علي فاعور: من القرى السبع إلى ما وراء الليطاني


الحدود والتهجير وإعادة تشكيل الجنوب

مقدمة

لم يكن جنوب لبنان، عبر تاريخه الحديث، مجرد خط حدودي يفصل بين لبنان وفلسطين المحتلة، بل كان مجالاً مفتوحاً لتحولات جغرافية وسكانية متكررة، بدأت مع إعادة رسم الحدود في مرحلة الانتداب، ومرّت باقتلاع القرى السبع وتهجير سكانها عام 1948، ثم بالاجتياحات الإسرائيلية والأحزمة الأمنية، وصولاً إلى الواقع الراهن الذي يبرز فيه ما يُعرف بـ«الخط الأصفر» بوصفه مؤشراً إلى محاولة جديدة لإعادة تنظيم الجنوب.

من القرى السبع إلى ما وراء الليطاني، يبدو الجنوب كأنه يعيش تاريخاً متكرراً من الاقتلاع والعزل والتدمير. فما جرى في الماضي من تغيير للحدود والأسماء والهوية المكانية، يتقاطع اليوم مع اعتداءات 2024–2026، حيث تتعرض القرى الحدودية للتدمير والإخلاء، ويُدفع سكانها إلى نزوح طويل، فيما يُعاد تقسيم الجنوب إلى مناطق متفاوتة من حيث الأمن والحركة والاستقرار.

القرى السبع وبدايات التحوّل الحدودي

شكّل ترسيم الحدود بين الانتدابين الفرنسي والبريطاني عام 1923 نقطة تحوّل أساسية في تاريخ الجنوب اللبناني، إذ أدى إلى فصل عدد من القرى المرتبطة اجتماعياً واقتصادياً بلبنان عن امتدادها الطبيعي، وإلحاقها بفلسطين الواقعة تحت الانتداب البريطاني. وقد عُرفت هذه القرى لاحقاً بـ«القرى السبع»، وهي: هونين، وصلحا، وتربيخا، والمالكية، وقدس، وآبل القمح، والنبي يوشع ( الخريطة المرفقة).

ورغم انتقال هذه القرى إلى المجال الفلسطيني الانتدابي، بقي سكانها يرتبطون بلبنان عبر الروابط العائلية والأسواق والحياة اليومية، قبل أن تؤدي نكبة 1948 إلى اقتلاعهم وتهجيرهم نحو الداخل اللبناني، ولا سيّما إلى بنت جبيل والنبطية وقرى الحافة الحدودية. ولم يقتصر التحول على فقدان الأرض والسكان، بل شمل أيضاً تغيير الأسماء العربية للقرى ودمجها ضمن المجال الإسرائيلي الجديد، حيث تحولت: هونين إلى مرغليوت (Margaliot)، والمالكية إلى مالكيا (Malkiya)، والنبي يوشع إلى راموت نفتالي (Ramot Naftali)، وآبل القمح إلى يوفال (Yuval)، وتربيخا إلى شوميرا (Shomera) ، فيما أُعيد دمج مناطق أخرى ضمن مستوطنات إسرائيلية جديدة مثل أفيكيم وشومرا ويفتاح (Yiftah) وقدس، وغيرها، وذلك في سياق إعادة تشكيل الحدود والهوية المكانية معاً.

وتكشف خرائط تلك المرحلة أن الجنوب اللبناني كان منذ بدايات القرن العشرين جزءاً من صراع يتجاوز الحدود المباشرة، ليرتبط أيضاً بالمياه والموقع الجغرافي. فقد برز نهر الليطاني مبكراً ضمن التصورات المرتبطة بالمشروع الصهيوني، باعتباره مورداً استراتيجياً في منطقة تعاني أساساً من محدودية الموارد المائية.

ومن هنا، لم يكن الجنوب مجرد هامش حدودي، بل مجالاً تتقاطع فيه الاعتبارات الأمنية والديموغرافية والمائية في آن واحد. وبذلك، فإن قضية القرى السبع لا تُقرأ فقط كحادثة تاريخية مرتبطة بالنكبة، بل كبداية لمسار طويل من التحولات التي ساهمت في تفكيك المجال القروي، حيث تداخلت إعادة رسم الحدود بالتهجير وتغيير المكان والسكان..

من الشريط الحدودي إلى الخط الأصفر.

لم تتوقف التحولات التي شهدها جنوب لبنان عند حدود نكبة 1948 واقتلاع القرى السبع، بل دخل الجنوب منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين مرحلة جديدة من إعادة رسم المجال الجنوبي، مع سلسلة الاجتياحات والعمليات العسكرية الإسرائيلية المتعاقبة. فقد شكّلت «عملية الليطاني» عام 1978 بداية التوغل العسكري الواسع داخل الجنوب، قبل أن يتوسع الاجتياح عام 1982 تحت اسم «عملية سلامة الجليل»، التي أدت إلى احتلال مساحات واسعة من لبنان ووصول القوات الإسرائيلية إلى بيروت.

وخلال التسعينيات، تواصلت العمليات العسكرية عبر «عملية تصفية الحساب» عام 1993 ، و«عملية عناقيد الغضب» عام 1996، في سياق تكريس واقع أمني مضطرب في الجنوب، تخللته الاعتداءات المتكررة والقصف الواسع وحالات النزوح الجماعي، وصولاً إلى الانسحاب الإسرائيلي عام 2000،واعتماد ما عُرف لاحقاً بـ خط الانسحاب، أو «الخط الأزرق» بإشراف الأمم المتحدة.

ورغم الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، لم تنتهِ الإشكالات المرتبطة بالحدود الجنوبية، إذ بقيت: النقاط المتنازع عليها، ومزارع شبعا، وتلال كفرشوبا، والخط الأزرق، بمثابة عناصر دائمة في التوتر الحدودي، إلى جانب استمرار الاعتداءات الجوية والبرية والاختراقات المتكررة، ما أبقى الجنوب في حالة استنزاف أمني مزمن.

لكن التحوّل الأبرز ظهر مع اعتداءات 2024–2026، فإلى جانب المنطقة الحدودية المباشرة التي تعرّضت للتدمير والإخلاء ومنع العودة، برز ما يُعرف بـ «الخط الأصفر» بوصفه خطاً ميدانياً جديداً يفصل بين: منطقة حدودية شبه مغلقة جنوباً، ومنطقة واقعة بين الليطاني والخط الأصفر، خاضعة للضغط الأمني والإخلاءات الجزئية شمالاً.

ويكشف هذا الواقع أن الجنوب لم يعد مجرد منطقة حدودية تتعرض لاعتداءات ظرفية، بل أصبح مجالاً يُعاد تنظيمه تدريجياً عبر: التدمير، ومنع العودة، والتحكم بالحركة، وتوسيع مناطق الضغط السكاني.

ومن هنا، يبدو «الخط الأصفر» امتداداً جديداً لمسار طويل من إعادة تغيير وظيفة الحدود، بدأ مع ترسيمات الانتداب والقرى السبع، ثم الأحزمة الأمنية والاحتلال، ليصل اليوم إلى واقع جغرافي–أمني أكثر تعقيداً تتداخل فيه الحدود بالحرب والنزوح وإعادة توزيع السكان.

الحرب وإعادة تشكيل الجنوب

تكشف اعتداءات 2024–2026 أن الجنوب اللبناني دخل مرحلة جديدة تتجاوز المواجهات الحدودية التقليدية، حيث لم تعد العمليات العسكرية تقتصر على استهداف مواقع محددة أو بنى عسكرية، بل باتت تطال المجال الجنوبي نفسه عبر التدمير الواسع والإخلاء المتكرر ومنع العودة. وتُظهر الخرائط الميدانية أن القرى الواقعة على طول الشريط الحدودي، من الناقورة غرباً حتى الخيام والوزاني شرقاً، تعرضت لعمليات تدمير ممنهجة طالت: المساكن، والبنية الزراعية، وشبكات الطرق والجسور، ومصادر العيش المحلية.

وفي هذا السياق، لم يعد النزوح مجرد حركة مؤقتة مرتبطة بالحرب، بل تحول تدريجياً إلى عنصر أساسي في إعادة تنظيم الجنوب. فمع استمرار الغارات والإنذارات وتوسّع المناطق غير الآمنة، أُجبر عشرات آلاف السكان على مغادرة قراهم، فيما بقيت مناطق واسعة من الحافة الحدودية شبه خالية من سكانها، وسط صعوبات متزايدة أمام العودة وإعادة الإعمار.

ويعكس هذا الواقع تحوّلاً في وظيفة الحرب نفسها، إذ لم تعد تقتصر على المواجهة العسكرية المباشرة، بل باتت تؤدي إلى تفكيك المجال القروي الجنوبي وعزل القرى الحدودية عن عمقها الاجتماعي والاقتصادي. فالقرى التي شكّلت تاريخياً امتداداً زراعياً وبشرياً متصلاً، باتت تواجه: انقطاع الحركة، وتراجع النشاط الزراعي، وتدمير البنية السكنية، وتفكك شبكات الحياة اليومية.

وفي موازاة ذلك، يتزايد الضغط على المدن والمراكز الحضرية التي استقبلت موجات النزوح، ولا سيما في صور والنبطية والضاحية الجنوبية لبيروت، حيث تتداخل الأعباء الاقتصادية والاجتماعية مع أزمة لبنانية داخلية عميقة أساساً. وهكذا، لم تعد الحرب تقتصر على القرى الحدودية، بل باتت تنتج آثاراً تمتد إلى البنية الاقتصادية والسكانية للبنان ككل.

وهي تكشف في الوقت نفسه عن مرحلة أكثر تعقيداً، تقوم على: التدمير، والنزوح، والتحكم بالحركة، وإضعاف الاستقرار السكاني طويل الأمد.

خاتمة

من القرى السبع التي اقتُلعت عام 1948، الى اتفاق الهدنة والخط الأخضر عام 1949، إلى الشريط الحدودي عام 1978، ثم إلى الخط الأزرق عام 2000، والخط الأصفر عام 2026، يبدو جنوب لبنان وكأنه يعيش منذ أكثر من قرن سلسلة متواصلة من التحولات المرتبطة بالحدود والمياه والاحتلال والتهجير. فما تغيّر لم يكن فقط خطوط السيطرة، بل أيضاً وظيفة المجال الجنوبي نفسه، وعلاقته بالسكان والقرى والموارد والعمق اللبناني.

وتكشف اعتداءات 2024–2026 أن الاعتداءات الراهنة لم تعد تنتج دماراً ظرفياً فحسب، بل باتت تترك آثاراً عميقة تطال البنية السكانية والعمرانية والاقتصادية للجنوب، عبر التدمير والإخلاء ومنع العودة وتوسيع مناطق الضغط وعدم الاستقرار. وفي ظل استمرار هذه التحولات، يواجه الجنوب مرحلة مفتوحة على إعادة رسم العلاقة بين الحدود والسكان والمكان، وسط مخاوف متزايدة من تحوّل النزوح المؤقت والتدمير الواسع إلى واقع طويل الأمد يعيد تغيير المشهد الجغرافي والبشري للجنوب اللبناني.

الدكتور علي فاعور، رئيس مركز السكان والتنمية، وعضو المجلس الوطني للبحوث العلمية

الدكتور علي فاعور، رئيس مركز السكان والتنمية، وعضو المجلس الوطني للبحوث العلمية
الدكتور علي فاعور، رئيس مركز السكان والتنمية، وعضو المجلس الوطني للبحوث العلمية


تعليقات: