نضال عيسى: حين يتحوّل الخوف إلى جدار، قرى جنوبية تخلط بين الحماية والقطيعة

نضال عيسى - ناشط سياسي
نضال عيسى - ناشط سياسي


منذ حرب 2024 وتصاعد الأشتباكات على الحدود، أتخذت بعض القرى في جنوب لبنان إجراءات أستثنائية تحت عنوان (ضبط الدخول والخروج). الهدف المعلن كان حماية القرية من دخول مقاومين، وحماية الأهالي من أي أختراق أمني حتى لا يتم أستهدافهم .

لكن الإجراءات تجاوزت في بعض الحالات منع الغرباء، لتشمل منع من كانوا يقيمون في القرية منذ سنوات من غير أهلها الأصليين، عمال، طلاب، عائلات نازحة من قرى مجاورة دُمّرت منازلها. أُغلقت أمامهم بيوت استأجروها لسنوات، ومُنعوا من العودة حتى لجمع أغراضهم.

المشكلة ليست في حق أي مجتمع محلي بالحفاظ على أمنه. المشكلة في الشكل الذي أتخذته هذه الإجراءات.

لقد تم الخلط بين الأنتماء السياسي والموقف من العدو.

والغريب أصبحت القرابة والأنتماء العائلي معياراً وحيداً للأمان. وهذا يحوّل العلاقة من (حسن جوار) إلى فحص نسب على الحواجز.

الجنوب الذي عُرف بالتكافل بين قراه أثناء الأجتياحات، أصبح في بعض الأماكن مسرحاً لطرد وتشهير بمَن كان بالأمس جاراً وشريكاً في الخبز والملح.

الأخطر أن بعض الحالات شهدت استنجاداً بجهات خارج إطار الدولة لحسم الخلافات، تحت مبرر (لا أحد يحمينا غيرنا).

وهذا يفتح باباً خطيراً، أن يصبح العدو المؤقت حليفاً لحسم خلاف داخلي.

العلاقة بين القرى في الجنوب لم تُبنَ على أتفاقات رسمية، بل على شبكة مصاهرة، شراكة زراعية، وسوق مشتركة. عندما تُقطع هذه الشبكة بقرار أحادي، لا يتضرر فقط من طُرد اليوم، بل تتضرر الذاكرة الجمعية للمنطقة كلها.

من ذهب بعيداً في حقده ونسي أن العدو لا يبقى، سيدفع ثمن عزلته غداً. لأن الحرب تنتهي، والمستوطن ينسحب، لكن الجار يبقى. وإذا بنيت علاقتك مع القرى المجاورة على الإذلال والأستقواء، فلا تستغرب إذا وجدت نفسك وحيداً عندما تحتاج إلى من يفتح لكَ طريقه وقت الخطر القادم.

لا أحد يطلب من القرى فتح أبوابها بلا ضوابط في زمن هش أمنياً. لكن الفرق بين (الضبط) و(القطيعة) هو دور الدولة والقانون، عبر الجيش والقوى الأمنية، لا عبر حواجز أهلية تتحول إلى ممالك صغيرة.

المحاسبة تكون على الفعل، لا على اسم العائلة أو مكان الولادة.أو الأنتماء السياسي. تاريخ الجنوب قام على أن القرى تحمي بعضها، لا على أن كل قرية تصبح جزيرة محاصرة بجيرانها.

الحرص مبرر، لكنه إذا تحول إلى عقيدة، يتحول إلى سلاح يدمّر صاحبه قبل غيره. العدو يراهن على أن اللبنانيين سيقتلون بعضهم بالشك قبل أن يطلق رصاصة واحدة.

القرى التي تظن أنها تحمي نفسها اليوم بمنع الآخرين، قد تكتشف غداً أنها منعت عن نفسها الجار الذي كان سيحمل سلاحه إلى جانبها.

العدو زائل، والجغرافيا باقية.

وعلى العقلاء ببعض هذه القرى أن يتنبهوا لهذه التصرفات المليشياوية اللحدية وضبضبة الزعران الذين يسيؤون لحسن الجوار ولا يحمون قراهم بل يبنون الحقد مع جيرانهم . العلاقة بين القرى يجب أن تُبنى على ما يبقى، لا على ما يزول

نضال عيسى / ناشط سياسي

تعليقات: