
ستة عقود من الحروب والتدمير والتهجير
ستة عقود من الحروب والتدمير والتهجير
مقدمة
في ربيع عام 1979 نشرت جريدة السفير عنواناً بارزاً جاء فيه: «الجنوب يواجه وحيداً خطر الابتلاع». وبعد ما يقارب نصف قرن، تبدو هذه العبارة وكأنها تعود إلى الواجهة من جديد في ظل استمرار الاعتداءات على لبنان واتساع تداعياتها البشرية والاقتصادية والاجتماعية، وسط نقاشات داخلية متجددة حول الهدنة ومستقبل الاستقرار في المنطقة الحدودية.
وعلى امتداد العقود الماضية تعاقبت الحروب والهدنات والتفاهمات، فيما ظل الجنوب يتحمل كلفة المواجهات من النزوح الى التهجير والهجرة، ولا سيّما هجرة الشباب للبحث عن وطن في الخارج. وهي قضية تناولتها في كتاب «الهجرة للبحث عن وطن» (1992) استناداً إلى دراسات ميدانية حول الهجرة اللبنانية..
ولا تقتصر جذور هذه التحولات على العقود الأخيرة، فوثيقة صحفية صادرة قبل نحو 78 سنة، نشرتها جريدة البيرق في 30 كانون الثاني 1948 ، تحدثت عن نسف منازل في بلدة ميس الجبل وقرى حدودية أخرى، وعن عودة بعض الأهالي إلى منازلهم ليجدوها مهدمة أو منهوبة. ما يؤكد أن مشاهد التدمير والنزوح التي رافقت الحروب اللاحقة لم تكن ظاهرة مستجدة، بل تعود جذورها إلى المراحل الأولى من الصراع على الحدود الجنوبية.
حين يعود التاريخ إلى الواجهة
تكشف قراءة الوثائق التي واكبت الأحداث خلال العقود الماضية، حالة عدم الاستقرار والتهجير التي سادت آنذاك في ظل تصاعد الاعتداءات والتوترات على الحدود الجنوبية... وتُظهر هذه الوثائق، الممتدة من عام 1979 إلى عام 2026، أن الجنوب ظل محوراً دائماً لدورات متعاقبة من المواجهة والتدمير والنزوح والبحث عن تسويات تعيد الاستقرار.
فمن عنوان «الجنوب يواجه وحيداً خطر الابتلاع» (السفير، 17 أيار 1979)، إلى «حرب إسرائيلية ضد قرى الجنوب» (السفير، 22 شباط 1985)، ثم «الاجتياح يدمر نصف الجنوب ويهجر معظم أهله»، وعملية "تصفية الحساب" (السفير، 28 تموز 1993)، مروراً بتفاهم تموز (النهار، 31 تموز 1993)، وعملية «عناقيد الغضب» (النهار، 11 نيسان 1996).
كما شهد الجنوب خلال العقود اللاحقة جولات جديدة من التصعيد كان أبرزها حرب تموز 2006، وصولاً إلى «لبنان تحت النار» (النهار، أيلول 2024) و«ضربة الضاحية تهدد بإشعال الجبهة الإقليمية» (الجمهورية، 8 نيسان 2026)، حيث يتبين أن نطاق التداعيات اتسع من القرى الحدودية إلى مختلف المناطق اللبنانية.
ورغم تغير الظروف السياسية والعسكرية، فقد بقيت الأسئلة المرتبطة بالأمن والاستقرار وحماية السكان وإعادة الإعمار تتكرر بأشكال مختلفة، وكأن الوثائق القديمة ما زالت تضيء جانباً مهماً من الواقع الراهن.
الحرب التي تستنزف الإنسان والأرض
إذا كانت صور الأبنية المدمرة والقرى المتضررة تمثل الوجه الأكثر ظهوراً للحرب، فإن الكلفة الحقيقية تظهر أولاً في الخسائر البشرية التي يتحملها السكان. فقد أشارت دراسة صادرة عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) إلى أن يوم 23 أيلول 2024 شكّل واحداً من أكثر الأيام دموية في لبنان خلال العقود الأخيرة، بعدما أدى التصعيد العسكري المكثف إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا خلال ساعات قليلة، حيث تم "خسارة أرواح 569 فرداً، وأصيب 1850 فرداً آخر بجروح، ومن بين القتلى 50 طفلاً و 94 امرأة.. وحصيلة القتلى جراء الغارات الجوية يوم 23 أيلول/سبتمبر 2024، هي من بين الأعلى في يوم واحد في القرن الحادي والعشرين".
كذلك يوم "الأربعاء الأسود" في 8 نيسان 2026 ، فيُعد من أكثر الأيام مأساوية في تاريخ لبنان الحديث، حيث شنّت الطائرات الإسرائيلية أكثر من 100 غارة جوية متزامنة خلال 10 دقائق فقط، واستهدفت أحياء سكنية مكتظة في بيروت ومناطق أخرى دون سابق إنذار. حيث أسفرت الغارات عن استشهاد ما لا يقل عن 357 شخصاً وإصابة أكثر من 1200 آخرين بجروح، وكان معظم الضحايا من النساء والأطفال.
ومع استمرار الاعتداءات خلال الأشهر اللاحقة، أخذت الحصيلة البشرية بالارتفاع بصورة متواصلة. ووفق المعطيات الرسمية المتوافرة (بيانات وزارة الصحة)، من 2 آذار وحتى 11 حزيران/يونيو 2026، بلغ عدد الشهداء 3711 شخصاً، فيما وصل عدد الجرحى إلى 11483 جريحاً خلال 100 يوم. ولا تعكس هذه الأرقام حجم الخسائر الإنسانية فحسب، بل تكشف أيضاً عن أعباء اجتماعية وصحية ونفسية متراكمة أصابت آلاف الأسر في المناطق المتضررة.
غير أن آثار الحرب لم تقتصر على السكان وحدهم، فقد تعرضت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والأحراج والبساتين لأضرار مباشرة نتيجة القصف والحرائق، ما انعكس على إنتاج الزيتون والتبغ والحمضيات والحبوب وغيرها من الزراعات التي يعتمد عليها السكان كمصدر رئيسي للدخل.
وتزداد خطورة هذه الأضرار مع التقارير التي تحدثت عن استخدام ذخائر ذات آثار صحية وبيئية طويلة الأمد، من بينها الفوسفور الأبيض الذي وثقت منظمات دولية وحقوقية استخدامه في عدد من المناطق الجنوبية. ولا يقتصر تأثير هذه المواد على فترة الحرب نفسها، بل قد يمتد إلى التربة والغطاء النباتي والإنتاج الزراعي، بما يفرض تحديات إضافية أمام جهود التعافي وإعادة تأهيل الأراضي المتضررة.
من النزوح المؤقت إلى خطر الهجرة الدائمة
شكّل النزوح والإخلاء أحد أبرز تداعيات الحرب في جنوب لبنان، لكنه بلغ خلال الفترة الأخيرة مستويات غير مسبوقة من حيث الحجم والانتشار الجغرافي، فقد تجاوز عدد النازحين الداخليين 1.3 مليون شخص، فيما استهدفت خطط الاستجابة الإنسانية نحو 1.4 مليون شخص بين نازحين ومجتمعات مضيفة متأثرة بالأزمة. وتعكس هذه الأرقام حجم التحولات التي أصابت الخريطة السكانية اللبنانية خلال فترة قصيرة، مع انتقال مئات آلاف الأسر من مناطق المواجهة إلى مناطق أكثر أمناً.
وتُظهر بيانات الإيواء أن ما يزيد عن 130 ألف نازح، يمثلون أكثر من 33 ألف عائلة، أقاموا في أكثر من 634 مركزاً للإيواء المنتشرة في مختلف المناطق اللبنانية، فيما لجأ نحو 85% من النازحين إلى السكن خارج هذه المراكز، سواء لدى أقارب ومعارف أو في مساكن مستأجرة ومواقع إقامة مؤقتة. وقد استقطبت بيروت وجبل لبنان وإقليم الخروب وصيدا وطرابلس الجزء الأكبر من هذه التدفقات البشرية.
وفي الجنوب، برزت مدينة صيدا بوصفها إحدى أهم محطات الاستقبال، حيث استوعبت منطقة حارة صيدا وحدها ما بين 38 و40 ألف نازح. كما واجهت البلديات والمجتمعات المحلية ضغوطاً متزايدة لتأمين المأوى والخدمات الأساسية، في ظل تراجع القدرة الاستيعابية وازدياد الطلب على المياه والرعاية الصحية والمساعدات الغذائية، حيث أكد وزير الاعلام أننا قد "وصلنا الى الحد الأقصى من القدرة الاستيعابية في بيروت وصيدا".
وتعتبر موجات النزوح الكبيرة اليوم، كظاهرة بارزة في ملف التهجير الداخلي، الذي أصدرت حوله كتاب "جغرافية التهجير" عام 1993، وبالمقارنة قبل نحو نصف قرن أيضاً، فقد أجريت دراسة ميدانية حول "الهجرة من جنوب لبنان مع دراسة ميدانية للتهجير الجماعي"، ونُشرت في النشرة السكانية التي تصدرها الاسكوا في الأمم المتحدة " العدد 21 كانون الأول عام 1981".
إن أخطر نتائج الحروب لا تظهر أثناء وقوعها فقط، بل تبدأ بعد انتهاء النزوح من خلال التحولات السكانية والهجرة وفقدان الموارد البشرية الشابة.....
فكلما طالت فترات التهجير وتعقدت ظروف العودة وتراجعت فرص العمل والاستقرار، ازدادت احتمالات تحول النزوح المؤقت إلى هجرة طويلة الأمد، ولا سيما بين الشباب. وفي بلد يشهد أصلاً موجات هجرة متزايدة منذ سنوات، تبرز مخاوف حقيقية من أن تؤدي الحروب المتكررة إلى إضعاف القاعدة السكانية المنتجة في العديد من القرى الجنوبية.
الجنوب والضاحية: وحدة المصير في مواجهة الحرب
لم تعد تداعيات الحرب في جنوب لبنان تقتصر على القرى الحدودية أو المناطق التي تعرضت مباشرة للاعتداءات، بل امتدت آثارها إلى مختلف المناطق اللبنانية التي استقبلت موجات النزوح وتحملت أعباءها الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية.
وقد أظهرت الحرب الأخيرة حجم الترابط بين الجنوب وبقية المناطق اللبنانية. فكما شكّلت صيدا محطة رئيسية لاستقبال النازحين، برزت الضاحية الجنوبية لبيروت أيضاً كجزء من المشهد نفسه، سواء من خلال استضافة أعداد كبيرة من الأسر المهجرة أو من خلال تعرضها المباشر للاعتداءات.
وفي موازاة ذلك، عادت الانقسامات الداخلية والنقاشات المرتبطة بالهدنة وآليات تطبيقها ومستقبل الوضع الحدودي إلى الواجهة، في مشهد يذكّر بالمراحل السابقة التي رافقت تفاهم تموز 1993 وتفاهم نيسان 1996. غير أن التحدي المطروح اليوم يتجاوز البعد الأمني المباشر، ليشمل إعادة الإعمار، واستعادة النشاط الاقتصادي، وتهيئة الظروف التي تسمح بعودة السكان واستقرارهم.
ومن هنا، فإن نجاح أي مرحلة مقبلة يقاس بقدرة الدولة والمجتمع على تحويل مرحلة ما بعد الحرب إلى فرصة للتعافي وإعادة البناء. فاستقرار الجنوب، والحد من الهجرة، واستعادة القرى لدورها الاقتصادي والاجتماعي، تشكل جميعها عناصر مترابطة لا تخص منطقة بعينها، بل ترتبط بمستقبل الاستقرار اللبناني ككل.
اننا نواجه اليوم مرحلة مفصلية يتداخل فيها الأمن بالتنمية، والعودة، ويبقى الرهان الأساسي أن يتحوّل الجنوب، الذي كان على مدى عقود ساحة للمواجهة، إلى مساحة للاستقرار والحياة، لأن حماية الأرض تبدأ أولاً بالحفاظ على الإنسان القادر على البقاء فيها وبنائها.
الدكتور علي فاعور: رئيس مركز السكان والتنمية، وعضو المجلس الوطني للبحوث العلمية
الخيام | khiyam.com
تعليقات: