خليل كاعين: حين تصبح نهاية الحرب بداية أزمة أكثر تعقيد.. لبنان أمام اختبار وجودي جديد

الدكتور خليل كاعين: الخطر الأكبر ليس فقط في الدمار الذي خلفته الحرب، بل في أن يتحول هذا الدمار إلى واقع دائم، وأن يفقد اللبنانيون الإيمان بإمكانية بناء دولة عادلة وقادرة على حماية شعبها
الدكتور خليل كاعين: الخطر الأكبر ليس فقط في الدمار الذي خلفته الحرب، بل في أن يتحول هذا الدمار إلى واقع دائم، وأن يفقد اللبنانيون الإيمان بإمكانية بناء دولة عادلة وقادرة على حماية شعبها


1- حرب خلفت دمارًا يتجاوز الحجر

الواقع الذي يعيشه لبنان اليوم بعد الجولة الأخيرة من الحرب التي بدأت في ٢ آذار ٢٠٢٦ يختلف عن كل المراحل السابقة التي مر بها هذا البلد. فقد كانت هذه الحرب من أقسى الحروب التي عرفها لبنان، ليس فقط بسبب حجم الدمار والخسائر البشرية، بل بسبب الشعور العميق بأن البلاد تدخل مرحلة جديدة لا تشبه ما سبقها.

البلدات الجنوبية المحاذية للحدود مع فلسطين المحتلة تعرضت لدمار هائل. هناك قرى سويت بالأرض، واختفت معالم منازل وشوارع كان أهلها يعرفونها منذ عقود، حتى بات بعض السكان غير قادرين على تحديد أماكن بيوتهم التي لم يبق منها إلا الركام. وبعد أشهر من المواجهات، بقيت الأرقام الرسمية للضحايا محور نقاش، فيما لا يزال مصير الكثير من المقاتلين الذين سقطوا في ساحات القتال غير واضح، خصوصا أولئك الذين قتلوا في مناطق المواجهة المباشرة وتعذر الوصول إليهم بسبب طبيعة المعارك وانتشارها في مناطق وعرة ومحصنة.

2- اتفاق ما بعد الحرب: نهاية القتال أم بداية مرحلة أكثر تعقيدا؟

لكن ما يميز المرحلة الحالية ليس فقط توقف القتال، بل طبيعة الاتفاق الذي أُبرم بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية بعد جولات من المفاوضات. فالإشكالية الأساسية تكمن في أن الاتفاق، كما يبدو من بنوده المعلنة، لا يقدم طريقا واضحا وسهلا للخروج من الأزمة، بل يضع لبنان أمام تحديات كبيرة، خصوصا في ما يتعلق بمسألة السلاح، ودور الدولة، وضمانات الانسحاب، ومستقبل الحدود الجنوبية.

فمن جهة، يرتبط تنفيذ الاتفاق بمسألة حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وهو مطلب لبناني قديم ومحل خلاف داخلي كبير، بينما ترى إسرائيل أن أمنها يتطلب ضمانات إضافية تسمح لها بالتعامل مع أي تهديد محتمل من الأراضي اللبنانية. وفي المقابل، لا يبدو أن حزب الله يعتبر نفسه معنيا بالكامل بكل بنود الاتفاق الذي أبرمته الدولة اللبنانية، إذ يرى أن الملف مرتبط بشكل أوسع بالصراع الإقليمي وبالمفاوضات بين إيران والولايات المتحدة.

3- المعضلة الكبرى: بين سيادة الدولة وحسابات الصراع الإقليمي

وهنا تظهر المعضلة الكبرى: لبنان يجد نفسه في قلب صراع تتداخل فيه الحسابات الداخلية مع المصالح الإقليمية والدولية. فإيران تنظر إلى المواجهة مع إسرائيل ضمن إطار أوسع يرتبط بنفوذها وموقعها في المنطقة، بينما يشعر كثير من اللبنانيين أن الدولة اللبنانية فقدت قدرتها على التحكم الكامل بقرار الحرب والسلم.

وفي الوقت نفسه، تتعامل إسرائيل مع الدولة اللبنانية بطريقة تحمل تناقضا واضحا؛ فهي تعلن احترامها للمؤسسات اللبنانية، لكنها تحمل الدولة مسؤولية منع حزب الله من امتلاك السلاح أو القيام بأي نشاط عسكري. وهذا يضع السلطة اللبنانية أمام معادلة صعبة، فهي مطالبة ببسط سيادتها في ظروف عسكرية وسياسية معقدة، بينما لا تملك وحدها أدوات التحكم بكل عناصر الأزمة.

4- السلاح والانسحاب: دائرة مغلقة تبحث عن تسوية

وهنا تظهر معضلة إضافية تجعل الخروج من الأزمة أكثر تعقيدا. فمن جهة، ما زال جزء من الجنوب يعيش واقعا مرتبطا بالاحتلال والتهديدات الأمنية، ما يجعل شريحة واسعة من أبناء هذه المناطق ترى أن التخلي عن السلاح قبل الوصول إلى ضمانات واضحة لحماية الأرض والحدود أمر غير ممكن. ومن جهة أخرى، ترى إسرائيل أن وجود هذا السلاح يشكل مبررا لاستمرار إجراءاتها العسكرية والأمنية، وتربط الانسحاب الكامل بضمانات مرتبطة بهذا الملف.

وهكذا يصبح لبنان أمام دائرة معقدة: فهناك من يرى أن إنهاء أي دور مسلح يجب أن يأتي بعد إنهاء الاحتلال وتوفير ضمانات حقيقية، فيما ترى إسرائيل أن الأمن يبدأ من إنهاء قدرة حزب الله العسكرية. وفي ظل هذا التعارض، لا يبدو أن المسار الحالي وحده يقدم حلا جذريا وسريعا، بل يترك لبنان بانتظار تسوية أوسع تتجاوز حدوده.

5- لبنان بين التأثيرات الخارجية والحاجة إلى قرار وطني

ومن هنا تبرز أهمية دور عربي أكثر فاعلية، وخصوصا من الدول القادرة على التأثير السياسي والدبلوماسي، إضافة إلى دور أميركي قد يكون حاسما إذا ارتبطت المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة بإنهاء النزاع ضمن إطار واضح يضمن الانسحاب والاستقرار. لكن التحدي الأكبر أن الأزمة اللبنانية مرتبطة بتوازنات إقليمية ودولية تتجاوز قدرة اللبنانيين وحدهم على التحكم بمسارها.

ولهذا فإن السؤال الأساسي لا يبقى فقط كيف تنتهي هذه الحرب، بل كيف يستطيع لبنان أن يستعيد قراره الوطني، وأن يحول أي تسوية خارجية إلى فرصة لبناء دولة مستقرة بدل أن تكون مجرد هدنة مؤقتة بين أزمات متجددة.

6- الانقسام الداخلي وخطر اهتزاز النسيج الوطني

ومن جهة أخرى، فإن الانقسام الداخلي اللبناني يزداد وضوحا. فهناك فريق يرى أن الأولوية هي إنهاء أي وجود مسلح خارج الدولة وبناء دولة قادرة على احتكار قرارها، فيما يرى فريق آخر أن السلاح كان عنصر حماية في مواجهة إسرائيل وأن التخلي عنه دون ضمانات قد يعرض لبنان للخطر.

المشكلة أن هذا الانقسام لا يبقى سياسيا فقط، بل يهدد النسيج الوطني نفسه. فخطابات التخوين والاتهامات المتبادلة، والحديث عن التقسيم أو الفيدرالية أو المواجهات الداخلية، تعيد إلى الذاكرة مراحل مؤلمة من تاريخ لبنان، وتطرح مخاوف جدية حول مستقبل الاستقرار الداخلي.

لكن المأساة اللبنانية لا تتوقف عند حدود الدمار الذي خلفته الحرب أو التعقيدات السياسية. فحتى اللبنانيون الذين لم تطلهم المواجهات العسكرية بشكل مباشر يعيشون اليوم تحت ضغط أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة.

7- ما بعد الحرب: أزمة دولة واقتصاد وثقة

فالدولة اللبنانية تدخل هذه المرحلة وهي تعاني أصلا من ضعف كبير في مواردها، وتعطل في عدد من مؤسساتها، وتراجع في قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية. وهذا الواقع ينعكس على علاقة المواطن بالدولة، حيث تتزايد أزمة الثقة، خصوصا في ظل الغموض حول الوضع المالي والمصرفي، وشعور شريحة واسعة من اللبنانيين بأنهم تركوا لمواجهة أعبائهم اليومية وحدهم.

وفي محاولة لتأمين استمرارية دفع الرواتب والأجور، تلجأ الدولة غالبا إلى زيادة الرسوم والضرائب بدل معالجة جذور الأزمة الاقتصادية. كما أن ارتفاع أسعار السلع والمحروقات أدى إلى تراجع إضافي في القدرة الشرائية للمواطنين، فيما لا يلمس المواطن دائما انعكاس انخفاض الأسعار العالمية بالسرعة أو النسبة نفسها، ما يزيد الإحساس بغياب العدالة والشفافية.

وهكذا يجد اللبناني نفسه أمام أزمات متراكمة: آثار حرب مدمرة، واقتصاد هش، ودولة تحاول إدارة العجز بدل بناء حل مستدام. وهذه الأزمة لا تخص منطقة واحدة أو فئة محددة، بل تطال مختلف اللبنانيين، لأن ضعف الدولة وانهيار الثقة بها يتحولان إلى مشكلة وطنية تهدد مستقبل الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

8- المغتربون: شبكة الأمان التي عوضت غياب الدولة

وفي ظل هذا الواقع الصعب، لا يمكن تجاهل الدور الكبير الذي لعبه اللبنانيون المنتشرون في مختلف أنحاء العالم في الحفاظ على صمود شرائح واسعة من المجتمع اللبناني. فمع تراجع قدرة الدولة على تأمين الحماية الاجتماعية والاقتصادية، تحولت مساعدات المغتربين وتحويلاتهم إلى عنصر أساسي في بقاء كثير من العائلات قادرة على مواجهة أعباء الحياة اليومية.

لقد شكل اللبنانيون في الخارج شبكة أمان اجتماعية غير رسمية خففت من آثار الانهيار الاقتصادي والحروب والأزمات المتراكمة. لكن هذه المفارقة المؤلمة تؤكد حاجة لبنان إلى بناء دولة لا تعتمد على هجرة أبنائها أو مساعداتهم كحل دائم، بل تكون قادرة على خلق فرص وحماية مواطنيها داخل وطنهم.

9- النازحون ومستقبل لبنان: بين إعادة الإعمار وإعادة بناء الوطن

وفي وسط كل هذه التعقيدات، يبقى النازحون من القرى المدمرة هم الوجه الأكثر قسوة لهذه المأساة. آلاف العائلات التي فقدت منازلها وأرزاقها تعيش حالة انتظار وضياع بين وعود إعادة الإعمار وواقع يومي مليء بالعجز والقلق.

لبنان اليوم لا يواجه فقط آثار حرب انتهت، بل يواجه سؤالا أكبر: هل يستطيع أن يتحول من ساحة صراع الآخرين إلى دولة تمتلك قرارها؟ وهل تستطيع القوى السياسية المختلفة تجاوز الحسابات الفئوية لصالح مشروع وطني جامع؟

الخطر الأكبر ليس فقط في الدمار الذي خلفته الحرب، بل في أن يتحول هذا الدمار إلى واقع دائم، وأن يفقد اللبنانيون الإيمان بإمكانية بناء دولة عادلة وقادرة على حماية شعبها.

فالسلام الحقيقي لا يكون فقط بوقف إطلاق النار، بل بعودة الإنسان اللبناني إلى الشعور بأن له وطنا يحميه، لا ساحة تستخدم فيها مصالح الآخرين.

الدكتور خليل كاعين

01 تموز 2026

تعليقات: