
بعد النبطية الطريق إلى القرى المجاورة ممتدة كخيطٍ مشدود بين الحياة والموت (Getty)
الأحد، السابعة صباحاً. لم تكن الطريق إلى النبطية كما عهدتُها. هذا أول ما خطر لي، وأنا أنطلق من بيروت. واحدٌ من أبنائها الكثر يعبرُ هذه الطريق ويمشي. صورٌ كثيرة عبرَت رأسي. في رأسي صورتها القديمة. المدينة قبل أشهر من الحرب. أقارنُ في رأسي خطوة خطوة مع كلّ ما أراهُ الآن.
طريق المطار. كل شيء يبدو مألوفاً. الإحساسُ مختلفٌ. السير عند خلدة لا يزال كثيفاً، لكن السيارات التي تنقلُ ركاباً وأبناء يحملون أشواقهم وتوتّرهم معهم. رجال ونساء وأطفال وعجزة في علب السيارات يحملون حكاياتهم. في وجوههم كلامٌ عن الحرب، أثرُها الذي يسكنُ تفاصيلهم. حربٌ لم تهدأ بعدُ. كثيرةٌ هي الوجوه من حولي وأنا وحدي أراقبُ. كلُّ واحدٍ داخل هذه القوافل يحملُ روايته الخاصة.
الطريقُ لم تكن سهلة. والوصول إلى جسر الأولى كلّفَ ساعات أربع. وكأنّ أصحاب هذا الرَّكب أخذوا عهداً على أنفسهم بأن يخرجوا إلى بلداتهم وجنوبهم في أسرع وقت. جسر الأولي. اللحظة بدتْ غريبةً. كأن شيئاً ينكسر ثم يلين. كان لديّ انطباعٌ بأنّ الدنيا بهمها وغمّها سوف تضيق بعد حاجز الأولي. لحظات بعد العبور وتغيّر الأمر.
يمتهنون حبّ هذه الأرض
"انفرجت" الحياةُ قليلاً. الرؤوس تخرجُ من السيارات لتنظر وتراقب أين هو الخراب ومتى يبدأ. وما الذي فعله التوحش الإسرائيلي بأرضنا. كأنّ هذه الحرب كانت متوقفة عند هذا الحد. الانفراج أقرب إلى محاولة جماعيّة للتنفس. الكلّ غدا يتنفّس وينتظر أن يرى ويبصر.
تتنادى على طول الطريق أصوات الركاب إلى أذني. اللكنة الجنوبيّة الساحرة والصادقة تخرج وتهلّل فأغدو سعيداً. لا لشيء، هكذا فقط مزيج من العاطفة والحنو داخل السيارات تخرج وتصلُني. "كيف كانت هالحرب عليك؟". الجوابُ أثقلُ من أيّ تحليل: ورحمة الشباب اللي راحوا، ما عرفت كيف كنت عم عيش، المهم نرجع وكلو بيتعوّض". جملة واحدة تشعرُكَ أنّ الطريق كلّها تختصر. أناسٌ عجيبون يمتهنون حبّ هذه الأرض. حبٌ نادرٌ يخترقُ المسام ويُعدي.
إلى جانبي، رجلٌ سخّره القدر ليرافقني في مسيري. لعلّه ليذكرني أنّ في الجنوب صوتاً آخر. رجلٌ يطلق شتائمه بلا توقف، كأنه يفتّش عن أحد يحمّله كل هذا الثقل. "بدي إفهم نحنا شو مستفيدين، خسارة بعزارة". يدخّن بعصبية، سيجارة تشتعل من أخرى، وكأن دخانه هو الشيء الوحيد الذي لا يخونه.
السيارة تقتربُ من الغازية. المشهد في تبدلاته الدائمة. أناس على جانب الطريق يوزّعون المياه والعصائر. باحترام وصمتٍ وحياء بلا شعارات. فعلٌ بسيط أحببته يقول إنّ هذا البلاد في اغتراباتها الكثيرة، رغم كل شيء، لا يزال فيها من يمدّ يده للآخر. هي لحظة خفيفة وسط كل هذا الثقل.
آثار الحرب في كل زاوية
الطريق الوعرة لم تترك لنا هذه الخفّة طويلاً. بدأت الأعلام تملأ المشهد. رايات حزب الله وحركة أمل والعلم الإيراني. كل سيارة وكلّ زاوية في ضيعة نمرُّ فيها تقريباً تعلن موقفاً، انتماءً، تحاولُ التشبثَ بشيء واضح في وسط هذا الالتباس. نحنُ هنا وهذا ما نريدهُ.
الطريق من الغازية إلى جسر الزهراني ثم المصيلح طويلة ومتعبة. تسمحُ لي بسهولة أن أرى ما كنت أعرف أنه بانتظاري. الحرب بدأت تقول في هذه القرى أنّها ليست رواية أو خبراً عاجلاً. أنا أمام مشهد مباشر. ضربات كثيرة وكلّ زاوية فيها أثر لغارة. مبانٍ مفتوحة على فراغها ودمارها. أقفُ على طرف الطريق. وأفكّر: هذه شواهد وقبور. وأكملُ طريقي.
صحافيون وكاميرات يصفون، يشرحون، يوثّقون. وأنا، كواحد من العابرين، أنظرُ وأشعرُ أنّ هناك شيئاً لا يمكنهم توثيقه. هذا الإحساس الثقيل الذي يلتصق في صدركَ ولا يغادركَ. ترافقني هذه الكلمات ودخولي إلى النبطيّة في رأسي.
أنا في النبطيّة. المدينة التي أعرفها، بضجيجها وحركتها، بدت مطفأة. حزنها واضح. الوجوه، المكان نفسه حزين. الأضواء غريبة رغم أننا في وضح النهار، الحركة جيدة ولكنها ناقصة. خطر لي أن أذهب لزيارة إمام المدينة. لكنني لم أفعل. بدت لي المدينةُ بعيدة عن الحياة ومنسحبةً منها قليلاً. الغبار كثيرٌ هنا ومكثّفٌ في طبقات. آثار الدمار الكبير تغلِّفُ كل شيء.
النبطيّة. كل شيء أوضح وأكثر قسوة. صوتٌ بعيد للقصف في القرى الحدودية. الهدنة يُقال إنها قائمة، لكن ما يُسمع يقول العكس. الرصاص حاضر، والمدفعية تذكّر أن الحرب لم تنتهِ، لربما غيّرت شكلها فقط. في تلك اللحظة، فهمتُ أنني في الجنوب، كما أعيشهُ في هذه اللحظات هو جغرافيا مدمّرة، وهو حالة كاملة، وحزن عميق، غضب مكبوت، وتشبّث عنيد بالحياة، في أحلكِ الظروف.
بعد النبطيّة وفي الطريق الممتدة كخيطٍ مشدود بين الحياة والموت. مررتُ بميفدون، وكفردجال، عدشيت، القصيبة، وصولاً إلى كفرصير. سلسلة من القرى التي نالها في هذه الحرب قدرٌ واسع من الضرب والشهداء والخراب. قرى في جعبتها وجعٌ وقصص.
الضيع هذه يغمرها صوتٌ ثقيل. صمتٌ كبير أيضاً وخليط من بكاء مكتوم، وأحاديث خافتة، وخطى سريعة لا تريد أن تزعج الحزن. عناصر ومقاتلون يشيّعون شهداء، لكنّ المشهد أوسع من جنازة. أراهم يشيّعون الضيعة نفسها. يسلّمونها إلى حزنها الكبير. خيرةُ الشباب الذين اختطفوا غيلةً وغدراً على أيدي الاحتلال.
معاودة الهروب من جديد
أول المساء. أردتُ أن أذهبَ في جولة لأرى الدمار والعمران. في الطريق قوافل كثيرة بدأت بالتحرّك. سيارات محمّلة بما تيسّر، تهرب من اشتداد الأصوات. لا أحد يسمّيها هروباً، لكنّها كذلك. الوجوه في الداخل لا تنظر إلى الخلف كثيراً. تتركُ ضيعها وتعودُ إلى سيرتها وغربتها. وجوهٌ خائفة وبريئة لا يخرجُ من أفواهها كلامٌ كثير. "الحمدلله عالسلامة" يهنئون بعضهم بالسلامة وها هم يعاودون الهروب. هذا أمرٌ عجيب!
ساعتان والضيع المذكورة فرغت، إلا من ثلة شباب قرروا أن يبقوا مع الأصوات التي تعلو أكثر فأكثر وتزداد وطأتها. سألت نفسي: كيف هو جوّ الضيعة اليوم؟ القصيبة وكفرصير كان لهما نصيب ثقيل من الاستهداف في هذه الحرب. أنهيتُ جولتي مع صوت المسيرات والطيران الحربي الذي يقلقُ العيش وينغّصه وعدتُ أدراجي لأنام.
ربيعُ الجنوب: سحر ولعنات
صباح الإثنين. مزاجٌ آخر يغمرُ الوحشة الجنوبيّة. الربيعُ مهمٌ في لحظات الحروب. نادراً ما يتأخر الربيع في الجنوب. أتى هذه المرّة أيضاً. أراه الآن في السابعة صباحاً على تلّة بين القصيبة وقعقعية الجسر وكفرصير. ملتهبٌ وحالمٌ وعنيف. خضار يملأ المكان وكأنّ الربيع يعتذر عن الوحشيّة التي شهدتها هذه الأرض الطيّبة.
الربيع لا يعرفُ الحروب. أراهُ أمامي وكأنّه يتحداها يصفعُها على وجهها بحبّات الفول المنتشرة أمامي. الأرض خضراء. الفول يملأ الحقل. أبي "يحلشُ ويملشُ" ما تيسّر له. والهواء يحمل لي تلك الرائحة التي تشبه البدايات. أبي في نهاية ستينه ينحني على الأرض، يقطف الفول المزروع بيديه ويقول لابنه الحائر: "بالحروب يا بيي، الأرض بتطرَح أكتر" أستغرب فيُكمل: "فيهن يدمروا البيوت، بس ما قدروا يمنعوا الفولة إنها تطلع". المشهد كأنه خارج الحرب. رجلٌ ستينيّ يقطف، أرضٌ تعطي، ووقت يتباطأ ليمنحنا هدنة صغيرة، هديّة صغيرة.
ساعات قليلة وذهبتُ في جولة وجلستُ مع بعض الشبان في الضيعة. الأحاديثُ هذه المرّة لم تكُن كبيرة أو بطوليّة. أحاديث بسيطة يومية، وربما لهذا كانت صادقة أكثر. تحدّثنا عن الطريق، عن القصف، عن من غادر ومن بقي في الحرب. آخر تحدّث عن بيته كأنه شخص، يخاف عليه أكثر مما يخاف على نفسه.
بين الموت والحياة
نهارٌ ربيعيّ ثقيل وطازج. ها هو ينتهي الآن على عجل. كنتُ في نهاري قد سمعتُ عن الصيدليّة التي بدأت باستقبال الناس في هدنة الأيام العشر. قررتُ أن أزورها فذهبتُ. نور، صاحب الصيدلية يستقبلنا بابتسامة حيية. ناولني ما أحتاجه، وعندما حاولتُ أن أدفع، ابتسم وقال: "لما تخلص الحرب، منتحاسب". جملةٌ بسيطة، لكنّها حملت إليّ شيئاً أكبر من معناها المباشر. ها نحن هنا نؤجّل الحساب والتفاصيل والخسارات. نؤجلها إلى وقتٍ آخر، إلى زمنٍ ننتظرهُ أن يأتي.
أوّل المساء. غادرتُ وفي نفسي هذا التناقض الحاد بين الموت والحياة. بين الحرب والربيع. في نفسي تلك القدرة الغريبة على الاستمرار. ها أنا أعودُ وأشعر فعلاً أنّني أغادر. النبطية تبقى معي في تفاصيلها الصغيرة. رائحة التراب، وصوت القوافل والسيارات الممزوجة بالرضا والشتائم والخليط العجيب.
النبطية. يدُ أبي وهو يقطفُ الفول، جملةُ نور الصّيدلاني التي تبدو كأنها وعد. وعدٌ بأنّ هناك يوماً آخر سيأتي، بأنّ حياةً لا تزالُ، رغم كلّ شيء، ممكنة.


الخيام | khiyam.com
تعليقات: