خليل كاعين: لبنان في مفترق الحرب الإقليمية.. إشكالية السلاح وحدود الدولة

الدكتور خليل كاعين: لبنان يواجه وضعًا معقّدًا بسبب تصاعد الصراع الإقليمي، ما يضعه في موقع حساس يفوق قدرته على التحمّل
الدكتور خليل كاعين: لبنان يواجه وضعًا معقّدًا بسبب تصاعد الصراع الإقليمي، ما يضعه في موقع حساس يفوق قدرته على التحمّل


بين تصاعد المواجهة الإقليمية وتآكل قدرة الدولة، يواجه لبنان معادلة معقدة تربط بين سلاح حزب الله، سيادته، ومستقبل إعادة الإعمار.

في خضمّ المواجهة الإقليمية المفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها، ومنهم الحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان، يجد لبنان نفسه مرة جديدة في قلب صراع يفوق قدرته على الاحتمال.

المخاطر هذه المرة لا تبدو عابرة، بل تحمل مؤشرات على تحوّل نوعي، خصوصا مع تصاعد الحديث عن أهداف إسرائيلية تتجاوز الردع إلى فرض واقع ميداني جديد في الجنوب، قد يصل إلى احتلال الشريط الحدودي حتى نهر الليطاني، وربما أبعد من ذلك. هذا السيناريو، إن تحقق، لا يعني مجرد خسارة ميدانية، بل إعادة رسم معادلة الجنوب اللبناني سياسيًا وأمنيًا، بما يعكس هشاشة الدولة أمام صراع إقليمي يتجاوز حدودها.

لا يمكن إغفال الدور الذي لعبه حزب الله منذ عام 2000، حيث شكّل انسحاب العدو الإسرائيلي من الجنوب لحظة مفصلية أعادت الحياة إلى المنطقة، ورسّخت شرعية المقاومة في الوعي الوطني. وقد تعزز هذا الدور في مواجهة حرب تموز 2006، رغم الكلفة البشرية والمادية العالية التي تكبّدها لبنان.

إلا أن هذه الشرعية بدأت تواجه تحديات متراكمة مع مرور الوقت. أحداث 7 أيار 2008 شكّلت نقطة تحوّل داخلية، حيث استخدم السلاح في الداخل، ما أضعف فكرة حصرية القوة بيد الدولة، رغم ما أعقبها من تسوية عبر اتفاق الدوحة. ثم جاء التدخل في الحرب السورية عام 2013، ليضع الحزب في موقع إقليمي يتجاوز إطار المقاومة المحلية، ويعزّز ارتباطه بمحور تقوده إيران، ما فتح بابًا واسعًا للنقاش حول وظيفة السلاح وحدود استخدامه.

اليوم، في ظل الحرب الإقليمية الحالية، تتفاقم هذه الإشكالية. فالمواجهة التي يخوضها الحزب لم تعد محصورة بالدفاع المباشر عن لبنان، بل باتت جزءًا من صراع أوسع. وفي المقابل، تتعرض المناطق اللبنانية، خاصة الجنوبية وضاحية بيروت الجنوبية، لضربات متكررة ودمار واسع، مع خسائر بشرية ونزوح متزايد، ما يعمّق الأزمة في بلد يعاني أصلًا من انهيار اقتصادي ومالي حاد.

هنا تبرز المعضلة الأساسية:

حزب الله هو في آنٍ واحد قوة عسكرية أساسية وشريك في السلطة السياسية. هذا التداخل يطرح إشكالية مزدوجة:

* كيف يمكن لقوة مشاركة في الحكم أن تحتفظ بقرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة؟

* وكيف يمكن للدولة أن تمارس سيادتها الكاملة في ظل وجود قوة عسكرية مستقلة عنها؟

في حال توسّعت المواجهة، أو نجح العدو الإسرائيلي في فرض سيطرة على مناطق جنوب الليطاني، فإن الخسارة لن تكون عسكرية فقط، بل سيادية واقتصادية واجتماعية، وقد يصعب تعويضها حتى مع انتهاء الحرب.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن استمرار المواجهة ضمن هذا الإطار يحمل لبنان كلفة تفوق قدرته، ويضعه أمام خطر الاستنزاف الطويل، في ظل غياب توافق داخلي واضح حول دور المقاومة ومستقبل سلاحها.

في خضم محاولات احتواء التصعيد وتفادي انزلاق لبنان نحو كارثة أوسع، طُرحت مبادرات لفتح قنوات تفاوض مباشر مع إسرائيل، رغم ما يثيره ذلك من رفض واسع وحساسيات داخلية. غير أن هذه المحاولات قوبلت بالرفض، في ظل إصرار إسرائيلي على مواصلة العمليات العسكرية وفرض وقائع ميدانية جديدة في المناطق الحدودية، تحت عنوان إنهاء دور حزب الله. هذا المشهد يعكس محدودية الخيارات المتاحة أمام لبنان، ويكشف في الوقت نفسه عن صعوبة الرهان على المسارات الدبلوماسية في ظل ميزان قوى ميداني مختل.

لم يعد النقاش محصورًا في دور المقاومة بحد ذاته، بل في كيفية إدماج هذا الدور ضمن دولة قادرة، تملك قرار الحرب والسلم، وتحمي مجتمعها من الانهيار.

لبنان اليوم أمام معادلة دقيقة:

* خطر الاحتلال أو فرض وقائع ميدانية في الجنوب،

* خطر الانقسام الداخلي إذا استمر السلاح خارج الدولة،

* وخطر ربط إعادة الإعمار والمساعدات الدولية بشرط إعادة تنظيم هذا السلاح.

السؤال لم يعد نظريًا:

كيف يمكن تحقيق توازن بين مقاومةٍ نشأت للدفاع عن لبنان، ودولة مطالبة بحصرية السلاح في ظل عجز الدولة في مواجهة العدو الإسرائيلي واطماعه؟

والسؤال الأخطر:

إذا فشل هذا التوازن، هل يكون لبنان أمام خطر تفكك داخلي يوازي خطر العدوان الخارجي؟

الدكتور خليل كاعين

تعليقات: