روسية تعشق المقاومة والتحرير: ليتني معهم في الميدان!

يتحرك ناس الضاحية في محيط مثقل بالذكريات، يتمسكون بحواف ما تبقى من بيوتهم(مصطفى جمال الدين)
يتحرك ناس الضاحية في محيط مثقل بالذكريات، يتمسكون بحواف ما تبقى من بيوتهم(مصطفى جمال الدين)


في الذكرى السادسة والعشرين لـِ "عيد المقاومة والتحرير"، لا يمرّ الشريط المصوّر العابر من أزقة الضاحية الجنوبية لبيروت كأرشيف بارد، بل يتدفق كنزيفٍ حارّ يتقاطع فيه النسيان مع الذاكرة، ويصطدم فيه فرح الأمس الأسطوري بانكسار الحاضر المثقل بالرماد.

ليس العبور في شوارع الضاحية الجنوبية اليوم نزهةً في جغرافيا الانتصار، بل هو مواجهة ميدانية مباشرة مع مشاعر الفقد والترميم النفسي اليومي. الأبنية هنا ليست مجرد إسمنت وقضبان حديدية ملتوية، بل هي شواهد حيّة ومثقلة بآثار حربٍ تقضم الهياكل العمرانية وتترك الشوارع غارقة في هدوء حذر. بين جدارٍ متصدع وآخر استحال ركاماً، يتحرك ناس الضاحية في محيط مثقل بالذكريات، يتمسكون بحواف ما تبقى من بيوتهم، ويحملون في حقائب نزوحهم غير المعلن حنيناً لأيام استقرار بائد، يوم كانت للمكان ملامحه المألوفة وألفته الاجتماعية المعيشة.

محمد ابن الخيام، وعلي وأسئلة الفقد

في هذا الفضاء المشحون، تصدح نبرة محمد، ابن بلدة الخيام الحدودية، لتختزل واقعاً يتجاوز البكائية التقليدية نحو مواجهة جافة ومباشرة مع خسارة جنى العمر. الخيام بالنسبة له ليست مجرد نقطة على الخريطة أو مسقط رأس، بل هي الديار التي تُهدم ويُعاد بناؤها في وعيه وذاكرته مراراً. وفي حديثه لـِ "المدن"، يقول محمد بلكنة جنوبية حادة ومعجونة بالمرارة الميدانية: "الخيام ضاعت.. نُسفت كلها، حتى بيوتنا راحت".

في هذا التوصيف يتجاوز الحجر قيمته العقارية ليصبح امتداداً للجسد وللذات التي عانت تحت القصف المتواصل. لكن، وفي ذروة الخسارة المادية وظلام الركام، يبرز العناد الجنوبي كآلية صمود حتمية. فهذا الرجل الذي فقد سقفه وجدرانه، يصرّ في حديثه لـِ "المدن" على أن" النبض للحياة والروح هو الجنوب".

أما علي، ابن بلدة حداثا، فيأخذ سردية الفقد إلى أبعادها السياسية الأوسع. فالبيت في نظره ليس مجرد ملجأ يقيه التقلبات الجوية، بل تحوّل بحسب تعبيره إلى "انطلاقة لتحرير القدس". وهي إشارة تعكس تحولاً بنيوياً في الوعي الجمعي في القرى الحدودية، حيث يجري ربط الخسارة الشخصية المباشرة بالقضايا الإقليمية الكبرى، في محاولة واضحة لمقاومة فكرة الهزيمة والافتراس الوجودي الذي يمارسه الاحتلال.

روسية تنتمي إلى الضاحية

بين ثنايا هذه الشقوق والندوب اللبنانية، تبرز قصة غالينا وهبة، المرأة الروسية التي غادرت بلادها في تسعينيات القرن الماضي لتستقر في تفاصيل بيروت الفوضوية وتجعل من الضاحية الجنوبية بيتاً ومصيراً لها. لم تكن غالينا مجرد مقيمة أجنبية، بل أصرّت على السكن في قلب هذا الفضاء المقاوم واشترت بيتاً فيه، لتخوض مع أهله محطات السلم الهش والحروب المتلاحقة، من عدوان "عناقيد الغضب" في العام 1996، مروراً بمناوشات العام 2002، وحرب تموز 2006، وصولاً إلى جحيم الحرب الدائرة منذ العام 2024.

في حديثها، تسرد غالينا تفاصيل ارتباكها الوجداني الأول حين صعدت إلى الجنوب في أيار العام 2000 عقب التحرير مباشرة. تذكر كيف دخلت إلى "معتقل الخيام" الشهير، وكيف عاينت زنازينه وأدوات التعذيب التي تركها الاحتلال وراءه، قائلة إن مشهد الوجع والألم هناك "وجع لها قلبها" وترك غصّة لم تندمل.

وتضيف غالينا لـِ "المدن" بنبرة تخلو من المواربة: "أنا أحب رجال المقاومة، ويا ليتني أستطيع أن أكون معهم في الميدان". وحين يسألها السائل: "كم عمرك في لبنان؟"، تجيب بلكنة روسية مطعّمة بعبارات محلية تختصر عقوداً من العيش والمصير المشترك: "منذ التسعينات.. عشت كل الحروب، وتجرعت كل شيء". هذا الانتماء المكتسب لغالينا يفكك المفاهيم الإدارية الضيقة للمواطنة. فالروسية التي بكت مع العائدين إلى أراضيهم باتت جزءاً من الذاكرة الجماعية للمكان. وهي اليوم تختزل غربة مزدوجة، تتابع أخبار الجنوب من خلف الشاشات، بانتظار لحظة هدوء تعيدها إلى الأرض التي أحبتها وقررت ألا تخرج منها أبداً.

مفارقة أيار: انقسام بين زمنين

تتجلى واقعية المشهد المعقد في المفارقة الشعورية الحادة التي يعيشها الإنسان الجنوبي اليوم. هو معلّق قانونياً وزمنياً بين محطتين: محطة العام 2000، حيث نشوة العودة الفورية والتحرير الناجز، ومحطة الحرب المستمرة منذ تشرين الأول 2023 (حرب الإسناد)، حيث يفرض الاحتلال الإسرائيلي سياسة تدمير ممنهجة وقضم مستمر للقرى والبلدات الأمامية.

تأتي الذكرى هذا العام أكثر قسوة وثقلاً؛ فالأرض التي جرى تحريرها بالأمس تتعرض اليوم لعملية تجريف ومحو جغرافي دامٍ. وأمام هذا التدمير الفيزيائي المباشر، يمارس الجنوبيون سلوكاً واقعياً مشحوناً بالرمزية: يحملون مفاتيح بيوتهم داخل قلوبهم. لم يعد المفتاح هنا أداة مادية لفتح باب قد نُسف بالفعل، بل تحوّل إلى مستند رسمي غير مكتوب يثبت حق العودة والتمسك بالأرض، حتى لو تحولت بفعل آلة الحرب إلى ركام مسوّى بالتراب. إنها جدلية الهدم والوجود المستمرة التي تطلّ برأسها مع كل أيار في لبنان.

تعليقات: