عدنان سمور: المستشفى الإنكليزي في الخيام


شيّد الجيش البريطاني ما عُرف لاحقاً باسم المستشفى الإنكليزي التاريخي في منطقة الخرايب، غربي بلدة الخيام بالقرب من نبع الدردارة، عشية هجوم قوات الحلفاء المنطلقة من فلسطين خلال الحرب العالمية الثانية على قوات فيشي الفرنسية المتمركزة في الخيام ومرجعيون عام 1941.

وفي تلك الفترة، أقام الجيش البريطاني تحصينات متطورة قياساً إلى معايير ذلك الزمن، وكان الهدف من إنشاء المستشفى استقبال جرحى قوات الحلفاء ومعالجتهم خلال العمليات العسكرية. وقد شهدت منطقة الجلاحية في الخيام معارك عنيفة بين قوات الحلفاء بقيادة بريطانيا وقوات فيشي الفرنسية، سقط خلالها مئات القتلى والجرحى، وشكلت تلك المواجهات محطة مفصلية في انهيار نفوذ حكومة فيشي في منطقة شرق المتوسط.

إلا أن الحرب انتهت قبل استكمال تجهيز المستشفى ووضعه في الخدمة، فبقي المبنى على حاله، عرضة للإهمال والتسيب على مدى عقود طويلة.

وقد حفظت الذاكرة الجماعية لأبناء الخيام الكثير من تفاصيل تلك المعركة التاريخية. فبعد انتهاء القتال، بقي القتلى من مختلف الأطراف منتشرين على مساحة واسعة من أراضي الجلاحية، لفترة طويلة، وكانت تنبعث منهم روائح كريهة نتيجة تحلل الجثث، قبل أن تُحفر خنادق جماعية يُوارى فيها الضحايا. وكان بين القتلى جنود من جنسيات متعددة، من بينهم مغاربة وسنغاليون وأستراليون وغيرهم ممن جندتهم القوى المتحاربة آنذاك.

ويرى بعض الباحثين العسكريين أن هذه المنشأة لم تكن مجرد مستشفى ميداني، بل كان من الممكن أيضاً استخدامها كمستودع للذخائر، نظراً لطريقة بنائها الهندسية الفريدة. فقد شُيّدت على شكل جيوب منفصلة تفصل بينها جدران إسمنتية سميكة، بحيث يؤدي انفجار أي جزء منها إلى احتواء الضرر ضمن نطاق محدود، من دون أن تمتد آثاره إلى الأقسام المجاورة.

وقد أُنشئ المبنى فوق سطح الأرض، ثم جرى ردمه بكميات كبيرة من الأتربة التي نُقلت بواسطة الآليات البسيطة والعمال والدواب، وزُرعت فوق الردميات أشجار الزيتون بهدف التمويه وتثبيت التربة. وكانت الإنارة الطبيعية تصل إلى الداخل عبر فتحات خاصة أُعدّت في السقف لهذا الغرض.

وفي عام 2004، باشرت بلدية الخيام، بالتعاون مع مؤسسة Mercy Corps، مشروع ترميم المبنى وتحويله إلى متحف حربي وتاريخي. وتبلغ مساحة البناء نحو 2550 متراً مربعاً، ضمن عقار كانت مساحته الأصلية 10700 متر مربع، قبل أن تتوسع لاحقاً إلى نحو 14000 متر مربع.

ويتألف المبنى من ثلاثين غرفة متفاوتة المساحات والأبعاد، ويبلغ ارتفاع سقفه مترين وثلاثة وسبعين سنتيمتراً، فيما تصل سماكة السقف إلى 75 سنتيمتراً من الباطون المسلح. ويمكن الدخول إليه عبر ثلاثة عشر مدخلاً موزعة على جهاته المختلفة، وفق متطلبات أمنية وعسكرية كانت معتمدة عند تشييده.

كما يضم المبنى 87 فتحة إنارة في السقف، زُوّدت بأغطية زجاجية تمنع تسرب مياه الأمطار وتؤمن الإنارة الطبيعية للغرف والممرات. وشملت أعمال التأهيل إعادة تشغيل شبكة الصرف الصحي الممددة تحت أرضيات المبنى، إضافة إلى معالجة محيطه وتأهيله، وإنشاء مواقف للسيارات وبعض المساحات الخضراء.

واكتمل المشروع في خريف عام 2005، وافتُتح المتحف لفترة قصيرة، إلا أن حرب تموز عام 2006 حالت دون استمراره. فقد استهدفته الطائرات الإسرائيلية بقذائف صاروخية ضخمة، ما أدى إلى تدمير أجزاء واسعة منه وتحويلها إلى ركام، في محاولة لمحو المعالم التاريخية والشواهد العمرانية في الخيام، على غرار ما تعرض له معتقل الخيام.

وتشير الروايات المحلية إلى أن حجارة البناء استُخرجت من الخيام ومحيطها، وأن العمال والمتعهدين والمراقبين الذين شاركوا في تشييده كانوا بمعظمهم من أبناء المنطقة. كما تزامن بناء هذه المنشأة مع مشاريع عسكرية أخرى نفذتها القوات البريطانية في المنطقة، من بينها إنشاء المطار العسكري قرب المطلة، وبناء ثكنتي الخيام ومرجعيون، إضافة إلى مشروع جرّ المياه من نبع الجوز في شبعا إلى مرجعيون والخيام، وشق الطرق العامة وتوسعتها ورصفها لخدمة الأغراض العسكرية.

ورغم أن تلك المشاريع أنشئت أساساً لخدمة الجيوش المتحاربة على أرضنا، فإن قرى المنطقة وأهلها استفادوا منها بصورة غير مباشرة، إذ أسهمت في تحسين البنية التحتية وظروف الحياة بدرجات متفاوتة.

وبعد حرب عام 2006، جرت محاولات عدة للاستفادة مما تبقى من المستشفى وتحويله إلى متحف يوثق ذاكرة الخيام وتطورها الثقافي والاجتماعي والعمراني، ويعرض مراحل تطور وسائل الحياة وأساليب العيش فيها. إلا أن تعاقب الأحداث والحروب حال دون تحقيق هذا المشروع بالشكل المنشود.

ويبقى الأمل قائماً في استئناف هذه الجهود مستقبلاً، والتعاون بين مختلف الجهات المعنية لإنجاز هذا المشروع الثقافي والتاريخي، حفاظاً على ذاكرة الخيام وتراثها، وصوناً لما تختزنه من تاريخ وتجارب تستحق أن تُحفظ وتُروى للأجيال القادمة.

المهندس عدنان سمور

باحث عن الحقيقة

14/06/2026





تعليقات: