد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في أكثر من خطاب أن إسرائيل "لن تنتظر حتى يتعاظم التهديد" على حدودها الشمالية (The Times of Israel، آب/أغسطس 2024). وفي هذا السياق كشفت تقارير إعلامية لاحقًا أن المجلس الوزاري الأمني كان يناقش بالفعل خيار تنفيذ ضربة استباقية قبل اندلاع الجولة الأخيرة من القتال (القناة 13 الإسرائيلية نقلًا عن Al-Akhbar English، 3 آذار/مارس 2026)

وهنا تظهر الفجوة بين منطقين مختلفين في قراءة الصراع: منطق المقاومة ومنطق الدولة الواقعية.

يقوم منطق المقاومة على اعتبار أن الصراع مع إسرائيل صراع طويل الأمد لا يمكن إدارته بمنطق الحرب التقليدية بين الدول، وأن العمليات العسكرية لا تُقاس دائمًا بقدرتها المباشرة على تغيير ميزان القوة، بل بقدرتها على إبقاء معادلة الردع قائمة ومنع الطرف الآخر من فرض واقع جديد بالقوة.

أما منطق الدولة الواقعية فيقيس القرارات العسكرية بمعيار مختلف: هل سيؤدي الفعل العسكري إلى تغيير ملموس في ميزان القوة؟ وإذا لم يغيّر هذا الميزان، فهل يستحق الثمن الذي قد يدفعه المجتمع؟

وهذه المفارقة لا تعكس فقط خلافًا سياسيًا داخل لبنان، بل تفتح سؤالًا أعمق يرافق هذا البلد منذ عقود: هل يمكن لدولة صغيرة بموارد محدودة أن تعتمد فقط على جيشها النظامي، ولا سيما إذا كان هذا الجيش محظورًا عليه امتلاك الأسلحة التي تمكّنه من التصدي لأي عدوان إسرائيلي؟ أم أن طبيعة حروب المنطقة تفرض نماذج دفاع مختلفة؟

في الحالة اللبنانية، يصبح هذا السؤال أكثر تعقيدًا. فإسرائيل غالبًا لا ترد على العمليات المحدودة بردود مماثلة، بل تلجأ إلى ضربات واسعة تطال البيئة المدنية والبنية التحتية، ما يجعل الفارق بين حجم الفعل وحجم الرد كبيرًا، وتصبح كلفة المواجهة واقعة أولًا على المجتمع.

لكن المشهد لا يقتصر على الجبهة اللبنانية وحدها. فالتصعيد يجري في سياق إقليمي أوسع، حيث تتعرض إسرائيل لضغوط عسكرية من أكثر من جبهة، سواء عبر الضربات الإيرانية المباشرة أو عبر ساحات أخرى في الإقليم. وفي هذا السياق، يصبح كل اشتباك محلي جزءًا من معادلة إقليمية متعددة الجبهات، تتداخل فيها الرسائل العسكرية مع الحسابات السياسية.

أما بالنسبة للمرحلة المقبلة، فالصورة تبقى مفتوحة على ثلاثة سيناريوهات رئيسية.

السيناريو الأول: تصعيد محدود يتبعه احتواء سياسي أو دبلوماسي يعيد الأمور إلى مستوى منخفض من الاشتباك، كما حدث في جولات سابقة، حيث تتدخل الضغوط الدولية لمنع الانزلاق إلى حرب واسعة.

السيناريو الثاني: محاولة إسرائيل فرض واقع أمني جديد في الجنوب عبر عمليات عسكرية محدودة أو توسيع منطقة الضغط قرب الحدود، في محاولة لتغيير قواعد الاشتباك تدريجيًا.

السيناريو الثالث: انزلاق غير مقصود نحو مواجهة أوسع نتيجة ضربة كبيرة أو خطأ في الحسابات بين الطرفين، وهو احتمال يبقى قائمًا في الحروب التي تقوم على الردود المتبادلة.

وبين هذه السيناريوهات، يبقى العامل الحاسم في النهاية هو قدرة الأطراف على ضبط إيقاع المواجهة ومنعها من التحول إلى حرب شاملة لا يريدها أحد في هذه المرحلة.

وبين هذه السيناريوهات، يبقى العامل الحاسم في النهاية هو قدرة الأطراف على ضبط إيقاع المواجهة ومنعها من التحول إلى حرب شاملة لا يريدها أحد في هذه المرحلة.

ومع ذلك، يبقى احتمال آخر يتردد كثيرًا في النقاشات حول هذه المواجهة: احتمال أن تحمل المرحلة المقبلة مفاجآت غير متوقعة في مسار الصراع. فالحروب في هذه المنطقة كثيرًا ما شهدت تحولات لم تكن محسوبة في بداياتها، كما حدث في محطات سابقة عندما جاءت بعض الردود العسكرية على خلاف ما توقعته القوى الكبرى.

الانقسام الداخلي :

ويظهر مشهد آخر وسط كل هذه الحسابات العسكرية والاستراتيجية، لا يقل أهمية وهو الانقسام الداخلي اللبناني.

فمع كل موجة نزوح جديدة من الجنوب أو من الضاحية، يزداد غضب شريحة من اللبنانيين الذين يعارضون خيار المقاومة ويرون أن لبنان يدفع ثمن صراع يتجاوز قدرته. هذا الغضب يظهر بوضوح على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تتصاعد عبارات الاتهام والغضب، وأحيانًا الشتم، تجاه بيئة المقاومة وخياراتها.

في المقابل، تبدو بيئة المقاومة متمسكة بخيارها رغم النزوح والدمار، معتبرة أن ما يحدث ليس إلا امتدادًا لصراع طويل لا يمكن الهروب منه بالحياد أو الصمت.

وهكذا لا ينقسم المشهد اللبناني فقط بين جبهتين عسكريتين على الحدود، بل أيضًا بين قراءتين مختلفتين لمعنى الصمود ومعنى الكلفة.

فبين من يرى في المقاومة ضرورة دفاعية في ظل استمرار الاعتداءات، ومن يراها عبئًا يفوق قدرة الدولة والمجتمع، يتعمق الشرخ الداخلي في لحظة كان اللبنانيون فيها أحوج ما يكونون إلى الحد الأدنى من التماسك.

وربما تكشف هذه اللحظة أكثر من أي وقت مضى أن معركة الجبهة الشمالية ليست فقط معركة عسكرية، بل أيضًا اختبار قاسٍ لقدرة المجتمع اللبناني على إدارة خلافاته الداخلية في زمن الحرب.

وبين حسابات الميدان وضغوط السياسة، تبقى الأسئلة الكبرى مفتوحة:

هل يمكن احتواء هذا التصعيد ضمن حدود الاشتباك المعروفة؟

أم أن المنطقة تقف مجددًا أمام مرحلة تعيد رسم معادلات لم تتضح ملامحها بعد؟

تعليقات: