
الحاج صبحي القاعوري حاملاً ساعته التي توقفت
لا تلوموني إن أنا استبدلتُها بعد ثلاثة أيام فقط من تقبّل العزاء؛ فليست الإرادة وحدها من يحكم حياتنا، بل للظروف سلطانٌ أقوى، وللأقدار كلمةٌ لا تُرَد. مهما اشتدّ عزم الإنسان، ومهما ظنّ أنه سيد قراره، تبقى الحياة قادرة على أن تسوقه إلى ما لم يكن يتمنى.
عشتُ معها، وعاشت معي، وعشنا معًا اثنين وعشرين عامًا من أجمل ما يهب العمرلإنسان. لم يعرف بيتنا النكد، ولم يطرق التأفف بابنا. كانت رفيقة صامتة، لكنها كانت تملأ المكان حضورًا وطمأنينة، وتمنحني إحساسًا غريبًا بأن كل شيء لا يزال بخير.
كان بيني وبينها فارق عمرٍ يبلغ ستة وستين عامًا، ومع ذلك لم أشعر يومًا أن الزمن يقف حاجزًا بيننا. بل كنت أجد فيها ألفةً لا تُفسَّر، ورفقةً لا تحتاج إلى كلام. وكم تمنيت، طوال تلك السنوات، أن أرى وجهها عابسًا ولو مرة، أن ألمح عليها ضيقًا أو انزعاجًا، لكن ظني كان يخيب دائمًا؛ فلم أرَ منها إلا وجهًا مبتسمًا عند خروجي، ووجهًا أكثرابتسامًا عند عودتي.
حتى حين كنت أدخل غرفة النوم فجأة، فأرى سبطي، ذلك الطفل الصغير، يضربها بيده ويركلها برجله في عبث الطفولة وبراءتها، كانت تظل مبتسمة. وما إن يراني حتى يفرّ هاربًا كأنه ارتكب جريمة كبرى. أما هي، فكانت تنظر إليّ والبسمة تعلو محياها، وكأنها تقول: دعه يلعب، دعه يلهو؛ فهذه أيامه الجميلة، وغدًا تبدأ متاعب الحياة.
في غمرة السعادة، ينسى الإنسان أن لكل شيء نهاية، وأن الدهر يخبئ لنا ما لا نحتمل. عدتُ إلى البيت كعادتي، لكنني، ولأول مرة، لم أُستقبل بتلك الابتسامة التي اعتدتها. رأيت وجهًا شاحبًا، صامتًا، كأن سكرات الوداع قد غطّت ملامحه. اقتربتُ بخوف، وناديتُها بصوتٍ حاولت أن أجعله ثابتًا، لكنه ارتجف رغمًا عني.
وحين سمعت صوتي، كأنها استفاقت صحوة الراحلين، ونظرت إليّ نظرةً أخيرة، ثم أومأت إليّ أن أدنو منها. فدنوتُ، وأنا أشعر أن شيئًا في داخلي ينكسر، فهمست في أذني همسةً خافتة، لكنها بقيت ترن في قلبي:
"لا تنسَ الوصية... استبدلني بعد انتهاء التعازي."
ثم أسلمت الروح، وتوقفت عقاربها عند الثالثة وأربعين دقيقة.
إنها ساعتي.
الحاج صبحي القاعوري
الخيام | khiyam.com
تعليقات: