
يقع تلّ دبّين بين بلدات الخيام وجديدة مرجعيون ودبّين، على طرف السهل الممتد إلى الجنوب منه. ويبدو هذا التل لغزاً تراثياً وتاريخياً، سواء من حيث ما يخبئه في طبقاته من أسرار، أو من حيث الآثار المتناثرة حوله، أو من حيث تضاريسه وشكله الجغرافي اللافت.
فالمتجول في التل ومحيطه يكتشف الكثير من الفخاريات، إضافة إلى ما عُثر عليه في جوانبه من آثار وسراديب وأوانٍ خزفية، ما يعزز الاعتقاد بأن لهذا المكان تاريخاً عميقاً لم تُكشف كل أسراره بعد.
شكل طوبوغرافي يثير التساؤل
ما كرس مفهوم اللغز حول هذا التل هو شكله الطوبوغرافي المميز. فهو يبدو كهضبة صغيرة وسط أرض سهلية، لكن قمته ليست محدبة كمعظم التلال المحيطة بها، بل تشبه سهلاً صغيراً مستوياً.
هذا الشكل غير المألوف دفع بعض خبراء الآثار إلى ترجيح احتمال أن يكون التل قد نشأ فوق بقايا مدينة كنعانية قديمة، اندثرت في الأزمنة الغابرة، وربما تكون هي "مدينة العيون" المذكورة في بعض الروايات، والتي يُقال إن نبي الله يعقوب عليه السلام أقام فيها.
ويستند هذا الترجيح إلى انتشار الينابيع والعيون في محيط التل، وعلى امتداد السهل وفي جنبات الهضاب المحيطة به، ما يجعل تسمية "العيون" منسجمة مع طبيعة المكان وذاكرته الجغرافية.
مدينة مطمورة تحت الركام
يرى بعض المهتمين أن تعاقب الكوارث الطبيعية، من زلازل وهزات أرضية، إضافة إلى العوامل المناخية والحروب والغزوات التي أصابت تلك المدينة الكنعانية القديمة، قد أدى إلى طمر معالمها تدريجياً.
وفي تلك الأزمنة، لم يكن متاحاً للناس إزالة الأنقاض ونقلها كما نفعل اليوم، بسبب بدائية أدوات الحفر ووسائل النقل. لذلك كانوا يلجؤون إلى تسوية الركام والأنقاض، ثم يعيدون البناء فوقها.
ومع تكرار هذه العملية جيلاً بعد جيل، نشأ هذا التل الغامض، وارتفع وسط السهل كعلامة فارقة، تخبئ في باطنها طبقات من التاريخ والذاكرة.
فرضية تنتظر التنقيب
هذه الفرضية تبدو منطقية إلى حدّ لا بأس به، لكنها تبقى بحاجة إلى أبحاث جدية، وتحقيقات علمية، وأعمال تنقيب في باطن التل، للحصول على شواهد وآثار تاريخية تثبت صحتها أو تنفيها.
وإلى أن تتحقق هذه الأبحاث، تبقى الفرضية أقرب إلى محاولة لاستنطاق الواقع، وربطه بما توارثته الذاكرة الشعبية من أسماء للأمكنة في التل ومحيطه.
وهكذا بقيت المنطقة تحمل اسم قرية العيون، وبقي السهل يُعرف باسم مرج العيون، ثم أخذت المدينة المحاذية للتل لاحقاً اسمها من هذا الإرث الجغرافي والتاريخي.
ذاكرة التل وسهل الخيام مع التين
تجدر الإشارة أيضاً إلى أن للتل ولسهل الخيام، في الذاكرة الشعبية، حكايات جميلة مع التين والتيّانين.
والتيّانون هم الذين كانوا يضمنون مواسم التين من أصحاب البساتين، ثم ينتقلون صيفاً مع عائلاتهم إلى أماكن القطاف، فيقضون فصل الصيف في جمع التين وتجفيفه وتوضيبه، ليكون مؤونة للشتاء ومصدر رزق، إذ كان يُباع لتجار يأتون من مناطق وبلاد بعيدة.
وكانت العائلات من القرى المجاورة للسهل تبدأ التحضير لموسم التين منذ شهر أيار، حيث يعمد التيّانون إلى ضمان كروم التين في منطقة التل، وعلى السفح الشرقي لبلدة القليعة، ولا سيما تين أبو عتبة، ومنطقة رأس ملوك فوق الدردارة، وصولاً إلى باب الثنية جنوباً.
العرزال والمسطاح وموسم القطاف
مع منتصف حزيران تقريباً، كان يبدأ الإعداد العملي لموسم القطاف، فتُبنى الأكواخ أو ما يُعرف بالعرزال، وتُجهّز المساطيح.
والمسطاح، لمن لا يعرفه، هو مساحة دائرية أو مستطيلة بحسب طبيعة الأرض، تُسيّج بالأشواك، وتُفرش بالقصل، وهو نبات قائم يشبه القضبان، ولا سيما الفاقوع والشيح والوزّان. وكانت الأرض تحته تُدلك بالطين الحوّارة لتصبح صالحة لتجفيف التين.
وعندما ينضج التين، تبدأ عملية القطاف من منتصف شهر تموز تقريباً، وتستمر حتى بداية شهر تشرين الأول.
من الكوز إلى فرد التين
بعد قطاف التين، وخاصة التين العسلاني الناضج، الشهي والأشقر كأنه شعاع شمس، كان يُفتح كوز التين إلى أربعة أجزاء، ثم يُنشر على المسطاح.
يبقى التين عدة أيام تحت أشعة الشمس حتى يجف جزئياً، ثم يُقلب ويبقى كذلك بضعة أيام أخرى. بعد ذلك، يُجمع ويوضع على المستراح، وهو مساحة دائرية من الطين، بهدف زيادة جفافه.
ثم يُجمع التين المجفف ويُضغط في أوعية مصنوعة من سعف النخيل المستورد من مصر، تُعرف باسم فرد التين، وبعدها يُغطى بقماش القنب، ليصبح جاهزاً للبيع للتجار الوسطاء.
عناية فائقة بشجرة التين
كان اهتمام المزارع بشجرة التين فائقاً للعادة. فقد كان يعتني بها طوال العام، من تنقيب الأرض وقلبها، إلى التعشيب والحراثة والتشحيل، ومعالجة السوس والديدان التي تغزو جذوعها.
وبفضل هذه العناية، وبفضل جودة الأرض، كان شجر التين في سهل الخيام يعمّر أكثر مما يعمّر في مناطق أخرى.
كما كان موسم الرعي الشتوي يساعد على تسميد الأرض طبيعياً، إذ كانت قرى مرجعيون تضم الكثير من قطعان الماعز والأغنام والبقر.
وكان قطيع الأبقار يُسمى العجّال، وقد يكون مملوكاً من مجموعة من الأهالي الذين يختارون راعياً يتولّى رعايته من شروق الشمس حتى المغيب. وفي نهاية النهار، يعيد الراعي الأبقار إلى أصحابها، ثم يعود في صباح اليوم التالي ليجمعها من جديد.
تين الخيام ومرج العيون في الأسواق
كان سهل مرج العيون والتل من أفضل المقاصد لتجار التين، ولا سيما القادمين من منطقة النبطية، نظراً لجودة هذا التين ونكهته الخاصة وشهرته الواسعة في الداخل والخارج.
فقد كان التين يُصدّر داخل لبنان، وخصوصاً إلى مدينة طرابلس، كما كان يُصدّر إلى جمهورية مصر العربية، حيث كانت للتين العاملي المجفف، أو ما يُعرف بالشريحة، سمعة طيبة وشهرة ذائعة الصيت.
وقد جعلت هذه الشهرة الطلب عليه كبيراً، حتى إن التجار المصريين كانوا يتنافسون على تأمين حاجاتهم من التين العاملي، ولا سيما تين سهل الخيام ومرج العيون. ولهذا كانوا يقدمون السلف للتجار الوسطاء، لضمان الحصول على هذا المنتج في الوقت المناسب.
تلّ ينتظر من يكشف أسراره
هكذا يبقى تلّ دبّين لغزاً قائماً بين الجغرافيا والتاريخ والذاكرة الشعبية. فهو ليس مجرد هضبة صغيرة وسط السهل، بل شاهد صامت على طبقات من الزمن، وعلى احتمال وجود مدينة غابرة تحت ترابه.
وفي انتظار أن تمتد إليه يد البحث والتنقيب، سيبقى هذا التل حاضراً في ذاكرة الخيام ومرج العيون، بما يثيره من أسئلة، وبما يحمله من حكايات عن الأرض والإنسان والتين والآثار والأسرار.
المهندس عدنان ابراهيم سمور
باحث عن الحقيقة
20/06/2026
المصدر: مجموعة "ديوانية منتدى الخيام" على الواتساب
الخيام | khiyam.com
تعليقات: