كامل جابر: عائلات لبنانية افترقت بسبب الحرب.. موتا أو حصارا أو نزوحا

أم تحمل جثة طفلها الذي توفي بسبب القصف الإسرائيلي في 10 مايو الحالي (أ ف ب)
أم تحمل جثة طفلها الذي توفي بسبب القصف الإسرائيلي في 10 مايو الحالي (أ ف ب)


ما يحصل حالياً يصفه كثر بـ تغريبة جنوبية جديدة تشتت مئات الآلاف على مساحة البلاد

ملخص

إذا كانت لفظة "تغريبة" في مفهومها التاريخي تطلق على حوادث التهجير الجماعي والترحيل الإجباري عن الأرض والديار، فهي اليوم تلامس التهجير الجماعي لسكان جنوب لبنان، بدءاً من جنوب نهر الزهراني الذي يبعد عن الحدود الجنوبية نحو 60 كيلومتراً، ويخضعون يومياً إلى إنذارات الإخلاء الجماعي حتى باتت المنطقة التي تعرف بجنوب نهر الليطاني وامتداداً نحو شماله في أقضية النبطية وصيدا وجزين وصولاً إلى الزهراني شبه خالية.

يعاني سكان جنوب لبنان اليوم ومعهم سكان ضاحية بيروت الجنوبية، وما يربط بين المنطقتين على رغم المسافة الجغرافية من علاقات أسرية ونسب ومصاهرة، ما يشبه "التغريبة" داخل الوطن بسبب استمرار الحرب الإسرائيلية عليهم نظراً إلى تلازمهم العضوي والمعنوي في بيئة تعتبر حاضنة في النسيج الأسري والديني وربما داعمة لتنظيم "حزب الله" خصم إسرائيل اللدود، وتخوض في سبيل نزع سلاحه وإبعاده عن المنطقة الحدودية الملاصقة لمستوطناتها الشمالية حرباً ضروساً من البر والبحر والجو، ناهيك بتدمير القرى الحدودية في الحافة الأمامية وفي النطاقين الثاني والثالث من الحدود بعد احتلالها بغية خلق منطقة عازلة أجمعَ على نيتها معظم قادة إسرائيل.

وإذا كانت لفظة "تغريبة" في مفهومها التاريخي تطلق على حوادث التهجير الجماعي والترحيل الإجباري عن الأرض والديار، فهي اليوم تلامس التهجير الجماعي لسكان جنوب لبنان، بدءاً من جنوب نهر الزهراني الذي يبعد عن الحدود الجنوبية نحو 60 كيلومتراً، ويخضعون يومياً إلى إنذارات الإخلاء الجماعي حتى باتت المنطقة التي تعرف بجنوب نهر الليطاني وامتداداً نحو شماله في أقضية النبطية وصيدا وجزين وصولاً إلى الزهراني شبه خالية.

نزوح في الجهات الأربع

الغارات الإسرائيلية المدمرة التي يسقط فيها يومياً نساء وأطفال، أسهمت في توزع سكان المناطق المستهدفة على مختلف الأراضي اللبنانية وفي جهاتها الأربع، بحثاً عن الأمان والطمأنينة بعيداً من قراهم ومدنهم وتفادياً للقصف المميت المستمر بصورة شبه يومية منذ الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، يوم انخرط "حزب الله" في حرب "إسناد غزة" وصولاً إلى الحرب الأخيرة التي بدأت في الثاني من مارس (آذار) الماضي ولم تتوقف على رغم إعلان هدنتين متتاليتن منذ الـ16 من أبريل (نيسان) الماضي برعاية أميركية.

وقد أسهمت مدة الحرب التي بدأت منذ نحو 32 شهراً، في تفاقم هذا "الاغتراب" الداخلي الذي تسبّب في تهجير نحو مليون و600 ألف نسمة من جنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية، جلهم من السكان "الشيعة" يضاف إليهم سكان عدد من القرى "السنية" الحدودية، وانتشارهم في مناطق متفرقة من العاصمة بيروت، إلى المناطق الشرقية والشمالية من لبنان وجبل لبنان وبلدات الشوف وجزين.

وقد انقسم شمل العائلة الواحدة في أكثر من منطقة ومكان، فكيف بسكان كل قرية أو بلدة كان أهلها ملتمين في السراء والضراء ويتبادلون الأفراح والأتراح والمناسبات المختلفة والأعياد، تضاف إليهم عائلات "مقتدرة" مادياً غادرت البلاد إلى دول مختلفة بعيداً من الحرب التي لا تزال مستمرة بوتيرتها المتصاعدة يوماً تلو يوم.

قصة الفتاة ليمور تجسد قصص التهجير القسري والانفصال الذي تعيشه عائلات جنوبية، فهي شابة لبنانية من بلدة دبل المسيحية الواقعة على الحدود التي بقي سكانها داخلها على رغم القصف أشبه بمحاصرين من كل الجهات. وتقول في حديث إعلامي إنها لم ترَ عائلتها التي تعيش في الجنوب، منذ اندلاع الحرب الأخيرة في الثاني من مارس الماضي، وهي كانت قصدت بيروت ككل أسبوع على أن تعود إلى الجنوب يومي السبت والأحد، لكن الحرب كانت أسرع فبقيت هي في بيروت وعائلتها في الجنوب. تقول هذه الفتاة بصوت يملؤه الخوف "لا أعلم متى سأراهم مرة ثانية"، وتروي يومياتها بين الخوف والحنين، بعيدة عن أهلها، مشيرة إلى أنها في كثير من الأحيان يتعذر عليها الاتصال حتى عبر الهاتف بأهلها بسبب صعوبة الوضع في الجنوب وضعف الشبكة، فيما كل الطرقات التي تصل العاصمة بقريتها مقطوعة.

تهجير يتكرر من 78 عاماً

في السياق التاريخي، لم تكن بلدات وقرى جنوب نهر الليطاني وشماله بعيدة من التهجير الذي بدأ عام 1948، تاريخ احتلال فلسطين، إذ اجتاحت إسرائيل آنذاك سبع قرى لبنانية تُعرف تاريخياً باسم "القرى السبع"، كانت تتبع إدارياً وجغرافياً قضاء مرجعيون (جبل عامل) في جنوب لبنان، قبل أن يتم ضمها إلى فلسطين الانتدابية (ثم إسرائيل) نتيجة اتفاقات الحدود 1949، وكان سكان هذه القرى في غالبيتهم من المسلمين الشيعة، باستثناء قرية آبل القمح التي كانت تضم سكاناً شيعة ومسيحيين، ينتشرون اليوم في مختلف المناطق اللبنانية ذات الأكثرية الشيعية.

ناهيك باحتلال قرى عدة حينها، ثم الانسحاب منها بعد ارتكاب ما يصفها أبناء المنطقة بـ"المجازر" الجماعية على نحو ما وقع في بلدة حولا الحدودية في آخر أكتوبر 1948 تسببت في نزوح جماعي لسكان القرية نحو منطقة "ضبيّه" في شرق بيروت وعاشوا في مخيمات من صفيح أقامتها الدولة اللبنانية ستة أشهر متتالية، قبل أن يعودوا إلى قريتهم المدمرة بعد توقيع لبنان اتفاقية الهدنة مع إسرائيل في مايو (أيار) 1949.

تعاقب النزوح الجماعي الجنوبي في الحروب المتتالية التي شنتها إسرائيل على لبنان في أعوام 1967 و1973 و1978 و1982 و1993 و1996 و2006 وما بينها، وصولاً إلى الحرب المستمرة منذ أواخر عام 2023.

لكن كل ما شهده الجنوب في العقود الماضية لا يشبه ما يحصل اليوم بأي شكل من الأشكال، إذ تم بالفعل تهجير سكان أكثر من 50 بلدة ومدينة تقع جنوب نهر الليطاني وعشرات القرى والمدن شمال الليطاني، منها مدينة النبطية عاصمة المحافظة وأكبر مدن "جبل عامل" الإدارية والسكانية.

ومرد هذا النزوح الجماعي أو "التغريبة الجماعية" إلى استخدام إسرائيل قنابل وقذائف وصواريخ عالية التدمير و"زلزالية" نسفت أحياء بأكملها وتسببت في قتل وإصابة آلاف من سكانها فضلاً عن استهداف العابرين على الطرقات من سيارات ودراجات وشاحنات وتدمير للآلات والمعدات البنائية وهدم كلي وتجريف عشرات من القرى الحدودية في الحواف الأمامية والخلفية.

"التغريبة العاملية"

يشير الكاتب والباحث السياسي أكرم ناظم بزي، ابن مدينة بنت جبيل، إلى أن "النزوح بحد ذاته لم يكن صعباً إذ إن الجنوبيين تعودوا النزوح والتهجير منذ عام نكبة فلسطين في 1948 وحتى اليوم، إن كانوا يتنقلون من قرية إلى قرية أو من قضاء إلى قضاء أو من محافظة الجنوب إلى محافظة بيروت وغيرها من المحافظات والمدن والقرى اللبنانية، لكن ما يجري الآن من تنفيذ مشروع أساس سوقت له إسرائيل وقادتها منذ 1948 هو المخطط التوارتي التلموذي من أيام ديفيد بن غوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل ثم شددت عليه غولدا مائير (رئيسة وزراء إسرائيل بين 1969 و1974).

ويضيف المحلل بزي "الصعوبة الآن في ما يجري على الجنوبيين اللبنانيين هي الهدم المستمر وتدمير البنى التحتية والمنازل التي كلفت الجنوبيين جنى أعمارهم في اغتراب كان أشبه بـ’التغريبة العاملية‘ والكد المتواصل في الأرض وفي الوظائف المختلفة. هذه ’التغريبة العاملية‘ دليل على أن هناك معاناة في أماكن النزوح على رغم ما يتلقونه من دعم كبير من الجمعيات والهيئة العليا للإغاثة وبعض الدول الشقيقة للبنان، فهم بحاجة إلى مآوٍ (مأوى) إذ إن أعداداً كبيرة منهم وعائلات بأكملها لا تزال تفترش الطرقات في خيم من قماش وفي سياراتهم قرب الأرصفة، وهي خيم لا تستطيع أن تقيهم برد الشتاء وحر الشمس. هذا النزوح اليوم هو أصعب نزوح تعرض له أبناء الجنوب وأقسى تهجير جماعي في جميع المراحل وطوال الحروب الإسرائيلية التي لم تتوقف عليهم منذ 1948".

ظروف متفاقمة شتت العائلات

يقول الباحث بزي إن "الجنوبيين سوف يعودون إلى بلداتهم وقراهم ولكن بأسف شديد لن يجدوها كما كانت يوم غادروها، بل سيجدون ردماً فوق ردم وبيوتاً تحولت إلى تراب وبحص. هذا الأمر شتت العائلات الجنوبية في كل مكان يعتبر آمناً على امتداد الأراضي اللبنانية، فعائلتي أنا مثلاً، تسكن في عرمون (جنوب شرقي بيروت) وأخي في سوق الغرب وأخي الأصغر أقام معي مدة ثم وجد بيتاً في منطقة القنطاري (بيروت). سابقاً كنا ننزح كعائلة واحدة، لكن عائلتنا تضاعفت وصارت عائلات ولم يعد مكان واحد يتسع لها. ثمة عائلات كثيرة أعرفها تنتشر اليوم بين الجبل وبيروت وعرمون وخلدة وصولاً إلى شمال لبنان.

ويشكو بزي من "أسعار الإيجارات الجنونية والخيالية التي حولت هذا القطاع إلى تجارة رائجة وابتزاز بات يطاول النازحين، وعلى حساب طائفة بحد ذاتها تعرضت لهذه النكبة، مما أسهم في تشتت العائلات أكثر فأكثر بحثاً عن بيوت يستطيعون استئجارها بعدما باتوا بلا أعمال وصرفوا ما كان لديهم من مدخرات على أماكن نزوح مختلفة بسبب ما حصل من حروب وهُدن ومن ثم حروب وإنذارات متنقلة من منطقة إلى منطقة، إذ كانوا يلجأون إلى قرية بعيدة من الحدود قرب صيدا والزهراني على سبيل المثال، لكنهم سرعان ما كانوا ينزحون إلى مناطق أخرى بسبب التهديد والقصف اللذين طاولا القرى التي لجأوا إليها، مما فرّق شمل عائلاتهم أكثر وأكثر. جميع الأصدقاء ممن أصادفهم يتحدثون عن توزع عائلاتهم وأقاربهم في أكثر من منطقة ومكان"، كما يقول.

انحسار العلاقات الاجتماعية

ويوضح الباحث بزي أن "عدداً من أفراد العائلات الجنوبية شمال الليطاني وفي مدينة صور وجوارها الواقعة جنوب الليطاني آثروا البقاء في قراهم تحت الخطر والقصف إذ لا قدرات مالية لهم على النزوح، ورفضاً للذل والتجريح اللذين تعرضوا لهما أو يمكن أن يتعرضوا لهما خارج بيوتهم، فهم صمدوا على رغم الخطر والموت المحدقين بهم في أي وقت، ولذلك نسمع يومياً عن عائلات قضت بأكملها جراء الغارات وتحت الردم في مناطق النبطية وصور والزهراني التي لم تخلُ من السكان، وباتوا يتوزعون في الجنوب حيث الخطر المحدق وفي مناطق أخرى حيث الاستغلال والتجريح".

ويرى بزي أن "حدة العلاقات الاجتماعية المباشرة بين الجنوبيين، والنازحون منهم، في الأفراح والأتراح والمناسبات المختلفة والأعياد تراجعت بنسبة كبيرة بسبب تشتتهم في أكثر من مكان ومناطق متباعدة، أو بسبب الوضع الأمني وخطورة التنقل على الطرقات"، ويضيف "منذ مدة كنا في عزاء أحد ضحايا الحرب ببيروت، لم يستطع والده المشاركة في مراسم الجنازة إذ لم يغادر البلدة، وكان هناك حضور لافت لأبناء بنت جبيل، لكن، وقبل أن نتوجه إلى تعزية أسرته ومواساتها بعد الدفن، طُلب منا عبر مكبر الصوت ضرورة مغادرة باحة المقبرة فوراً لأن الوضع الأمني صعب جداً، وثمة تحليق لمسيرات إسرائيلية على علو مخفوض فوق المكان".

وعن تأثير النزوح المتكرر منذ مطلع السبعينيات في مدينة بنت جبيل، يقول بزي "لقد تعرض أبناء الجنوب إلى أكثر من تغريبة، ففي بنت جبيل وعدد كبير من قراها حصلت التغريبة الأولى عام 1978 إبان ’عملية الليطاني‘ واحتلال إسرائيل منطقة واسعة من القرى الحدودية وصولاً إلى نهر الليطاني، كان التهجير مقصوداً، إذ في أعقابه فتحت السفارة الأميركية لدى بيروت وكذلك الكندية أبوابهما ومنحتا تأشيرات السفر لعدد كبير من أبناء المنطقة كي يهاجروا وهذا ما حصل، هناك عائلات كثيرة سافرت إلى الولايات المتحدة الأميركية واستوطنت ميشغان وسميت بعض المناطق ببنت جبيل الثانية".

ويختم "أمس دمرت الغارات الإسرائيلية بيت أهلي في بنت جبيل من ثلاث طبقات، وبيت شقيقي من طبقتين، وبيت شقيقي الآخر رئيس البلدية، بيوتنا كلها دمرت في الحرب الأخيرة، إذا ذهبتُ بعد وقف الحرب إلى بنت جبيل كي أبكيها فقط، وإذا تمكنت من بناء بيت من جديد فهو لن يتعدى غرفتين أو ثلاثاً".

عائلات فرّقها الموت

لم يكن النزوح وحده عامل تفريق بين عائلات الجنوبيين، فثمة عائلات نزحت من بيوتها وأخرى آثرت البقاء، ولم ينج أفراد من هذه العائلات جراء نيران هذه الحرب، إما ببيوتهم في قراهم وبلداتهم، أو في أماكن النزوح.

ففي قرية عين الدلب شرق مدينة صيدا وخلال الـ29 من سبتمبر (أيلول) 2024 وبعد ستة أيام على بدء حرب الـ 66 يوماً أغارت الطائرات الإسرائيلية على مبنى مؤلف من ست طبقات (17 شقة)، لجأ إليه أكثر من 125 شخصاً من أصحاب الشقق وضيوفهم النازحين، أو إلى تلك الشقق الخالية فيه، ما أدى إلى سقوط حوالي 75 ضحية منهم، بينهم عائلات قضت بأكملها أو عائلات فقدت أربابها أو أبناءها.

وفي بلدة عربصاليم (النبطية- إقليم التفاح) أغارت الطائرات الحربية منذ يومين على مبنى فارس فرحات وابنيه إيهاب ويوسف المؤلف من ثلاث طبقات وسط البلدة، بمحاذاة مسجدها، مما أدى إلى سقوط إيهاب وزوجته حنان زيعور وطفليهما علي ويوسف، وأصيبت طفلتان لهما، إحداهما في وضع صحي حرج. أما شقيقه يوسف فأصيب بجروح بليغة مع زوجته وابنيهما الصبيان فيما أودت الغارة بابنتيهما زينب وبتول. وفي الطبقة السفلى من المبنى نجا الجد فارس فرحات من الموت لكنه أصيب بجروح متوسطة.

على رغم الغارات المتكررة على عربصاليم وسقوط عشرات الضحايا المدنيين فيها، في حرب الـ66 يوماً 2024 وفي الحرب الأخيرة، آثرت عائلات كثيرة البقاء في بيوتها تحت الخطر وعدم خوض تجارب النزوح المذلة التي لم تقِ أبناء البلدة من الخطر والموت الذي لاحقهم إلى حيث نزحوا.

ففي الأيام الأولى لحرب الـ66 يوماً، نزحت خلال الـ27 من سبتمبر 2024 عائلة محمود أمين شرارة من بلدة عربصاليم إلى منزل قريبتهم فريال حرب زوجة حسين هاشم في بلدة عين يعقوب (منطقة الجومة) في قضاء عكار شمال لبنان، ووصل عدد النازحين القاطنين في البيت المؤلف من طبقتين إلى 26 فرداً بينهم خمسة أفراد من عائلة سورية كانت تقيم في الطبقة السفلى منه.

وخلال الـ11 من نوفمبر أغارت الطائرات الإسرائيلية ليلاً على منزل هاشم فدمرته على من فيه وسوته بالأرض، وقضى تحت ركامه 11 فرداً من نازحي عربصاليم هم: محمود أمين شرارة (مواليد 1955)، مريم أمين شرارة (1959)، محاسن أمين شرارة (1962)، ماجدة أمين شرارة (1966). أمين محمود شرارة (1994)، أمل جميل شرارة (1994)، محمد أمين شرارة (2018)، محمود أمين شرارة (2019)؛ عقيل عبدو حرب (1992)، نيفين عبدو حرب (1994)، دارين عبدو حرب (1999) وصهرهم عبدالله حسن شقير (1966) إضافة أربعة أفراد من العائلة السورية وإلى أكثر من 10 مصابين.

وكانت الصبية جنى حسن من عربصاليم قصدت أقاربها في بيروت بعد طول بقاء تحت القصف على بلدتها، بيد أنها سقطت ضحية الغارة التي حصلت على منطقة مار الياس ليل الـ17 من نوفمبر 2024.

وخلال السبت الـ16 من نوفمبر 2024 أودت غارة إسرائيلية على حي اللبانة في عربصاليم، بحياة سبعة أفراد من عائلة خليل حطّاب هم: خليل وزوجته زينب موسى وابنه محمد وزوجته فاطمة غملوش وأطفالهما الثلاثة: خليل وبتول وعلي الرضا حطاب. وذكرت معلومات الأقارب في حينه أن عائلة خليل حطاب كانت قد نزحت إلى منطقة بشامون (شرق العاصمة بيروت) ثم عادت إلى البلدة في الليلة التي حدثت فيها الغارة القاتلة.

التهجير فرّق أبناء القرى

يقول طبيب الأطفال خليل السيد من عيترون (بنت جبيل) الملاصقة للحدود "في الحروب السابقة التي كانت تشنها إسرائيل على لبنان إلى تاريخ حرب ’الإسناد‘ لم تكن القرى الحدودية أو المستهدفة لتخلو من كامل سكانها، بل كانت هنا عائلات لا تترك بيوتها، وإن جرى نزوح ما فإلى أماكن قريبة، أما اليوم فهجرت هذه القرى بكاملها وشرد سكانها وأبعدوا خارج منطقة جنوب الليطاني ليشتتوا على كامل الأراضي اللبنانية. ثمة أصدقاء تحدثوا إلي من الشمال وآخرون من الجبل، ومن الشوف وعاليه، هناك نازحون من عيترون يقطنون اليوم في زغرتا (كسروان)، أسأل أحدهم عن ابن عمه فيجيب: ربما أصبح في الحمرا (بيروت). كان النزوح هذه المرة مؤثراً في مختلف الصعد، وفرّق الناس بعضها عن بعض، حتى داخل الأسرة الواحدة".

ويتذكر الطبيب السيد أن "أبناء عيترون يوم أغارت إسرائيل علينا عام 1967 نزح أهلنا إلى كونين القريبة من جارتنا بنت جبيل، اليوم كونين فلحها الإسرائيليون بعدما دمروا بيوتها. بعضهم كان ينزح إلى صريفا التي تبعد كيلومترات قليلة، أذكر وكنا صغاراً في مطلع السبعينيات كنا لا نزال في عيترون، هجرنا إلى كونين وبيت عمتي نزحوا إلى صريفا، ثم انتقلنا إلى بيروت، لكن كنا نعود فوراً أو بعد أيام قليلة، لكننا اليوم نستبعد العودة إلى قرانا في وقت قريب، وإن عدنا فإلى أي قرى سنعود بعدما فجرتها إسرائيل وجرفتها طوال حربها التي بدأت منذ عام 2023".

ويؤكد الطبيب السيد أن العلاقات الاجتماعية بين عائلات القرية الواحدة، ومع جيرانها وحتى في داخل الأسرة الواحدة تراجعت كثيراً. كان أبناء عيترون في ما مضى من الأعوام يتعاونون في كل شيء، حتى في صبّ سقف المنزل، اليوم يكاد الناس يتهاتفون بعضهم مع بعض، وإذا تهاتفوا ماذا سيقولون وجميعهم باتوا غارقين في مصائب الحرب ونتائجها المدمرة والقاتلة؟ حتى مناسبات الأفراح والزواج تراجعت كثيراً ليس بسبب الحرب وحدها وحسب، بل من قبلها جراء الأزمة المالية والمصرفية ثم وباء كورونا، إلى أن أتت الحرب لتطيح كل شيء. ولن نتحدث عن فساد السياسيين الملتهين بحروبهم الخاصة بعيداً من حرب احتلال الجنوب ومعاناة أهله وسكانه، وهم كأن شيئاً لا يحصل على الإطلاق".

بين ما كنا فيه وأصبحنا عليه

ظل الطبيب في مستشفى بنت جبيل الحكومي هاشم جابر يتنقل بين سكن عائلته الموقت بسبب النزوح في بيروت ومركز عمله في مدينة بنت جبيل عاصمة القضاء، حتى بات التنقل على طرقات الجنوب أشد خطورة وصار من يسير عليها هدفاً محتماً، فانتقل في الحرب الأخيرة كي يبقى إلى جانب عائلته في عرمون.

يقول "أقطن وعائلتي الصغيرة وشقيقتي وابن أخي وشقيقه، أي ثلاث عائلات في شقة فيها ثلاث غرف نوم، أي كل عائلة بغرفة. وفي بناية مجاورة تقطن ابنة اختي وعائلتها، وأخي الأكبر في بناية قريبة، وشقيق آخر في بلدة الشويفات القريبة من هنا، نلتقي بين الحين والآخر، لكن لا يمكن أن نتمتع بحرية كنا نحسد أنفسنا عليها بديارنا الفسيحة في قرانا الجنوبية. أما أهل بلدتنا بليدا (قضاء بنت جبيل) فتوزعوا في مختلف المناطق اللبنانية، ومن كان منهم على مسافة قريبة نتهاتف معه، بسبب عدم اتساع البيوت التي نزحنا إليها وانحسار معظمها في بنايات مكتظة، فإذا هدأت الأمور وعدنا وبقيت لنا بيوت يمكن لمن يقصدنا أن يعاين الفرق الشاسع بما كنا عليه وأصبحنا فيه بسبب الحرب المدمرة هذه".

ويضيف "الأمور صعبة جداً، وليس سهلاً أن نقضي العمر هكذا، معرضين للنزوح كل مدة من الزمن، كنت طفلاً صغيراً يوم نزحنا أول مرة بسبب حرب الـ1967، ثم في السبعينيات وصولاً إلى الثمانينيات، فالتسعينيات، وفي 2006 ومنذ حرب 2023، ويوم كنا ننزح، كانت القرى المجاورة ملجأنا، نلجأ إلى بيئة تشبه بيئتنا بكل شيء، وتبعد عن الحدود كيلومترات قليلة، وكنا نعتبرها آمنة، اليوم نحن في حال نزوح مستمر، ومعرضون بأي وقت للاستهداف على الطرقات اللبنانية وفي أي منطقة من لبنان، فالخطر يلاحقنا حتى في النزوح، وثمة عائلات كبيرة نزحت من الجنوب وقضت بغارات في بيروت ومناطق أخرى".

شهد لبنان في السنوات الماضية موجات نزوح جماعية بسبب الحرب (أ ف ب)
شهد لبنان في السنوات الماضية موجات نزوح جماعية بسبب الحرب (أ ف ب)


رجل نازح مقعد داخل خيمة النزوح في لبنان (أ ف ب)
رجل نازح مقعد داخل خيمة النزوح في لبنان (أ ف ب)


يؤكد كثيرون أن لبنان لم يشهد دماراً مماثلاً لما يحصل في الحرب الحالية (أ ف ب)
يؤكد كثيرون أن لبنان لم يشهد دماراً مماثلاً لما يحصل في الحرب الحالية (أ ف ب)


تعليقات: