
ثمة رواية تتكرر كلما مرّ لبنان بمرحلة دقيقة، تتبدل فيها الأسماء والوجوه، لكن تبقى الحبكة واحدة: المقاومة هي سبب كل الخراب، وهي أصل كل الأزمات، وهي العقبة الوحيدة أمام قيام الدولة. أما الاحتلال الإسرائيلي، فيتراجع إلى هامش المشهد، أو يختفي منه تمامًا، وكأنه لم يكن يومًا أصل الصراع ولا مصدر التهديد المستمر للبنان.
المفارقة أن هذا الخطاب يزداد حدة كلما اشتدت الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وكلما لاحت بوادر حلّ لا يمرّ عبر القضاء على المقاومة وبيئتها. وكأن المطلوب من اللبنانيين أن يوجّهوا أنظارهم إلى الداخل فقط، وأن ينسوا أن هناك عدوًا يحتل أرضًا لبنانية، ويخرق السيادة يوميًا، ويهدد بالحرب متى شاء.
لكن ما يثير الاستغراب هو الإصرار على شطب نصف الحقيقة، حتى أصبحت المقاومة في هذه الرواية الفاعل الوحيد في المشهد، بينما يتراجع الاحتلال إلى الهامش، وكأن المشكلة لم تعد في استمرار العدوان، بل في وجود من يواجهه.
والأغرب أن بعض هذه الأصوات تقدم نفسها بوصفها صوت الدولة والسيادة، فيما لا تقدم سوى رواية واحدة تختزل كل ما أصاب لبنان في المقاومة، وتتعامل مع الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية وكأنها مجرد تفصيل عابر. فمنهم من يتحدث من وراء البحار بصفة العارف بخفايا القرار في واشنطن، بينما لا يقدم في حقيقة الأمر سوى رؤية سياسية وحزبية محددة تُسوَّق للبنانيين على أنها الحقيقة الكاملة. ومنهم من يظن أن ما ورثه من نسبٍ ولقبٍ يمنحه سلطةً على العقول أو حصانةً من النقد، متناسياً أن الألقاب تورثها العائلات، أما المكانة الفكرية فلا تُورث، بل تُكتسب بالحجة، ويصنعها الاتزان، ويكرسها احترام الحقيقة. ومنهم من وجد في السخرية وعلو الصوت والاستعراض الإعلامي بديلاً عن قوة الفكرة ورصانة النقاش. تختلف الوجوه والمنصات، لكن القاسم المشترك بين كثير من هذه الخطابات هو تكرار السردية نفسها، حتى يكاد التكرار يتحول إلى بديل عن البرهان، وحتى يصبح تغييب الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية شرطًا لقيام أي رواية عن لبنان.
ولعل أخطر ما في هذه السردية أنها توحي وكأن مقاربة الصراعات الكبرى لا تحتمل إلا قراءة واحدة. وليس أدلّ على هشاشة هذا التصور من أن دراسات وتحليلات صادرة عن مراكز بحثية متخصصة أظهرت أن حتى أقرب الحلفاء، واشنطن وتل أبيب، لا يتبنيان دائمًا المقاربة نفسها في إدارة صراعات المنطقة أو في تقدير المصالح. فإذا كانت العواصم التي تصنع القرار تختلف في تشخيص الوقائع واختيار الأدوات، فمن أين تأتي تلك اليقينيات المطلقة التي تُقدَّم للبنانيين وكأنها الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل النقاش؟
وحين تُناقش هذه الأصوات في البديل العملي، أو تُسأل كيف سيُحمى لبنان إذا جُرِّد من عناصر الردع، سرعان ما تنتهي الإجابات إلى كلمة واحدة: "الدولة". وكأن هذه الكلمة، بمجرد النطق بها، تُغني عن تقديم رؤية دفاعية واضحة، أو عن الإجابة عن الأسئلة المشروعة التي يحق لكل لبناني أن يطرحها.
حسنًا، نحن أيضاً نريد الدولة.
بل إن الدولة هي الجهة الوحيدة التي يفترض أن تتولى حماية الوطن وحدوده وسيادته.
لكن أي دولة؟
إن المطالبة ببناء دولة قوية وقادرة ليست نقيضًا للمقاومة، كما أن الاعتراف بالخطر الإسرائيلي ليس نقيضًا للدولة. فالمشكلة لا تبدأ عندما يختلف اللبنانيون حول الوسائل، بل عندما يُطلب منهم تجاهل أحد الواقعين لصالح الآخر: واقع الحاجة إلى دولة قوية وعادلة، وواقع التهديدات الإسرائيلية التي لم تختفِ بعد من المشهد اللبناني.
هل نتحدث عن دولة قادرة على منع الخروقات الإسرائيلية اليومية للسيادة اللبنانية؟
هل نتحدث عن دولة تملك القدرة العسكرية والسياسية على ردع الاعتداءات؟
إن المطالبة بدولة تتولى وحدها مسؤولية الدفاع عن الوطن مطلب وطني مشروع، لكن هذا المطلب لا يكتمل بمجرد رفع الشعار، بل يتطلب بناء القدرة والإمكانات والضمانات التي تجعل الدولة قادرة فعلًا على الاضطلاع بهذه المسؤولية.
عندما يُطلب من اللبنانيين التخلي عن سلاح المقاومة، يصبح من حقهم أن يسألوا: أي دولة ستتولى هذه المهمة؟ وكيف ستحمي لبنان؟ وما هي الإمكانات والضمانات التي تملكها لمنع الاعتداءات الإسرائيلية؟
هذه ليست أسئلة هروب من النقاش، بل جوهر النقاش نفسه.
أما تحويل كلمة "الدولة" إلى إجابة جاهزة تُرفع في وجه كل سؤال، فهو لا يبني دولة، ولا يقدم رؤية دفاعية، ولا يطمئن شعبًا دفع أثمان الحروب والاحتلال والعدوان.
إن بناء الدولة هدف وطني جامع، لكن بناءها لا يكون بتجاهل المخاطر القائمة، ولا بتبسيط القضايا المعقدة، ولا بتحويل المقاومة إلى المتهم الوحيد في كل ما أصاب لبنان.
فالسيادة الحقيقية تبدأ من رؤية المشهد كاملاً، لا من اختيار نصف الحقيقة وترك النصف الآخر خارج الصورة. وحين يغيب الاحتلال عن الرواية، لا تغيب الحقيقة وحدها، بل تضيع معها البوصلة التي تقود إلى أي حل وطني حقيقي.
الخيام | khiyam.com
تعليقات: