د. خليل كاعين: الحرب على لبنان بين الصراع الدولي واختلال القرار الوطني

الدكتور خليل كاعين: لا يمكن قراءة ما يتعرض له لبنان اليوم بمعزل عن سلسلة الضربات التي أصابته خلال السنوات الأخيرة وفي مقدمتها الانهيار المالي الكارثي
الدكتور خليل كاعين: لا يمكن قراءة ما يتعرض له لبنان اليوم بمعزل عن سلسلة الضربات التي أصابته خلال السنوات الأخيرة وفي مقدمتها الانهيار المالي الكارثي


تتكرر في لبنان الدعوات التي تطالب السلطة والجيش اللبناني بالانتشار في المناطق الساخنة ومواجهة الاعتداءات الإسرائيلية التي تطال الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع ومناطق أخرى من البلاد. ومن البديهي أن يكون الجيش الوطني مسؤولًا عن حماية الوطن وصون سيادته، وأن تتكامل جهوده مع مؤسسات الدولة وسائر القوى المعنية ضمن إطار الشرعية اللبنانية.

غير أن ما يجري اليوم من حربٍ ضروس على لبنان لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للصراعات الإقليمية والدولية الدائرة في الشرق الأوسط. فهذه المنطقة، بما تختزنه من موارد طاقة هائلة وبما تتمتع به من موقع جغرافي استراتيجي، أصبحت منذ عقود ساحة تنافس حاد بين القوى الكبرى الساعية إلى الهيمنة على مقدراتها والتحكم بمساراتها السياسية والاقتصادية.

صراع الطاقة والجغرافيا السياسية

إن الحروب التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، كما في مناطق أخرى من العالم مثل فنزويلا وأوكرانيا، لا تنفصل في جوهرها عن الصراع على مصادر الطاقة والممرات الاستراتيجية. فالدول الصناعية الكبرى تسعى إلى ضمان السيطرة على النفط والغاز وعلى طرق نقلها، بما يحفظ تفوقها الاقتصادي والسياسي في النظام الدولي.

وفي هذا الإطار، تصبح الدول العربية، بما تحتويه أراضيها ومياهها من ثروات طبيعية هائلة، هدفًا دائمًا للأطماع الخارجية. كما أن الموقع الجغرافي لهذه الدول يجعلها عقدة أساسية في حركة التجارة والطاقة العالمية، الأمر الذي يزيد من أهميتها في الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى.

إن ما يجري في لبنان اليوم لا يمكن فصله عن الصراع الإقليمي الأوسع الدائر في المنطقة بين مشاريع النفوذ المتقابلة، حيث تتحول الساحة اللبنانية مرة أخرى إلى ساحة مواجهة غير مباشرة تدفع ثمنها الدولة والمجتمع معًا. وفي ظل الارتباط العضوي القائم بين حزب الله وإيران، يصبح لبنان بحكم الأمر الواقع جزءًا من معادلة الصراع بين إيران وإسرائيل، وهو ما يضع البلاد في قلب العاصفة كلما تصاعد التوتر بين الطرفين.

غير أن قراءة هذا المشهد لا تكتمل دون الإشارة إلى أن بعض القوى الدولية قد لا يكون من مصلحتها إسقاط النظام الإيراني بالكامل، بل إبقاؤه بعد تحجيمه، بحيث يستمر التوتر في المنطقة ضمن حدود يمكن التحكم بها، بما يسمح بإدارة الصراعات وإعادة ترتيب موازين القوى وفق المصالح الكبرى.

ولا يمكن قراءة ما يتعرض له لبنان اليوم بمعزل عن سلسلة الضربات التي أصابته خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها الانهيار المالي الكارثي، ثم الجرح الوطني العميق الذي خلّفه انفجار مرفأ بيروت. فقد ساهمت هذه الكوارث في إضعاف الدولة والمجتمع معا، وفتحت الباب أمام مزيد من التدخلات والصراعات التي تدار على أرض لبنان وعلى حساب شعبه.

وإلى جانب هذا الضعف الداخلي، يعيش اللبنانيون اليوم مأساة إنسانية متفاقمة نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة. فقد أُفرغت مناطق واسعة من سكانها، ولا سيما في جنوب الليطاني حيث نزح أكثر من مئة ألف مواطن توزّعوا في مختلف المناطق اللبنانية بعد أن تهدّم جزء كبير من منازلهم وايضا نزوح الاهالي بشكل مستمر من مناطق خارج نهر الليطاني تجاه المناطق الامتة في بيروت والشوف والشمال وعكار. كما أُفرغت الضاحية الجنوبية لبيروت إلى حدّ بعيد، حيث اضطر أكثر من نصف مليون من سكانها إلى مغادرة بيوتهم، وكثير منهم يعيشون اليوم في ظروف قاسية وفي أماكن لا تتوافر فيها مقومات الحياة الكريمة.

ولا تقتصر المأساة على النزوح الواسع، بل تترافق مع تهديدات متكررة تدفع السكان إلى إخلاء أحيائهم في مناطق مختلفة من لبنان، بما فيها بيروت ومحيطها، في ظل خوف دائم من اتساع رقعة الاستهداف. كما أن معظم المنازل في القرى والبلدات المتاخمة للحدود مع إسرائيل تعرّضت لدمار شبه كامل، فضلًا عمّا لحق بالأراضي الزراعية من حرائق وتلوث واسع، ما أدى إلى فقدان الكثير من العائلات لمصادر رزقها ومقومات العيش في تلك المناطق.

وايضا التهديدات المتتالية في منطقة البقاع في شرق البلاد حيث لا يمر يوما الا ما نسمع عن تعرضها للتهديد والتدمير.

وهكذا يجد اللبنانيون أنفسهم مرة أخرى أسرى صراعات تتجاوز حدود وطنهم، في وقت تزداد فيه هشاشة الدولة وتتراجع قدرتها على حماية المجتمع وصون السيادة، بينما يستمر النزاع الإقليمي في استخدام لبنان ساحةً لتبادل الرسائل وتصفية الحسابات.

التقاء المصالح الأميركية والصهيونية

من الواضح أن المشروع الصهيوني القائم على فكرة “إسرائيل الكبرى” يتقاطع في كثير من الأحيان مع المصالح الأميركية في المنطقة. فقد تشكّل عبر العقود نوع من التحالف المتين بين الطرفين بهدف ضمان الهيمنة على الشرق الأوسط وإعادة تشكيل توازناته السياسية بما يخدم مصالحهما.

وكان من بين الأهداف الأساسية لهذا التحالف إخضاع دول الخليج لمنظومة أمنية مرتبطة بالولايات المتحدة، بحيث تصبح هذه الدول معتمدة على الحماية الأميركية ومندفعة إلى شراء السلاح بكميات هائلة، الأمر الذي يدرّ أرباحًا هائلة على الصناعات العسكرية الغربية ويُبقي المنطقة في حالة توتر دائم.

الثورة الإيرانية وتوازنات المنطقة

في هذا السياق جاء قيام الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979 بقيادة آية الله الخميني، وهو الحدث الذي شكّل نقطة تحول كبرى في توازنات المنطقة. فقد أدت هذه الثورة، بطابعها الأيديولوجي الشيعي، إلى نشوء حالة من التوتر والحساسية بين إيران وعدد من الدول العربية، ولا سيما في الخليج.

وقد استُثمر هذا الانقسام المذهبي والسياسي في تعميق مخاوف دول الخليج، الأمر الذي دفعها أكثر فأكثر إلى الارتماء في أحضان الحماية الأميركية. وهكذا تحولت إيران، سواء بقصد أو بغير قصد، إلى عنصر أساسي في إعادة تشكيل النظام الأمني في المنطقة.

الحرب العراقية الإيرانية واستنزاف المنطقة

بعد قيام الجمهورية الإسلامية، اندلعت الحرب بين العراق وإيران في ثمانينيات القرن الماضي في ظل حكم صدام حسين. وقد استمرت هذه الحرب ثماني سنوات وأدت إلى استنزاف هائل للقوتين العسكريتين في البلدين، كما أضعفت أحد أقوى الجيوش العربية في تلك المرحلة.

لاحقًا، أدى غزو العراق للكويت عام 1990 إلى تدخل عسكري أميركي واسع النطاق انتهى بإخراج القوات العراقية من الكويت وفرض واقع استراتيجي جديد في الخليج، ثم تطور الأمر لاحقًا إلى احتلال العراق عام 2003.

الدور الإيراني في المنطقة

لم يقتصر الدور الإيراني على حدود إيران، بل تمدد إلى عدد من الدول العربية عبر تحالفات وقوى محلية. وقد ظهر هذا الدور بوضوح في لبنان من خلال إنشاء حزب الله في ثمانينيات القرن الماضي، تحت شعار مقاومة الاحتلال الإسرائيلي وتحرير الأراضي اللبنانية.

ولا شك أن مقاومة الاحتلال الإسرائيلي كانت تحظى بشرعية واسعة في لبنان، خصوصًا بعد استمرار الاحتلال في الجنوب حتى عام 2000. وقد لعبت المقاومة دورًا في الضغط على إسرائيل وصولًا إلى انسحابها من معظم الأراضي اللبنانية.

المقاومة قبل حزب الله

لكن من المهم التذكير بأن المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي لم تبدأ مع حزب الله. ففي عام 1982 تأسست جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمول) التي ضمت قوى وأحزابًا وطنية مختلفة، وكان لها دور بارز في العمليات العسكرية ضد الجيش الإسرائيلي، وأسهمت في دفعه إلى الانسحاب من بيروت والشوف وصولا إلى نهر الأولي.

غير أن نشوء حزب الله لاحقًا أدى إلى تحوّل تدريجي في طبيعة العمل المقاوم، بحيث أصبحت معظم العمليات العسكرية محصورة بإطاره التنظيمي.

تحولات الداخل اللبناني

بعد تحرير الجنوب عام 2000، بقي سلاح حزب الله قائمًا تحت عنوان استكمال تحرير الأراضي اللبنانية المحتلة، ولا سيما مزارع شبعا وتلال كفرشوبا. غير أن هذا السلاح أصبح مع مرور الوقت عاملًا أساسيًا في الانقسام السياسي الداخلي في لبنان.

وقد تعمق هذا الانقسام بعد استخدام السلاح في الداخل اللبناني خلال أحداث عام 2008، الأمر الذي ترك أثرًا بالغًا في العلاقات بين المكونات السياسية والطائفية في البلاد، وأثار جدلًا واسعًا حول دور السلاح خارج إطار الدولة.

الانخراط في الحرب السورية

ازدادت حدة الجدل مع مشاركة حزب الله في الحرب السورية إلى جانب النظام السوري، حيث قُتل آلاف المقاتلين خلال تلك الحرب. وقد اعتبر كثيرون أن هذا التدخل يتجاوز الهدف الأساسي الذي قامت عليه المقاومة، والمتمثل في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.

الأزمات الداخلية والاتهامات المتبادلة

ترافق ذلك مع اتهامات متكررة بوجود عمليات تهريب عبر الحدود اللبنانية السورية، وباستغلال بعض المرافق الرسمية، إضافة إلى تداعيات انفجار مرفأ بيروت عام 2020 الذي شكّل واحدة من أكبر الكوارث في تاريخ لبنان الحديث.

كما بقيت قضية اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري عام 2005 محطة مفصلية في الحياة السياسية اللبنانية، إذ أدت إلى خروج الجيش السوري من لبنان وظهور انقسام سياسي حاد بين فريقي 8 آذار و 14 آذار.

الحرب الحالية وتداعياتها

في ظل الحرب التي اندلعت بعد أحداث غزة في أكتوبر 2023، دخل حزب الله في مواجهة عسكرية مع إسرائيل تحت عنوان “حرب الإسناد”. وقد أدى هذا التصعيد إلى سلسلة من المواجهات العنيفة التي تسببت بخسائر كبيرة في لبنان، من بينها اغتيال الأمين العام للحزب حسن نصر الله وعدد من قياداته.

وتسعى إسرائيل من خلال هذه الحرب إلى القضاء على البنية العسكرية لحزب الله، بينما يجد لبنان نفسه مرة أخرى ساحة لصراع إقليمي يتجاوز حدوده وإمكاناته.

تكمن إحدى المفارقات اللافتة في هذه الحرب في إعلان حزب الله صراحة أنه يخوضها في إطار مساندة إيران في مواجهتها مع إسرائيل والولايات المتحدة. فقد درج الحزب في الحروب السابقة مع إسرائيل على تقديم تلك المواجهات في إطار تحرير القدس وفلسطين أو استعادة الأراضي اللبنانية المحتلة، كما حصل في مراحل مختلفة من الصراع، وآخرها ما سُمّي بحرب الإسناد لغزة أو “الحرب على طريق القدس”.

أما في هذه الجولة، فقد برز خطاب مختلف يضع الحرب في سياق مساندة إيران بشكل مباشر. وهذا التحول في توصيف طبيعة المواجهة يعزز لدى كثير من المراقبين الانطباع بأن الصراع الذي يخوضه حزب الله بات أكثر ارتباطًا بالمعادلات الإقليمية المرتبطة بإيران، وبمصالحها الاستراتيجية في المنطقة، وهو ما يزيد من تعقيد موقع لبنان في خضم الصراعات الإقليمية والدولية.

الدولة اللبنانية بين الحرب والسيادة

أمام هذا الواقع، يواجه اللبنانيون معضلة حقيقية:

فمن جهة، هناك عدو إسرائيلي يشكل تهديدًا دائمًا للسيادة اللبنانية.

ومن جهة أخرى، هناك انقسام داخلي حول دور السلاح خارج إطار الدولة.

إن تعزيز الدولة اللبنانية وتقوية مؤسساتها العسكرية والأمنية يبقى السبيل الأكثر واقعية لحماية السيادة الوطنية، بحيث يصبح قرار الحرب والسلم قرارًا وطنيًا جامعًا، لا قرارًا منفردًا لأي جهة.

يبقى الخوف الأكبر أن تنتهي المواجهة المفتوحة بين إيران والولايات المتحدة بتسوية سياسية أو أمنية تعقد بعيدا عن مصالح الشعوب المعنية، فيكون لبنان أحد أثمانها. فالتجارب في منطقتنا تظهر أن الدول الصغيرة كثيرا ما تتحول إلى أوراق تفاوض في صراعات الكبار، حيث تقدم التنازلات على حساب سيادتها واستقرارها. وليس مستبعدا أن تفضي أي تسوية من هذا النوع إلى ترتيبات قد تخدم مصالح إيران الاستراتيجية في لحظة معينة، بينما تظهر كلفتها الحقيقية على لبنان لاحقا، سياسيا وأمنيا واقتصاديا.

خاتمة

إن ما يجري في لبنان اليوم لا يمكن فهمه بمعزل عن الصراع الدولي على الطاقة والنفوذ في الشرق الأوسط. وفي ظل هذا الصراع، يصبح لبنان عرضة للتجاذبات الإقليمية والدولية.

لذلك فإن الخروج من هذه الدوامة يتطلب إعادة الاعتبار للدولة اللبنانية ومؤسساتها، وتحصين الوحدة الوطنية، والعمل على حماية لبنان من أن يبقى ساحة لتصفية حسابات الآخرين.


تعليقات: