«محبّو الموت»: حسين فرحات صامد في عرب صاليم من أجل إنقاذ الحيوانات

حسين فرحات صامد في بلدة عرب صاليم الجنوبية من أجل إنقاذ الحيوانات (الأخبار)
حسين فرحات صامد في بلدة عرب صاليم الجنوبية من أجل إنقاذ الحيوانات (الأخبار)


حسين فرحات ابن بلدة عربصاليم، اختار البقاء في الجنوب وإنقاذ الحيوانات ورعايتها خلال الحرب، محوّلاً مبادرته إلى صورة يومية من صور الصمود وحبّ الحياة.

في زمنٍ يحاول فيه كثر النجاة من الموت، اختار الشاب حسين فرحات، ابن بلدة عربصاليم الجنوبية، أن يواجه القتل بطريقة مختلفة. بأن يحمي الحياة، ولو كانت على هيئة قطّة تنتظر، أو ماعز تبحث عن من يعتني بها. هناك، في جبل عامل، لا تُقاس البطولة فقط بمن يحمل السلاح، بل أيضاً بمن يختار أن لا يترك ما لا يستطيع حماية نفسه. هناك في الجنوب، الأبطال كثر. كلٌّ يقاوم على طريقته، مختاراً الأرض وأهل الأرض وما على تلك الأرض قبل كل شيء... ولو على حساب حياته وأمانه واطمئنانه.

قصة حسين هذه ليست وليدة الحرب الحالية، بل نُسجت منذ الحرب الماضية ومن رحم الألم. أُصيب شخصٌ يعزّ عليه، فقرر التوجه من بيروت إلى الجنوب، لا العكس، لكي يبقى قريباً من الأحبة. في تلك المساحات الفارغة من الوقت، حيث يسمع فقط دوي الطائرات وأصوات الانفجارات، بدأت الحكاية.

بالنسبة لحسين فرحات حبّ الحياة هو الأصل وهو ما يحرّك كل شيء

قطط تتجمع، وماعز بحاجة إلى من يطعمها، وبقايا طعام تتحول إلى وجبات حياة. لم يكن مشروعاً، ولا خطة. كانت مجرد استجابة إنسانية بسيطة، فتحولت لمبادرة مفعمة بالحياة. نشر بعض الصور، فتفاعل الناس، وحينها بدأت تصل بعض المساعدات من طعام، وأدوية، وغيرها من وسائل الدعم.

انتهت حرب 2024 على الورق، لكن ما بدأ خلالها لم ينتهِ. بقيت القطط، وكبرت المسؤولية. تعلّم كيف يعتني بالماعز، وبالفعل اقتنى لنفسه قطيعاً صغيراً وبعض الطيور. لم يعد الأمر مجرد رعاية عابرة، بل صار جزءاً من يومه، من هويته... كما معظم أهالي الجنوب.

إلا أنّ الحرب لم تنته بالفعل. بقي أهالي الجنوب يُقتَلون كل صباح، وتُنسف بيوتهم في المساء. وعادت الحرب قبل أن ترحل. هذه المرة، لم ينتظر. لم يغادر. لم يفكر حتى بالمغادرة. كان قد تعلّم الدرس الأنقى: الأرض لا تُترك، والحياة لا تُؤجل، ومن كتب له الموت سوف يموت أينما حلّ. بقي في الضيعة، عن قناعة لا تتزحزح.

عاد إلى ما بدأه، لكن بوعي أكبر. مزرعته الصغيرة تحوّلت إلى مساحة حياة في وسط كل ذلك الموت والخراب الذي يحاول المحتل فرضه على أرضنا. ماعز، وطيور، وبط، ودجاج، وقطط تنتشر في كل زاوية. ومع نزوح الناس، تُركت خلفهم حيوانات بلا طعام ولا رعاية. هنا، توسّعت المبادرة. لم يعد يهتم فقط بحيواناته، بل بكل ما تُرك خلف الأبواب المغلقة.

يجمع التبرعات عبر وسائل التواصل، يؤمّن الطعام، ينقل الأدوية، ويجوب الطرقات حاملاً ما توفّر. لم يكن يملك أكثر من وسيلة نقل وإرادة، لكنهما كانتا كافيتين لتصنعا فرقاً.

أما في ما يتعلّق بدوره خلال الحرب، فيوضح أنّ تجربته اختلفت بين حرب وأخرى. في الحرب السابقة، كان نطاق عمله أوسع، إذ كان كثير من الأهالي يغادرون قراهم، ويتواصلون معه ليهتمّ بحيواناتهم. فكان يتنقّل بين القرى، يطعم هذه الحيوانات ويعتني بها، حاملاً أمانة تركها أصحابها خلفهم. أمّا في الحرب الحالية، فقد تغيّر المشهد. كثير من الناس بقوا في قراهم رغم الظروف، لذلك لم يعد دوره أن يحلّ مكانهم بالكامل، بل أن يساندهم. بات تركيزه على تأمين الطعام والأدوية للحيوانات، ونقل هذه المستلزمات إلى من يحتاجها.

ومع الوقت، تحوّلت قصته إلى أكثر من مبادرة. صارت صورة عن صمود. عن شاب قرر أن لا يترك أرضه، وأن يحوّل البقاء من موقف إلى فعل يومي. حمل على عاتقه مسؤولية أن يحمي ما يمكن حمايته، وأن يُبقي الحياة ممكنة، حتى في أقسى الظروف.

هو واحد من كثيرين بقوا. لكن قصته تختصر معنى أوسع، وهو أنّ الصمود لا يكون فقط في المواجهة، بل أيضاً في التفاصيل الصغيرة. في إطعام قط جائع، أو إنقاذ معزة تُركت وحدها، أو رعاية كلب اعتاد الأماكن وناسها. هكذا فقط، تبقى الأرض لناسها، ويبقى هناك من ينتظر العائدين.

في حديث مع الأخبار، يقول حسين إنّه كثيراً يسمع أحكاماً جاهزة تُختصر بها صورة أهل الجنوب، وكأنّهم لا يعرفون سوى الحرب والقتال. غير أنّه يرفض هذه النظرة. فبالنسبة إليه، حبّ الحياة هو الأصل، وهو ما يحرّك كل شيء. هو شاب بنى جزءاً كبيراً من حياته على السفر والتصوير، وكان يرى في السفر ذروة ما يسمى بـ«حب الدنيا».

قبل اندلاع الحرب بأسابيع قليلة، كان في تايلاند، وقبلها بأشهر خاض تجارب مختلفة، متنقلاً بين أماكن بعيدة، منفتحاً على العالم بكل ما فيه. وبالنسبة إليه، لا تناقض بين حبّ الحياة والاستعداد للدفاع عنها. هو يحب الحياة، ولذلك يتمسّك بأرضه بشتى الوسائل الممكنة.

فعلاً هناك مجموعة من الناس لا تشبهنا، لا تشبه هؤلاء الشبان الذين يعلمون كيف تُعاش الحياة بكل أوجهها. يملكون كلّ ما يجعلهم قادرين على العيش برفاهية وراحة لا مثيل لهما.

الأرض لا تُترك، والحياة لا تُؤجل

إلا أنّهم في كل مرة يختارون أرضهم وحياتهم تلك، يختارون بيوتهم وناسهم وأشجارهم وحيواناتهم، وكل ما يربطهم بتلك الأرض. أرض الجنوب، حيث لا حبّ كحبّها، ولا يحب البلاد سوى أهلها. أهلها الصادقون، الصابرون، المعطاؤون، المحبّون، الذين يحملون أفئدة كأفئدة الطير، فيحلقون بها فوق تلك التلال والجبال، ويتعالون بها عن كل من يتهمهم بحبّ الموت. هل رأيتم أحداً يحب الموت ينقذ طائراً ويحمي قطة بينما تحوم طائرات تحمل آلاف المتفجرات فوق رأسه؟ إن كان من أحد يحب الحياة، فحسين وأمثاله ومن يتلحفون الجبال هم الذين يفعلون، لا غيرهم. يحبون الحياة كما لم يحب الحياة أحد، ويحبون البلاد كما لم ولن يفعل أحد.

صور من داخل مزرعة حسين فرحات في عرب صاليم (الأخبار)
صور من داخل مزرعة حسين فرحات في عرب صاليم (الأخبار)


فراخ من طيور «الفرّي» في مزرعة حسين فرحات في عرب صاليم (الأخبار)
فراخ من طيور «الفرّي» في مزرعة حسين فرحات في عرب صاليم (الأخبار)


فرخ من طيور البط في مزرعة حسين فرحات في عرب صاليم (الأخبار)
فرخ من طيور البط في مزرعة حسين فرحات في عرب صاليم (الأخبار)


تعليقات: