الشاعرة أحلام محسن زلزلة: شاعِرٌ وَمُقاتِلْ

الأديبة والشاعرة أحلام محسن زلزلة: خِيَامُ.. يَا سَيِّدَةَ القُرَى، هَلْ مَا زِلْتِ تَحْمِلِينَ رَائِحَةَ الزَّعْتَرِ وَأَصْوَاتَ الحَصَادِ وَالمَنَاجِلْ؟
الأديبة والشاعرة أحلام محسن زلزلة: خِيَامُ.. يَا سَيِّدَةَ القُرَى، هَلْ مَا زِلْتِ تَحْمِلِينَ رَائِحَةَ الزَّعْتَرِ وَأَصْوَاتَ الحَصَادِ وَالمَنَاجِلْ؟


خِيَامُ..

أَنَا آخِرُ النَّاجِينَ مِنْ حَرِيقِ الطُّفُولَةِ،

أَحْمِلُ فِي صَدْرِي دُخَانَ البُيُوتِ،

وَأَصْوَاتَ الرَّكْضِ فِي الأَزِقَّةِ،

وَمِفْتَاحَ بَيْتٍ.. بِالصَّدَأِ مُتَآكِلْ.

أَيْنَ ذَاكَ الصَّبِيُّ الَّذِي كَانَ يَسْبِقُ ظِلَّهُ؟

مَنِ الَّذِي عَلَّمَهُ الخَوْفَ

بَعْدَمَا كَانَ يُطَارِدُ الذِّئَابَ بَيْنَ الحِجَارَةِ وَالأَسْلَاكِ،

وَيَصْنَعُ دُمَىً مِنْ شَظَايَا القَنَابِلْ؟

فِي المَنْفَى..

نَقْرَأُ أَخْبَارَكِ بِدُمُوعِ الشَّوْقِ،

وَنَكْتُبُ اسْمَكِ بِالطَّلِّ عَلَى زُجَاجِ الحَوَافِلْ.

أَنَا تَائِهٌ..

سَقَطَ وَجْهِي عَلَى أَعْتَابِكِ عِنْدَ الرَّحِيلِ،

فَلُذْتُ بِمِعْطَفٍ تَوَهَّمْتُهُ صَيْفاً،

فإذا بِه ثَلْجٌ قَاتِلْ.

كَمْ نِمْنَا عَلَى أَشْوَاقِكِ

حَتَّى صِرْنَا نُشْبِهُ أَنْقَاضَ المَنَازِلْ.

أَيْنَ يَدَاكِ أُمِّي فِي غُبَارِ الطَّحِينِ..

وَهِيَ تَعْجِنُ الفَجْرَ،

وَتَخْبِزُ الشَّمْسَ أَرْغِفَةً لِلْقَوَافِلْ؟

هَلْ مَا زَالَ ثَوْبُكِ المُعَلَّقُ عَلَى حَبْلِ الرَّيْحِ

عُشَّاً لِلطُّيُورِ

تَتَرَاقَصُ ظِلالُهُ عَلَى غِنَاءِ العَنَادِلْ؟

يَا سَيِّدَةَ القُرَى،

هَلْ مَا زِلْتِ تَحْمِلِينَ رَائِحَةَ الزَّعْتَرِ

وَأَصْوَاتَ الحَصَادِ وَالمَنَاجِلْ؟

يَا طُفُولَتِي المَكْسُورَةَ،

كَمْ مَرَّةً سَرَقُوا مِنْ جُيُوبِي العَصَافِيرَ،

وَبَقِيتُ أَرْسُمُ عَلَى جِدَارِ المُعْتَقَلِ

بَاباً كَبِيرًا وَشُبَّاكاً يُطِلُّ عَلَى البَحْرِ،

لِيَقُولَ لِلسَّجَّانِ:

شَمْسُنَا أَكْبَرُ مِنَ السَّلَاسِل.

قَلْبِي كَمَرْجِكِ.. حَقْلٌ يُطَارِدُ الشَّمْسَ،

وَقُبُلَاتِي عَلَى سَهْلِكِ أَزْهَرَتْ سَنَابِلْ.

لَكِنَّنِي عُدْتُ..

عُدْتُ كَفِكْرَةٍ نَاقِصَةٍ،

أَهْوِي بِمَا تَبَقَّى مِنِّي أَمَامَ حَشْدِ الدّخانِ الهَائِلْ.

فَيَا غُبَارَ الطَّرِيقِ،

قَبِّلْ نِعَالَ السَّائِرِينَ نَحْوَ الخِيَامِ

فَخُطَاهُمْ هِيَ التَّارِيخُ،

وَهِيَ الجِدُّ فِي زَمَنِ المَهَازِلْ.

أَنَا مِنْ قَوْمٍ إِذَا احْتَرَقَتْ بُيُوتُهُمْ

زَرَعُوا فَوْقَ الرَّمَادِ اللُّؤْلُؤَ وَحَناجِرَ البَلَابِلْ.

دَرْدَارَةَ الهَوَى..

مَا زَالَ مَاؤُكِ يَحْفَظُ وَجْهِي،

كُلَّمَا انْحَنَيْتُ عَلَيْهِ رَأَيْتُ طِفلاً

يَرْمِي رَسَائِلَ العِشْقِ فِي الجَدَاوِلْ.

خِيَامُ.. أَعِيدِينِي

فِكْرَةً تُحِيلُ ثُقُوبَ الرَّغِيفِ نُجُوماً،

أَوْ غُصْناً يَغْفُو فِي حِجْرِ تِينَةٍ عَتِيقَةٍ.

دُسِّي أَصَابِعِي فِي تُرْبِكِ لِتُورِقَ قَصَائِدَ وَمَنَازِلْ.

أُرِيدُ صَبَاحاً بِلَا صَفَّارَاتٍ،

وَأُمّاً لَا تَخَافُ عَلَى أَوْلَادِهَا مِنَ اللَّيْلِ،

وَوَطَناً لَا يَعْتَذِرُ عَنْ وُجُودِهِ بِلَا مُقَابِلْ.

فَمَا زَالَ فِي عُرُوقِي نَهْرُ قَمْحٍ وَرَعْدٌ أَخْضَرُ،

وَمِنْ فَيْضِ هَوَايَ تَنَفَّسَ الرُّكَام...

فَالحَجَرُ فِي يَدِي:

شَاعِرٌ.. وَمُقَاتِلْ!

الأديبة والشاعرة أحلام محسن زلزلة

البلد: لبنان (الخيام)

تعليقات: