عدنان سمور: يوم مات الأفندي

الحاج محمد أفندي عبد الله
الحاج محمد أفندي عبد الله


كان والدي، رحمه الله، الابن الأصغر في أسرة مؤلفة من جدي وجدتي، رحمهما الله، وست عمّات وعم واحد. وكان والداه يحبانه كثيراً ويوليانه عناية خاصة لأنه "آخر العنقود".

وكانت جدتي أمينة جمعة، رحمها الله، قد اشترت له من سوق الخميس سروالاً أسود وقميصاً أبيض، وكانا يليقان به كثيراً. فخبأتهما في الخزانة بانتظار العيد أو أي مناسبة رسمية تستدعي ارتداءهما.

لكن المفاجأة المحزنة كانت وفاة الحاج محمد أفندي عبد الله عام 1929. وكان منزله قائماً في المكان الذي شغله لاحقاً بيت أبو عكيف (خليل الحاج حسين)، بالقرب من منزل جارنا المرحوم عبد علي يونس.

وكان الحاج محمد أفندي، رحمه الله، من الشخصيات الاجتماعية المرموقة في الخيام، وهو الذي مثّل أهالي البلدة في اجتماع الحاصباني الذي أنهى الاشتباك الدموي المعروف بـ"حادثة الجرود" عام 1894. وقد اتخذ يومها موقفاً شجاعاً وحاسماً أسهم في حماية الخيام والحفاظ على هيبة أهلها، وقد ذكر المؤرخ محمد جابر آل صفا تفاصيل تلك الحادثة واجتماع المصالحة في كتابه تاريخ جبل عامل.

كان عمر والدي يوم وفاة الأفندي نحو تسع سنوات. ورأت جدتي أن من المناسب أن يرتدي ثيابه الجديدة للمشاركة في التعزية، لأن دار الأفندي كانت ستغص بالمعزين من الخيام وخارجها، كما كان متوقعاً أن تحضر وفود رسمية وشخصيات اجتماعية.

فسخّنت له الماء، وحمّمته، ومشطت شعره، وكوت له ثيابه الجديدة وألبسته إياها. ثم أخذت تتأمله من كل الجهات، وقد امتلأ قلبها فرحاً، إذ بدا لها كأنه شاب صغير أنيق. قبّلته وضمتّه إلى صدرها وقالت له:

"روح يا أباري، شارك بعزا الأفندي."

خرج والدي فرحاً بثيابه الجديدة وبرضا والدته عنه. ولم تمض سوى دقائق قليلة حتى وصل إلى دار الأفندي لقرب المسافة بين المنزلين.

وعندما همّ بالدخول، لمح امرأة في باحة الدار تضع أمامها "دستاً" (طنجرة كبيرة) مقلوباً، أسود اللون من كثافة السخام المتراكم عليه. فنادته بلهجة ودودة وطلبت منه أن يقترب منها.

اقترب الطفل إبراهيم ببراءة، غير مدرك لما ينتظره. وما إن صار في متناول يديها، حتى مسحت كفيها بالسخام العالق على الدست، ثم مرّغت بهما وجهه وقميصه الأبيض.

ولشدة المفاجأة، فقد والدي القدرة على استيعاب ما جرى للحظات. ثم نظر إلى قميصه الأبيض وقد اسودّ بالشحار، وحدّق في وجه المرأة، قبل أن يصرخ بأعلى صوته وينفجر بالبكاء، معبّراً عن الصدمة الكبيرة التي أصابته.

فهو لم يكن قد سمع من قبل أن هذا التقليد كان يُستخدم للتعبير عن الحزن عند وفاة كبار القوم.

ركض مسرعاً إلى والدته يشكو لها ما أصابه بحرقة وألم. وفوجئت جدتي المسكينة بهذا الحدث الذي أفسد فرحتهما بالثياب الجديدة. فسارعت إلى دار الأفندي وعاتبت المرأة التي لطخت وجه الطفل وثيابه بالسخام، موضحة لها أنه ما زال صغيراً ولا يفهم دلالات هذه العادات والتقاليد.

ثم عادت إلى منزلها حزينة، تحاول إصلاح ما أفسدته تلك الحادثة الطريفة والمؤلمة في آن واحد.

وكان والدي، رحمه الله، يروي لنا هذه القصة بأسلوبه الجميل والمشوق. وكلما اجتمع مع أصحابه، طلب منه أحدهم أن يعيد روايتها. وغالباً ما كان صاحب الطلب المرحوم غازي محمد محمود عبد الله، الذي كان يقول له:

"احكِ لنا يا أبو عاطف، يوم مات الأفندي وذهبت إلى التعزية.. ماذا حصل معك؟"

فيضحك والدي، ويبدأ بسرد الحكاية من جديد، فيضحك الحاضرون معه، ويستعيدون شيئاً من ذكريات الطفولة الجميلة، بما فيها من براءة وعفوية وطرائف لا تنسى.

ع.إ.س

باحث عن الحقيقة

20/06/2026

تعليقات: