
كان يمكن للضاحية أن تبقى هامشاً هادئاً لمدينةٍ تتضخم، لو لم تتقاطع فوق أرضها التحوّلات السياسية والاجتماعية التي أعادت رسمها، لا كامتدادٍ طبيعي لبيروت، إنما كحيّزٍ جديد تتكثّف فيه الأسئلة الكبرى عن المدينة والناس والسلطة.
في بداياتها، كانت هذه المساحات على أطراف بيروت أقرب إلى فسحةٍ خضراء مفتوحة، حضورها البشري محدود، وإيقاعها بطيء، يكاد ينفصل عن صخب العاصمة.
لكن مع تسارع التحوّلات، لم تعد الضاحية مجرد جغرافيا، صارت نتيجة مباشرة لتبدلات عميقة في البنية السياسية والاجتماعية، حيث تدفقت موجات النزوح الداخلي، وتوسّعت الحاجة إلى السكن، فبدأت ملامحها تتشكّل وفق رؤية عمرانية حديثة ظاهرياً، لكنها محمّلة بتناقضات الواقع اللبناني. في هذا الوثائقي، يضيء الكاتب يوسف مرتضى على التحولات السردية للضاحية، كيف انتقلت من مكانٍ هامشي إلى فضاءٍ مركزي في الحكاية اللبنانية، حيث تختلط الذاكرة الفردية بالجماعية، ويصير المكان شاهداً على التحولات والانكسارات.
أما الباحثة منى حرب، فتقرأ الضاحية من زاوية التخطيط والتمدّن، كاشفةً كيف تداخلت السياسات العامة مع المبادرات المحلية، وكيف نشأت أنماط عمرانية غير متجانسة، تعكس غياب التخطيط الرسمي أحياناً، وحضور قوى الأمر الواقع أحياناً أخرى، لتنتج نموذجاً عمرانياً خاصاً، لا يشبه المدينة التقليدية ولا ينفصل عنها. ومن قلب التفاصيل اليومية، يأتي صوت المختار شاهداً حيّاً على التحوّل، راوياً حكايات الناس الذين سكنوا المكان وحوّلوه إلى مجتمع، بكل ما يحمله ذلك من تحديات التكيّف، وتبدلات الهوية، وإعادة تعريف الانتماء.
بين الماضي القريب والحاضر المتحوّل، يرصد الوثائقي كيف تحوّلت الضاحية من هامشٍ هادئ إلى مركزٍ نابض، ومن أرضٍ خضراء إلى نسيجٍ عمراني كثيف، حاملاً في طياته قصص البشر، وتناقضات السياسة، وأسئلة المدينة التي لم تُحسم بعد.
الخيام | khiyam.com
تعليقات: