خليل كاعين: الاغتيال السياسي وسقوط وهم الحل السريع

الدكتور خليل كاعين: الاغتيال السياسي تعبير عن عجز السياسة عن إنتاج حلول داخل إطارها الطبيعي
الدكتور خليل كاعين: الاغتيال السياسي تعبير عن عجز السياسة عن إنتاج حلول داخل إطارها الطبيعي


يبقى الاغتيال السياسي من أكثر الظواهر التي تكشف هشاشة العمل السياسي حين ينزاح عن مساره الطبيعي. فبدل أن تحسم الخلافات عبر المؤسسات والقانون، يلجأ إلى العنف كاختصار خطير لمسارات معقدة. غير أن التجربة التاريخية، في منطقتنا وفي العالم، تظهر أن هذا الاختصار لا يقود إلى حلول، بل غالبا ما يفتح أبوابا أوسع من الفوضى والانقسام. من هنا تأتي أهمية التأمل في هذه الظاهرة، لا من باب السرد التاريخي فقط، بل من زاوية فهم أثرها على الدول والمجتمعات.

نحزن على كل رئيس أو زعيم يقتل اغتيالا، مهما كانت المواقف أو الخلافات السياسية حوله. فالشعوب وحدها من يملك حق تقرير مصيرها، وهي المسؤولة عن اختيار قادتها أو محاسبتهم أو تغييرهم عبر الوسائل الدستورية والقانونية. ولا يحق لأي جهة، داخلية كانت أم خارجية، أن تنصب نفسها قاضيا وجلادا في آن واحد فتقرر إنهاء حياة رئيس أو زعيم وطني.

فالاغتيال السياسي لم يكن يوما حلا للأزمات، بل غالبا ما أدخل الأوطان في دوامات من الانقسام والفوضى والعنف، وفتح أبوابا يصعب إغلاقها، وترك آثارا تتجاوز الشخص المستهدف إلى بنية الدولة والمجتمع ومفهوم الشرعية نفسه.

ولعل التاريخ الحديث يقدم شواهد عديدة على ذلك. فقد شكل اغتيال جون ف. كينيدي عام 1963 صدمة كبرى داخل الولايات المتحدة، وفتح بابا طويلا من الجدل السياسي ونظريات المؤامرة وأزمة الثقة بالمؤسسات.

كما أن اغتيال أنور السادات عام 1981 جاء في سياق انقسام داخلي حاد حول مسار السلام، وأدى لاحقا إلى تشديد القبضة الأمنية وتراجع الانفتاح السياسي بدل أن يغلق ملفات الخلاف.

وفي لبنان، كان المشهد أكثر تعقيدا وتشابك. فقد شكل اغتيال أنطون سعادة عام 1949 محطة مبكرة ومفصلية في تاريخ الانقسامات السياسية والفكرية في لبنان، وجاء في سياق محاكمة عسكرية سريعة عقب اتهامه بمحاولة انقلاب، ولا يزال حتى اليوم موضوعا جدليا يعكس عمق الانقسامات الفكرية والسياسية في المنطقة.

ثم جاء اغتيال كمال جنبلاط عام 1977 ليزيد من تعقيد الحرب الأهلية اللبنانية، لما مثله من ثقل سياسي وفكري، وقد ساهم في تعميق الانقسام في مرحلة شديدة الحساسية.

كما شكّل اغتيال بشير الجميل عام 1982 ضربة إضافية لمسار الدولة في قلب الحرب.

ولا يمكن تجاهل اغتيال رينيه معوض عام 1989، الذي جاء بعد أيام قليلة من انتخابه في لحظة كان يُفترض أن تؤسس لمرحلة ما بعد الحرب، لكنه بدل ذلك عمق الشكوك حول إمكانية الانتقال السلمي.

أما اغتيال رفيق الحريري عام 2005 فقد مثّل زلزالا سياسيا واسعا أعاد رسم التوازنات الداخلية وأدخل البلاد في مرحلة طويلة من الاستقطاب والانقسام. وفي السياق اللبناني، لا يمكن إغفال أن هناك اغتيالات لا تعد ولا تحصى، كثير منها اتخذ طابعا إقصائيا، استهدف شخصيات سياسية وفكرية ذات ثقل في محاولة لإعادة تشكيل التوازنات الداخلية أو تعطيل مسارات سياسية كاملة، ما جعل الاغتيال في بعض المراحل أداة ضمن صراع أوسع على طبيعة الدولة وهويتها.

وفي المنطقة والعالم، شكّل اغتيال إسحق رابين عام 1995 ضربة قاسية لمسار التسوية، إذ أوقف زخما سياسيا كان يسعى لفتح أفق جديد في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.

كما أن مقتل معمر القذافي عام 2011 خلال الحرب الليبية لم يؤد إلى استقرار الدولة، بل فتح مرحلة طويلة من الفوضى وتعدد مراكز القوة وانهيار المؤسسات.

وكذلك انتهت حياة علي عبد الله صالح عام 2017 في خضم حرب أهلية معقدة، دون أن يفضي ذلك إلى إنهاء الصراع، بل استمرت حالة التفكك والانقسام.

وفي حالة أخرى مختلفة، شهدت الساحة الدولية أشكالا من التدخل والضغط السياسي غير المباشر، كما في حالة نيكولاس مادورو الذي واجه خلال السنوات الماضية عقوبات اقتصادية وضغوطا سياسية ودبلوماسية من الولايات المتحدة ودول أخرى، في إطار صراع سياسي معقّد حول الشرعية والسلطة، ما يطرح أسئلة حول حدود التدخل الخارجي في مسارات التحولات الداخلية للدول.

وفي الجزائر، شكّل اغتيال محمد بوضياف عام 1992 بعد عودته لقيادة مرحلة انتقالية حساسة، صدمة كبرى أضعفت آمال الإصلاح السياسي في لحظة كانت البلاد فيها على حافة انفجار داخلي، لتدخل بعدها في سنوات من العنف السياسي والاضطراب الأمني.

أما حالة صدام حسين عام 2006، فقد انتهت بالإعدام بعد محاكمة في مرحلة ما بعد الغزو، وأثارت جدلا واسعا حول مفهوم العدالة الانتقالية وحدود استخدام القضاء في سياقات انهيار الدولة، وما إذا كانت هذه النهايات تسهم في الاستقرار أو تعمّق الانقسام بدل تجاوزه.

إن القاسم المشترك بين هذه التجارب، رغم اختلاف سياقاتها، أن إنهاء الخصم السياسي جسديا لم يكن بديلا عن الحلول السياسية أو القانونية، بل غالبا ما كان بداية لتعقيد جديد. فالدول لا تبنى بمنطق الإقصاء، بل عبر مؤسسات قادرة على إدارة الخلاف وتحويله من صراع وجود إلى تنافس داخل إطار القانون والدولة.

في النهاية، لا يبدو الاغتيال السياسي سوى تعبير عن عجز السياسة عن إنتاج حلول داخل إطارها الطبيعي. فكل تجربة تاريخية تقريبا تؤكد أن العنف، مهما بدا حاسما في لحظته، لا يصنع استقرارا ولا يبني دولة. بل على العكس، يخلف فراغا سياسيا وأخلاقيا لا تملؤه القوة، بل تملؤه الفوضى. لذلك تبقى قوة الدول الحقيقية في قدرتها على إدارة الاختلاف، لا في إلغائه، وفي تحويل الصراع من مواجهة دامية إلى تنافس يحكمه القانون والمؤسسات.

د. خليل كاعين

27 أيار 2026

تعليقات: