سلاح ستي للعمار الشامل: نساء الحرب يخبزن الصمود

أبدت النساء رغبتهن بأن يبقين منتجات حتى في ظروف النزوح والحرب (المدن
أبدت النساء رغبتهن بأن يبقين منتجات حتى في ظروف النزوح والحرب (المدن


في الحرب الأخيرة، عادت النساء إلى واجهة تفاصيل الحياة اليومية في الجنوب ومناطق النزوح. لم يكن حضورهن في صور الدمار والخسارة فقط، بل في محاولات الاستمرار أيضًا بتدبّر شؤون الحياة بأقل الإمكانيات الممكنة. فكان "الصاج" لصناعة الخبز، حاضرًا في كثير من الحكايات التي سمعتها الكاتبة والناشرة نادين توما خلال وجودها على الأرض، ولقاءاتها مع الجدّات والنساء اللواتي تحدثن باستمرار عن الاكتفاء الذاتي، وعن رغبتهن في البقاء مستقلات وفاعلات، حتى في الأماكن التي فقدن فيها كل أشكال الاستقلالية.

مبادرة "سلاح ستي"

من هنا، ولدت فكرة "سلاح ستي للعمار الشامل"، المبادرة التي أطلقتها دار قنبز في الأول من أيار. وهي تقوم على توزيع "صاجات" و"علب حبوب"، تحتوي على حبوب ومؤن يمكن استخدامها للطهو أو حتى للزراعة، في محاولة لتحويل المساعدة من دعم استهلاكي مؤقت إلى أداة إنتاج واستمرارية.

وتقول توما إن "دار قنبز" لم تأتِ من فراغ، بل من محاولة دائمة للبحث في قصصنا وتاريخنا وثقافتنا، وربطها بما نعيشه اليوم. لذلك، لم تكن حملة "سلاح ستي للعمار الشامل" مشروعًا منفصلًا عن روح الدار، بل امتدادًا طبيعيًا لها.

"الصاج كان أساسيًا بكل الحكايات التي سمعتها من النساء"، تقول توماً، مضيفة أن النساء كنّ يتحدثن عن الإكتفاء الذاتي، والاستقلالية وعن رغبتهن بأن يبقين منتجات حتى في ظروف النزوح والحرب. لذا قرر "الدار" تقديم حلقة متكاملة من الدعم من صاجات جرى تصنيعها خصيصاً لهن، ترافقها "علبة حبوب" تحتوي على طحين سلموني، وبرغل، وعدس، وفاصوليا، وكشك، وزعتر.

بالنسبة لتوما "الفكرة لم تكن توزيع مساعدات فحسب، بل تقديم أداة وفكرة في الوقت نفسه". وتضيف: "في لبنان، نفتقد غالبًا إلى مبادرات تعلّم الناس كيف يصطادون، بدل أن نعطيهم السمكة فقط". وتوضح أن الصاج يمكن أن يتحول إلى وسيلة إنتاج أو مصدر دخل، بينما يمكن للحبوب الموجودة في العلبة أن تُطبخ أو تُزرع لاحقًا.

حتى الآن، موّلت "عائلة دار قنبز"، كما تسميها توما، صناعة 50 صاجًا و50 علبة للحبوب، عبر شبكة من المتبرعين الذين شاركوا في تنفيذ الفكرة. لكن المشروع لا يريد أن يتوقف هنا. الطموح، كما تقول، هو الوصول إلى ألف صاج، وألف امرأة قادرة على استخدامه وإعادة نقل المعرفة إلى نساء أخريات.

لم يكن توزيع الصاجات عشوائيًا، إذ كان الشرط الأساسي أن تعرف المرأة استخدام الصاج والعجن، وأن تكون مستعدة لتعليم نساء أخريات لاحقًا. فالنسبة لتوما، لا يتعلق الأمر بتقديم أداة يمكن الاستفادة منها اقتصاديًا فحسب، بل بإعادة تكريس مفهوم التوارث ونقل المعرفة بين النساء بعد سنوات طويلة من الانقطاع والتهميش.

ووفق توما "الهدف الأساسي أن تشعري أنك فاعلة ولستِ متلقية، لأن التوارث أساسي، خاصة أننا بترنا عن جذورنا"، معتبرة أن المبادرة تحاول أيضًا استعادة معنى مختلف لكلمات مثل "السلاح" و"العمار"، عبر تحويلهما من مفاهيم مرتبطة بالحرب والدمار إلى أدوات للصمود وإعادة إنتاج الحياة.

وتلفت توما إلى أن ردود فعل الناس كانت مؤثرة جدًا، حتى من أولئك الذين لم يحصلوا على الصاج نفسه. "الفكرة وصلت" وتلقفتها النساء، وهي "فكرة الاحتفال بهؤلاء الستات، وبكل المعرفة التي حملنها لسنوات، التي كنا أحيانًا نخجل منها أو نعتبرها جزءًا من ماضٍ نريد الابتعاد عنه"، كما تقول.

وتنوه توما أنها تلقت مئات الرسائل من شباب وصبايا اعترفوا فيها أنهم كانوا يشعرون بالخجل من أجدادهم الذين يزرعون ويخبزون ويعيشون حياة ريفية بسيطة، أو ربما لا يقرأون ولا يكتبون. لكن شيئًا ما تبدّل مع هذه المبادرة. وتشرح: "عندما تكبرين، تستوعبين أن هناك أناس يخجلون من ماضيهم أو أصلهم"، لكن الحملة أعادت الاعتبار لهذه الصورة التي طالما جرى التعامل معها كعلامة "تخلّف"، لا كمعرفة وخبرة وصمود.

منذ تأسيسها في العام 2006، لم تكن "دار قنبز" مجرّد دار نشر تقليدية. المشروع قام أساسًا على فكرة العلاقة بين الحكاية والغرض، بين النص والصورة، وبين الكتاب والحياة اليومية. في كل إصدار تقريبًا، كان هناك شيء يمكن اقتباسه من الكتاب إلى الواقع، أو غرض يخرج من داخل النص ليصبح جزءًا من التجربة. هذا المزج بين الثقافة البصرية والسرد، وبين التراث والواقع المعاصر، شكّل هوية الدار منذ بدايتها. وتقول توما إن الدار انطلقت دائمًا من فكرة أننا "لم نأتِ من فراغ"، وإن كل مشروع كان يحاول إعادة وصل الناس بجذورهم وحكاياتهم.

قبل "سلاح ستي"، أطلقت الدار مبادرات عدّة ذات طابع ثقافي ومجتمعي، من بينها حملة "مكتبة بعلبة"، التي هدفت إلى تعزيز ثقافة القراءة عبر منح صناديق كتب لأشخاص يتلقّون تدريبًا ليوم كامل، ثم يأخذون العلبة إلى محيطهم لتفعيل الكتاب في القرى والأحياء، شرط ألّا تتحول المبادرة إلى مشروع ربحي. الفكرة لم تكن توزيع كتب فحسب، بل تشكيل شبكة قراءة حيّة، يكون الناس أنفسهم جزءًا منها.

حتى الآن، موّلت عائلة دار قنبز، كما تسميها توما، صناعة 50 صاجًا و50 علبة حب
حتى الآن، موّلت عائلة دار قنبز، كما تسميها توما، صناعة 50 صاجًا و50 علبة حب


الفكرة لم تكن توزيع مساعدات فقط، بل تقديم أداة وفكرة في الوقت نفسه  (رنا ضاهر)
الفكرة لم تكن توزيع مساعدات فقط، بل تقديم أداة وفكرة في الوقت نفسه (رنا ضاهر)


 كل مشروع كان يحاول إعادة وصل الناس بجذورهم وحكاياتهم
كل مشروع كان يحاول إعادة وصل الناس بجذورهم وحكاياتهم


تعليقات: